سعيد الناجي: صوت المثقف صدى نبض المجتمع

تمكن المسرحي المغربي، الدكتور سعيد الناجي، من الجمع بين مختلف أركان فن الفرجة، وهو لا يتنقل بين العمل الأكاديمي المسرحي والخشبة ومنابر النقد المسرحي، بل إنه مستقر فيها جميعا، بحيث يكاد يشكل كل ركن منها، تخصصا قائما بذاته، يحتاج إلى كل الوقت وليس بعضه، ولكن حبه للمسرح

والتعمق في بحوره، يسهلان عليه هذا التبعثر الخلاق، ليبحر في اعماق عوالم المسرح، كتابة واخراجا ونقدا. ويؤكد الناجي، في حواره مع “مسارات”، أن وجود هذا الإصرار على ممارسة المسرح في المجتمع الخليجي، يدل على أن هناك دينامية اجتماعية ضمنه، لها تعبيرات ثقافية في مختلف ميادين الإبداع.

قدم سعيد الناجي، إسهامات نوعية مميزة للمسرح العربي، وشغل مجموعة مسؤوليات في هذا الصدد. وكانت إحدى المهام التي أوكلت إليه، اخيرا، رئاسة لجنة تحكيم الدورة الثانية لمهرجان الإمارات للمسرح الجامعي (2012)، والتي احتضنتها جامعة الشارقة، في النصف الأول من العام الحالي. ويستعرض الناجي، في هذا الحوار، مجموعة من القضايا المسرحية، مسلطا الضوء على مواطن الخلل، ومؤشرا الى جملة احتياجات وضرورات.

* ما المقلق في المسرح العربي؟

– ثمة جوانب كثيرة مقلقة في المسرح العربي، كل متدخل في المسرح العربي من بداية العمل المسرحي، ووصولا إلى عرضه على الجمهور وتلقيه من قبل النقاد، يتكلم دائما من منطلق الأزمة، أزمة النص، أزمة الإخراج، أزمة الإنتاج، أزمة النقد، أزمة الجمهور، أي أننا نحس من خلال أطراف المسرح العربي، من كتاب ومخرجين وممثلين ونقاد وجمهور، أن هناك شيئا، لا يستوي في المسرح العربي، أعتقد أن هذا يعود إلى أن المسرح العربي في كل مرة، يحتاج إلى أن يؤكد انتماءه المتجدد للثقافة العربية، وكأن هناك ذهاب وإياب، ما بين واقع أن المسرح العربي هو منتج مسرحي ثقافي في العالم العربي، وما بين أنه منتج غربي لا يزال مستوردا، وأعتقد أن كتابي”قلق المسرح العربي” يلامس جوانب هذا القلق، أما الجانب الثاني المقلق فيكمن في أن المسرح العربي في حكم تشكله هو في أغلب تجلياته مسرح تجريبي، وأعتقد ان العرب استهلكوا كثيرا كلمة التجريب من دون أن يدققوا فيها، ومن دون أن يفعّلوا حقيقة مسرحا تجريبيا حقيقيا، فإذا لم يذهب المسرح التجريبي نحو اختراق البنيات التقليدية للمجتمع والبنيات الذهنية لا يمكن أن يكون مسرحا تجريبيا، المسرح بطبعه يجب أن يكون طليعيا، وأن يوجه مسارات الحياة نحو مناطق جديدة.

أزمة وجوهر

* كيف تنظر إلى الخطاب المسرحي العربي؟
– الخطاب الذي يطرح حول المسرح العربي، متخلف عن نتاجات المسرح العربي نفسه، لأننا نفكر في المنتج المسرحي العربي بطريقة تقليدية، ولا نقترب من إنجازات فتوحات هذا المنتج، سواء الفكرية أم الجمالية منها. وهذه هي الأزمة الحقيقية للنقد، والتي تكمن في أن هذا النقد يسلط دائما وصاية على المسرح، ولا يحاول أن يكون رديفا لهذا المنتج المسرحي.

* ما ملامح المسرح التجريبي في البلدان العربية.. وهل يفكر المخرج العربي في مدرسة مسرحية معينة عندما يمارس عمله، أم يلجأ إلى نوع من الخلطة التي تجمع بين مدارس عديدة؟
– أعتقد أنها خلطة يكون المخرج المسرحي فيها ميكانيكي الدلالات والأفكار، أو تقنيا في مساق فلسفة يحملها النص، ولكن تقنية المخرج تمتلك فلسفتها الخاصة أيضا، فغالبا ما يقع صراع ما بين المخرج والمؤلف، لكن التجريب مسألة مهمة، لأننا ننسى دائما أن التجريب أطلق في الغرب ضمن حركة مجتمعية شاملة، وكان الواجهة المسرحية لما يحقق داخل المجتمع الأوروبي من إنجازات حداثية، حينذاك. وتم التقاطع في هذا الشأن، مع البنية المسرحية الفكرية التقليدية، ومن ثم إنتاج مفهوم المسرح الجديد والمسرح التجريبي. ولكن في العصر الحالي، انتهى زمن التجريب ارتباطا بالحداثة الاجتماعية والسياسية بشكل عام. إلا أننا معنيون بعمق التفتيش عن سؤال محوري هنا، وهو: كيف أصبح التجريب في عصرنا الحالي؟ إن السمة التي ميزت مسرح التجريب في مطلع القرن العشرين، تمر من خلال التأسيس لنظريات مسرحية، لكن في نهاية القرن العشرين اصبح من الصعب الحديث عن نظريات. ويعود المسرح الأوروبي إلى الخلطة بحيث يتم انتاج مسرحية مركبة تستفيد من عدد كبير من النظريات والتقنيات، لكن هذا لم يمنع من استمرار التجريب في المسرح العربي، حيث تجد مجتمعات تقليدية محافظة في المغرب أو الخليج أو السودان، وهي تنتج مسرحيات تجريبية، وكأن التجريب هنا حركة انتلجنسيا، وليس حركة ثقافية عامة.

ثلاث خلايا

* قلت ذات مرة، إن الفنان العربي في بعض البلدان، فقد استقلالية صوته وبحثه الجمالي، فكيف يمكن لهذا الفنان أن يستعيدها ؟
– صوت المثقف ينبغي أن يكون مثل سماعات الطبيب، وكذلك ان يجس نبض المجتمع، وان يكون طبيبا له، وأن يعبر عن مظاهر الخلل في المجتمع. وعلى المثقف أن يكون حداثيا وطليعيا وتنويريا ومنفتحا، ولذلك أعتقد أن المثقف أو المسرحي، لا يمكن أن يستعيد صوته، إلا إذا تخلى عن التوافق، وأن يكون معبرا عن صوته الحقيقي.

* كيف تنظر إلى التجربة المسرحية في الإمارات؟
– هناك ثلاث خلايا تقليدية للمسرح العربي، الخلية الأولى هي ما بين الشام ومصر. والثانية هي خلية المغرب العربي. والثالثة هي خلية الخليج. وقيل الكثير عن المسرح المغربي، وكنا نسمع أصواتا تقول ان هذا المسرح هو أكثر تأثرا بأوروبا وأكثر انتماء للفضاء الفرانكفوني. وغالبا ما كنا نسمع أن الخليج لا يملك ثقافة ومسرحا، والسبب في ذلك، أن ظهور النفط والثروة النفطية وجها حكمنا وآراءنا في هذا الشان، بطريقة مأساوية، جزمنا فيها أن هذه المجتمعات، هي مجتمعات نفط وثروات واستهلاك، وكأنه ليس من حقها أن تكون مجتمعات دينامية تتمتع بحركية ثقافية. وهذا ينسحب على النتاج الثقافي الخليجي، ولكن هذه كانت مجرد تشنجات فكرية، بينما أعتقد أن الأصوات الثقافية تأتي من الخليتين الثانية والثالثة، أي من المغرب العربي، ومن الخليج الذي يتمتع بدينامية مسرحية قوية جدا ولا يمكن أن نطالب هذه الدينامية بأن تكون أكثر مما تستطيع، أي لا يمكن أن نقيسها بما ينتج في أوروبا أو في المغرب أو في لبنان، هذه الحركة المسرحية أوجز سماتها في ثلاث نقاط: دينامية مسرح شبابي يمارسها الشباب، دينامية مسرحية داخل مجتمعات تقليدية ومحافظة (وجود الإصرار على ممارسة المسرح يدل على أن هناك دينامية اجتماعية لها تعبيرات ثقافية في مختلف ميادين الإبداع)، القضايا التي يطرحها المسرح الخليجي هي نفسها القضايا التي يباشرها المسرح في أوروبا أو باقي دول العالم العربي (أي أن هناك نوعا من الارتباط بين المسرح الخليجي والمنجز المسرحي العالمي، وأن المسرح الخليجي يساهم في تراكم المنجز المسرحي العالمي).
وهنا، يبقى علينا، كمتلقين، أن نعترف لهذه الدينامية بالتطور، وما شاهدته من مسرحيات في مهرجان الإمارات للمسرح الجامعي في دورة العام الحالي، دال وكاف على أن هذه الدينامية واعدة، لا سيما وأن خاصية المسرح الجامعي في الإمارات، تقدم لك توليفة تجمع ما بين المتخصصين والمحترفين والطلبة بشكل رائع جدا، وربما لا تجدها في مناطق أخرى كثيرة من العالم العربي.

* ماذا عن مشروعات عملك، بعد “البهلوان الأخير”؟
– يتوقف مشروعي حاليا، على مسارين اثنين، الأول يقوم على جمع مجموعة من ما كتبته عن المسرح، في كتاب سيصدر عن الهيئة العربية للمسرح، بعنوان “المسرح الملحمي والشرق”، وذلك في قراءة لمسرح بريشت، انطلاقا من الثقافة العربية الإسلامية والشرقية. وهو بالنسبة الي مساهمة في تصحيح قراءة بريشت في العالم العربي، لأنه قرئ على اعتباره انه كاتب سياسي، لكنه كان من أشد أعداء الخطاب المباشر في المسرح. والمسار الثاني هو عدد من الواجهات لتدعيم ممارسة المسرح في العالم العربي، وخاصة في المغرب، مثل: مهرجان فاس للمسرح الجامعي، مهرجان المسرح الجامعي العربي المتنقل. كما أعمل على بعض الإطارات في مجال النقد، أو الاستراتيجية العربية للمسرح، أو على صعيد الدينامية المسرحية التي تشرف عليها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وايضا الهيئة العربية للمسرح. وهذا بينما اصر على ابقاء العلاقة دافئة مع الخشبة، إذ أنتج كل سنة مسرحية مع الطلاب.

نبذة

الدكتور سعيد الناجي، كاتب وناقد مسرحي مغربي. حاصل على دكتوراه الدولة في المسرح العربي. وهو أستاذ باحث في المدرسة العليا للأساتذة في فاس ـ المغرب. وأستاذ ضمن وحدة الدكتوراه في المسرح في كلية الآداب بفاس، ورئيس شعبة اللغة العربية في المدرسة العليا للأساتذة بفاس، عضو الجمعية الدولية لنقاد المسرح، والأمين العام لجمعية العربية لنقاد المسرح، منسق الشبكة العربية للمسرح الجامعي، إضافة إلى مجموعة مهام ومسؤوليات أخرى يشغلها الناجي. وكتب وأخرج للمسرح، العديد من الأعمال، من بينها: “بائع الدموع”، “حب”. ومن مؤلفاته: “مسرح المغاربة”، “قلق المسرح العربي”.
يقول الدكتور سعيد الناجي، في مقدمة كتابه “قلق المسرح العربي”:
“طرح المسرح العربي، والمغربي ضمنه، منذ نشوئه، عددا كبيرا من الإشكاليات التي استبدت بالتفكير النقدي حوله، وكان ذلك بالخصوص منذ أواسط القرن العشرين، حين ترسخت الممارسة المسرحية في البلدان العربية، بسبب ما حققته من تراكمات من جهة، وبفضل ارتباطها بحركات تحرر العالم العربي من الاستعمار، حيث لعب المسرح دورا مهما في تعبئة الشعوب العربية، ودفعها دفعا إلى المطالبة بالاستقلال والتحرر من حملات الاستعمار الغاشم. وفي السياق ذاته، بدأ المسرح العربي يبحث عن آفاق جمالية جديدة.
هكذا طرح النقد المسرحي عددا من القضايا، مثل قضية حضور المسرح في الثقافة العربية القديمة، وقضية التجريب في المسرح، وقضية الجمهور المسرحي، بل إن المسرح نفسه لم يبق بعيدا عن هذا التفكير المعلن في الظاهرة المسرحية، فظهر نوع المرتجلة بكثرة، وهو نوع من المسرحيات تفكر في المسرح وفي قضاياه الجمالية والفكرية والمهنية”.

 

 


عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.