“السينوغرافيا” بين الشكلانية والرؤية المسرحية المتكاملة

طرحت الحداثة وما بعدها أسئلة كثيرة على المسرح، وتحديداً سؤال تحدي الذات، والقدرة على الخروج من الإطار التقليدي الذي يعتمد على الحكاية أو الأداء إلى فضاء آخر تحتل فيه السينوغرافيا دور البطولة في بعض الأحيان على حساب المفردات الأخرى في العرض المسرحي .

وقد أثر التطور التكنولوجي في إخراج الأعمال المسرحية، وبات الاعتماد على المؤثرات أمراً لا غنى عنه في العرض، بل يمكن القول إن الكثير من المخرجين باتوا ينطلقون من الرؤية السينوغرافية تجاه النص، بمعنى أن فضاء الشكل قد أصبح لديهم هو الأساس الذي تبنى عليه مختلف العلاقات بين مفردات العرض .

 


مما لا شك فيه أن مهرجانات المسرح صارت حلبة سباق وتنافس بين المخرجين لتقديم عروض أكثر إبهاراً من حيث الشكل، وإبداع سينوغرافيا قادرة على جذب المتلقي، وتقديم الرؤية الإخراجية من خلال العناصر السينوغرافية، حتى إن بعض الأعمال ذهبت إلى أبعد من ذلك، وقلصت دور الحوار، والأداء الجسدي، وجعلت العلاقة بين العرض والمتلقي تقوم على ما يمكن أن تجود به السينوغرافيا من دلالات .


وإذا كانت السينوغرافيا في معناها الحرفي تعني البيئة المكانية للعرض، ووصف هذا المكان، وما يوجد فوق الخشبة من ديكور وأزياء وموسيقا، إلا أن هذا المفهوم أخذ بالتوسع مع الميل إلى إيجاد تأويلات تقوم على الشكل، أو لنقل إنها تنطلق منه، وهو أمر لا يمكن الحكم عليه بالسلب والإيجاب مسبقاً، وإنما يتأتى الحكم من داخل بنية كل عرض بشكل منفصل، فالأمر في المسرح كما هو حال الفنون البصرية يعتمد على قوة التأثير، وليس على ما تضمنته المشهدية من مكونات، أو ما استخدم فيها من أدوات .


وعن أهمية السينوغرافيا وكيفية تصنيف أهميتها بالنسبة لبقية العرض يرى المسرحي حميد سمبيج أن السينوغرافيا باتت في بعض العروض هي كل العرض، وأن قدرة العرض على جذب المتلقي لا يمكن أن تحدث من دون وجود سينوغرافيا فيها إبهار للمتلقي، ويقول سمبيج: “علينا أن نعترف أن العروض باتت تنحو أكثر فأكثر نحو إعطاء دور البطولة للسينوغرافيا، وهذا لا يلغي العناصر الأخرى في العمل المسرحي، لكنه يقرر حقيقة واقعة في المسرح الذي نشاهده منذ سنوات، خاصة أن عين المتلقي راحت تتعود شيئاً فشياً على وجود عناصر ومؤثرات جاذبة، وهو ما قدّمته التكنولوجيا للعمل المسرحي، لكن المسألة في نهاية الأمر تتوقف على المخرج المبدع الذي يستطيع أن يوظف السينوغرافيا لتأكيد فكرة العرض، وتثبيت إشاراتها ودلالاتها في ذهن المتلقي، وشده إلى متابعة العرض وتذوق جمالياته” .


ويعتقد سمبيج أن أهمية السينوغرافيا في بعض العروض تتجاوز أهمية الممثل نفسه، وهو لا يعني انتقاصاً من أهمية الممثل، وإنما إشارة إلى الدور المتنامي لها في العروض المسرحية، ويقول سمبيج: “علينا ألا ننسى أيضاً أن المسرح بوصفه فناً مشهدياً قد استفاد كثيراً مما قدمته السينما بصرياً، كما أن المسرح فن حي عليه أن ينافس في المجال البصري أيضاً، وهو ما يمكن أن تحققه السينوغرافيا في هذه المنافسة، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الفن المسرحي” .


الدكتور محمد يوسف الذي خاض تجربة طويلة في فني المسرح والتشكيل يرى أن العرض المسرحي يقوم على الترابط بين كل مكونات العرض، وأن كل عنصر في العرض له أهميته الخاصة، واستخدام السينوغرافيا بطريقة شكلانية من شأنه أن يؤذي العرض نفسه، و”هو ما نجده في بعض العروض التي لا يمتلك فيها المخرج رؤية متكاملة، ويتم التعويض عن ذلك باستخدام سينوغرافيا فيها الكثير من الإبهار، لكنها تمتلك القليل من الدلالات” .


ويتابع د . يوسف: “لقد أثرت الحداثة على الفنون برمتها، ومنها المسرح، ومن تأثيرات الحداثة دخول التكنولوجيا في العرض المسرحي، وهو ما يتجلى من خلال السينوغرافيا بشكل رئيس، لكن علينا الاعتراف بأننا نرى استحضار التكنولوجيا أحياناً بطريقة خاطئة، وبناء سينوغرافيا لا تنسجم مع بيئة العرض، وما يزيد الطين بلة أن بعض المخرجين تفلت من بين أيديهم الأمور في الربط بين السينوغرافيا والأداء، وهو ما يؤثر في مجمل العرض، كما بتنا نشاهد قوالب متشابهة في بعض العروض على مستوى السينوغرافيا، وهو ما ينم عن نقص في البحث من قبل المخرج، وعدم قدرة على وضع كل عناصر العرض في بوتقة واحدة، وهذا الأمر لا ينفي أن بعض المخرجين استفادوا بشكل كبير من السينوغرافيا، وأحيانأً ينطلقون في بناء العرض انطلاقاً منها، لكنهم يمتلكون الرؤية والقدرة على بناء عرض متكامل، وتوظيف عناصر العرض بالطريقة التي تخدم المناحي الفكرية والفنية والجمالية للعرض نفسه .

 

الشارقة – حسام ميرو:

http://www.alkhaleej.ae

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *