محمد مسعد يكتب: (حنظلة) وحال مسرح الطليعة

 

يعد عرض (حنظلة) للمخرج (إسلام إمام) من العروض الدالة على بداية حدوث تحول فى وعى المسرح بالثورة المصرية، ذلك أن المسرح انحصرت علاقته بالثورة –

خلال الفترة الماضية – فى حدود التأريخ لها، ولأسباب تفجرها، ونقد النظام السياسى القمعى الذى قامت لتهدمه، وهو ما انعكس بالضرورة فى الطبيعة الاحتفالية والتبشيرية التى فاضت بها العديد من العروض، وهو انعكس كذلك فى نمو تيار مسرح الشارع الذى كان يعانى من القمع الأمنى، وكذلك رواج جلسات الحكى المسرحى التى ارتبطت فى معظمها بسرد العلاقات الشخصية التى تربط بين الأفراد والثورة كحدث اجتماعى وسياسى فارق. 

إلا أن عرض (حنظلة) يسلك طريق مختلف بعض الشىء، حيث يتخطى تلك الأجواء الاحتفالية، والتفاؤل الساذج الذى تفيض به معظم العروض التى تتعرض للثورة، نحو محاولة استكشاف أثر ذلك الحراك الشعبى على علاقات السلطة داخل المجتمع، وهو ما يتجلى عبر تحديده للفئات التى استلبت تلك الثورة وأعادت أنتاج آليات التسلط والقمع ضد الطبقة التى قادت الحراك الثورى ، تلك الطبقة التى لم تلبث أن وجدت نفسها أمام إعادة إنتاج لذات النظام الاقتصادى والاجتماعى الذى يتم سحقها عبره.. وهو ما انعكس – بالعرض – فى صورة رؤية تشاؤمية وكفر بإمكانية تغيير الواقع أو زحزحة علاقات السلطة الحاكمة لتكون أكثر إنسانية.

إن تلك النافذة المعتمة التى يطل منها عرض (حنظلة) على الواقع ربما كانت هى المبرر الأساسى للتخلى عن الرؤية التى طرحها الراحل سعد الله ونوس فى نصه (رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة)، وهو ما يتجلى فى تخلى المخرج عن النص ذاته كمرجعية أساسية فى تشكيل العرض، لتصبح العلاقة بين العرض ونص (ونوس) شديدة الهشاشة ولا تتعدى استلهام بعض المشاهد وإعادة صياغتها بما يتلاءم مع توجهات العرض الذى وضعها المخرج.. وبالتالى ربما كان من الأجدى أن نهمل محاولة البحث عن العلاقة بين النص الأصلى وبين نص العرض لأنها لن تفيدنا كثيراً فى الاقتراب من تجربة عرض (حنظلة).. وإن كان يؤخذ على العرض، عدم وجود إشارة واضحة بالمواد الدعائية تشير إلى أن نص العرض هو إعادة كتابة وصياغة لنص سعد الله ونوس الذى هو بدوره إعادة كتابة وصياغة لنص بيتر فايس (كيف تخلص السيد موكينبوت من آلامه).
وبما أننا قد تخلينا عن نص ونوس كمرجعية فإننا يمكن أن ننطلق نحو العرض من خلال البحث عن شبكة العلاقات التى يحاول العرض تحليلها والسخرية منها.

ولعل أول ما يمكن أن نصادفه فى العرض هو حالة المسرحة والتعامل المباشر مع الجمهور وكشف عناصر اللعبة المسرحية من خلال تقديم العرض من قبل مهرجين (محمد على رزق/ رشا جابر) وتعمد إحداث تشوه كوميدى عبر عملية القلب الجنسى عبر ارتداء الممثل لملابس تهريجية ذات صبغة نسائية فى مقابل ارتداء الممثلة لملابس ذكورية بالإضافة للشارب المرسوم على وجهها.

وتتصاعد حالة المسرحة مع تقديمهم للمؤديين/ المطربين فى إطار ساخر وتهريجى وصولاً لدخول الممثل الذى يؤدى دور حنظلة (أحمد فتحى) للبحث عن المكنسة التى يفترض أنها من إكسسوار الشخصية التى يؤديها.. إلخ.

ويستمر تصاعد حالة المسرحة عبر تحطيم العرض لأية إمكانية للاندماج العاطفى مع شخصية (حنظلة) عبر الكوميديا التى تتعمد السخرية من الآلام الشخصية ومعاناتها بداية من خروجه من السجن بعد دفع رشوة مروراً لطرد زوجته له من المنزل وخيانتها الجنسية له وطرده من مقر عمله السابق لتغيبه برغم محاولته إقناع المدير أنه كان محتجزاً ظلماً بالسجن خلال فترة غيابه، ثم محاولته إيجاد إجابة عن أسباب ما يتعرض له عند رجل الدين ثم لدى مركز الطب الإعلامى.. وصولاً إلى تفتح وعيه وثورته ثم سلب ثورته من خلال تلك القوى التى كانت تقمعه منذ البداية (الشرطى/الطبيب /أحمد عبد الهادى) و(المدير/ رجل الدين/ ياسر عزت).

ترتفع وتيرة السخرية وتهبط لكنها تظل دائماً حاضرة كعنصر تغريبى تماماً كالغناء الذى يقوم على المحاكاة الساخرة للعديد من الأغانى العاطفية والتى ترتبط بالإطار الساخر الذى وضعت فيه المؤدين.

وأخيراً فإن توزيع (المؤدين/المطربين) بين مساحة المتفرجين ودورهم المهم فى نسف أى مساحة للاندماج.

وبهذا يصبح حضور المتفرج كمشارك سلبى عبر الضحك والوعى بالمسرحة جزءا أصيلا من بنية العالم المسرحى فى عرض (حنظلة) وهو ما ينعكس بالطبع على طبيعة تلقى المتفرج للعرض المسرح ووعيه بالعلاقات التى تشكل ذلك العالم، فالعرض يقذف ومنذ البداية بعدد كبير من الشخصيات إلى ساحة الأداء لا تقوم بدور مباشر فى تصنيع العالم المسرحى أو بناء مجتمع النص بل أن دور معظمها يقتصر على التأكيد على حالة المسرحة وإشاعة أجواء كرنفالية عبر الملابس غير المتناسقة تاريخياً (مثل الزى الفرعونى الذى يرتديه المطرب) أو فى علاقتها اللونية أو تكوينها (مثل زى بافروتا /أمجد الحجار المكون من سترة قائد الأوركسترا وسروال شبابى).

ولعل ذلك الدور التغريبى الذى تقوم به تلك الشخصيات (مجموعة المطربين) يمكن أن يفسر مجانية وجودهم بالعرض، وعدم وجود أدوار لهم فى تشكيل العالم الدرامى، فالمتلقى يمكن أن يكتشف عدم وجود ضرورة لتلك الشخصيات بالعالم الدرامى خاصة مع وجود (المهرجين/المعلقين) من ناحية، وانعدام وجود علاقة تداخل بينهم وبين العرض من ناحية أخرى فهم منفصلون عن شخصيات العالم الدرامى ولا توجد علاقة بينهم وبين عالم حنظلة سوى التعليق الغنائى أو الحكايات التى يرويها (بافروتا). وهى التعليقات التى يمكن حذفها دون أن يصاب العرض بأى خلل بنائى أو خطابى. لكن وجودهم يظل ممتلكاً لقدر من المعقولية فى ظل الفوضى الافتراضية التى تطرحها المسرحة التى تستخدم الفوضى المنظمة وتدمير جماليات العرض المسرحى لتأكيد وجودها..

ولكن كل تلك التبريرات لا تفسر حالة القلق التى تسود العرض نتيجة فشله فى تحقيق رهانه الأساسى والمتمثل فى جمع كافة السلطات التى تسهم فى بناء الواقع وتحديد إمكانياته وممكناته وهو ما ينكشف العرض فى سقوط العرض بدوامة كبيرة تتشكل من عناصر واضحة وصريحة وعناصر تبدو مضببة وغامضة نتيجة عدم قدرتها على أن تحمل أكثر من قدرتها مثلما يبدو الحال فى الديكور الذى يبدو شديد البساطة والتجريد للحد الذى يمكن معه أن يشعر المتفرج أنه بدون معنى تقريباً ومنعدم الصلة بالعرض.. لكن ما يجعل من الممكن تقبله هى حالة المسرحة التى أشرنا إليها.

ولكن ورغم حالة القلق تلك فإن المتلقى يخرج من العرض وهو يشعر بقدر كبير من المتعة المسرحية نتيجة الحالة المسرحية المتقنة التى أنتجها المخرج وفريق العمل بداية من بطل العرض (أحمد فتحى) مروراً بأمجد الحجار الذى يظهر تقدماًُ ملحوظاً فى أدائه التمثيلى بين عرض وآخر وكذلك أحمد عبد الهادى وياسر عزت محمد على رزق ورشا جابر وآيات مجدى وسماح سليم وشادى عبد السلام.

فى النهاية يبقى أن نشير إلى أننا أمام عرض جيد ومتماسك حاول من خلاله المخرج والممثلين تقديم كوميديا راقية وممتعة باستخدام تقنيات الكوميديا ديلارتى.

http://www1.youm7.com

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *