أخبار عاجلة

رجال مسكونون بعشق المسرح

لعل في ذكر بعض الأحداث التي لا تزال عالقة بذهني، قيمة مهمة، لأنها عالقة بالآخر الذي ارتبط به شعورياً وأخلاقياً وأشكل معه جزءاً من تاريخ قد لا يهم فرداً بقدر ما يشكل مرحلة من مراحل تاريخ لا يكتب في سياق التاريخ بل على هامشه ويمتلك صدقاً وحضوراً ودلالة على ما كتب في عمق الحدث.

 

 

 

كانت أعوام الثمانينات والتسعينات في القرن الماضي ثرية جداً، ربما لأننا نتلمس نتائجها ونحن نعيش نتائجها اليوم وصراعاتها التي هي جزء من الشكل الطبيعي للعمل، خاصة وأن الدراما في حد ذاتها صراع وحوار بين الآخر والآخر.

في الثمانينات والتسعينات شهدنا ولادات كثيرة حققت لها مكاناً بارزاً في مساحة ضوء الشمس في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين والصبيان والصبايا في تلك الفترة الذهبية، أصبحوا رجالاً يتحملون مسؤولياتهم مثلما أفل نجم الكثيرين من الذين كانوا يتوهجون تحت شمس تلك الفترة، فمن رحل إلى ربه ومن اختار زاويته ليقضي أيامه الأخيرة هكذا هي الحياة.

في عام 1982 تقريباً كنت مديراً للمشاريع في شركة مقاولات كبيرة وكما يعرف من يعرفني لم تكن هذه المهنة مهنتي، إنما هي اضطرار للعيش واضطرار للابتعاد عن بقعة الضوء، هذا العمل في المقاولات قاس ومتعب ويتعرض العاملون فيه إلى الكثير من الحوادث المؤسفة، كان عملي يمتد من سويحان في أبوظبي إلى دبا الحصن، كنا نبدأ العمل بعد صلاة الفجر وحتى التاسعة مساءً ولم أكن وحدي إنما يساعدني العديد من الناس الذين يحترقون مثلي تحت شمس في يوليو وأغسطس.

ذات مساء ناداني المهندس عبيد حسن حنتوش مدير عام الشركة التي أعمل بها وقدم لي صبياً أنيقاً ونظيفاً ومؤدباً، لم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره أو في هذا الحدود، قال لي اسمه عبد العزيز شهيل الذي عرف لاحقاً بعبد العزيز المسلم، وطلب مني أن أدربه على العمل.

نظرت إلى الصبي عبد العزيز، وسميته عزوز تحبباً ورثيت لحاله، وشرحت له صعوبات العمل في مثل هذه الأشهر مع ارتفاع الحرارة وطلبت منه أن يلتحق في يوم غد بعد صلاة الفجر.

جاء اليوم التالي، نسيت عزوز بحكم زحمة العمل وتشعباته، غير أنني فوجئت بالصبي في الساعة الحادية عشرة، وبخته وطلبت منه أن يلتزم بالوقت كجزء من التدريب، وادخلته المواقع وبدأ وجهه الناصع يتلوث بالإسمنت ورمال وأتربة البناء، في المساء أكدت على حضوره مبكراً.

في اليوم الذي تلى جاء بعد الحادية عشرة، أي ما يقارب الظهر، وبخته أيضاً وطلبت منه الالتزام بالعمل، وقسوت عليه بالواجبات كما كانت قاسية علي وعلى فريق العمل معي.

تكررت تأخراته ونطق ذات يوم قائلاً :

-توى الناس يا أستاذ أنا ما اكدر انش قبل اليداعش، نظرت له بشفقة هذا الصبي المدلل عند أهله، لو كان ولدي لدللته ولحميته من حرارة الشمس، لكن المطلوب مني أن أجعل منه رجلاً أولاً .. قلت له:

احمل غالون الديزل هذا واذهب إلى طريق دبي أبوظبي، هناك تريلا تابعة للشركة توقفت لنقص الوقود.

كانت درجة الحرارة قد تجاوزت معدلاتها في ذلك الصيف القاسي، وكانت الساعة تقارب منتصف النهار وستتعامد الشمس على رؤسنا نحن الذين كنا نعمل بلا غطاء.

نظر إليّ مستغرباً.. قلت :

يا ولدي أعرف أن الطلب صعب، لكن مصلحة الشركة هي التي تدفعنا للتضحية، توقف آلية منتجة خسارة للشركة، وعلينا كفريق أن ندفع بها للحركة، وفريق العمل موزع ما بين دبا وسويحان وليس معي سواك أنت.

امتثل عبد العزيز لأمري، وحمل الديزل إلى التريلا، لكنه لم يعد في اليوم التالي للتدريب في شركة المقاولات.

بعد عام تقريباً انتسبـــت إلى دائـــرة الثقافــــة في الشارقة، بناء على طلب سمو الشيخ أحمد القاسمي، ونسبت مديـــراً فنياً لمسرح الشارقة الوطني، وبدأت في عملـــي الميداني، وفي خضم العمل في مسرحية طير السعد طلبت صبياً يتناسب مع أحد الأدوار وفجــأة دخل علي عبد العزيز شهيل، الذي عرفني قبل أن استذكر صورتـــه، وضحكنـــا معاً، كون القدر يجمعنا مرة أخرى، هو متدرب وأنا معلـــم، وكان عبد العـــزيز مثالاً للفـــنان الملتزم بالحضور والمبـــدع بأدائه التمثيلــــي وكأنـــــه كان يريد أن يثبت لي أن معدنه ثميـــن ونقـــــــي، وإن ذاك العمل في شركة المقــــاولات ليس مكانـــه ولا مكاني .. وقد صدق.

وتمر الأيام والعمل جار مع شباب مسرح الشارقة الوطني، وحينما كنت في خضم كتابـــة الكتـــاب الأول عـــن تاريخ المسرح في الإمارات احتجت لمقابلة الفنان الراحل الرائد سلطان الشاعر، للاستفادة من ذكرياته، وقد تعذر تحديد موعد لزيارته واجراء الحـــوار معه، خاصة.

وأن الشاعر التزم البيت ورفض مقابلة الآخريـــن، غــير أن عبد العزيز شهيـــل تبرع بزيارته وإجراء الحوار معه وبالفعــل اعددت اسئلتي واعطيتها إلى عبد العزيز مع مسجل صوت وزاره في منزله وسجل حديث سلطان الشاعـــر بتاريخ 2/3/1986، وكانـــت الشهــــادة والحوار إضافة نوعيــة ومصدرا من مصادر البحث المهمة في الكتاب.

ثم توالت اللقاءات والعمل مع عبد العزيز المسلم، الذي ذكرته باسم أبيه وليس بلقبه، ولعلي في ذكر محطات ثلاث تشكل تاريخ معرفتي برجل من خيرة من عرفتهم وشهدت تطورهم وتدرجهم ومؤشر على أن عبد العزيز قد تأسس فعلاً بشكل متميز منحه التميز لاحقاً، لقد كان مثابراً حريصاً على العمل، ولعلي اعتز به كوني التقيت به برعما نديا، قبل أن يزهر ورداً واخضراراً.

في مكان آخر كان لي شرف اللقاء بمبدع آخر هو محمد العامري، المخرج المجتهد، صاحب الإنجازات العديدة التي حققها من خلال عمله وجرأته في طـــرح الجديد، وهو ايضاً من الشباب الذي لم يترك لحظة دون محاولـــــة تطويــــر أدواتـــه ونمــو ثقافته وتوسيع حلمه وتفجـــر فضائـــه المسرحي إلى اللا نهاية.

معرفتي بمحمد العامري من خلال مسرح الشارقة الوطني قبل أن ينطلق كمخرج، ثم التقيت به في أكثر من دورة تدريبية متخصصة في الإخراج المسرحي نظمتها وزارة الثقافة، وقدر لي أن أكون محاضراً فيها، كما قدر لي أن يكون من بين المتدربين محمد العامري الذي كان يلفت النظر إليه من خلال جديته أثناء المحاضرات وعمق فهمه لما يطرح، وتحضيره للمادة المسرحية قبل دخول المحاضر، بل كان يطرح أسئلة عديدة وعميقة أثناء الحوار، هي في الأساس تصبح جزءاً من أهمية طرح الأسئلة في العمل المسرحي للوصول إلى قناعات ضرورية في كل ما يطرحه المسرح من اسئلة.

لم يكن محمد العامري مشاغباً من أجل الشغب وهو يطرح اسئلته إنما يطرحها لأنها ضرورة تحتاج إلى حوار عميق، وكان حوارنا يمتد إلى ما بعد الوقت المخصص للمحاضرة، لأن الحوار لا ينتهي، خاصة وأن السؤال يفتـــق اسئلـــة عديدة تحتاج إلى الإجابات.

ذلك هو شـــأن الفن المسرحي حينما نوصفه بفن الحوار، فالدراما ليست معادلة حسابية تعتمد جدول الضرب أو القسمة أو غيرها، إنما تعتمــد على هذه العقلية التي تتجاوز المرئي والمحدد إلى اللامرئي واللا محــدود الذي يتمتع بها الفنان محمد العامـــري الـــذي احترمـــه وأعجب به.

من شريط الذكريات أيضاً، تلك الإضاءات التي نقلها لنا الزميل محمد عبد الله، الذي عاصر صقر الرشود وإبراهيم جلال وعمل معهما وتأثر بشخصيتهما وتمتد هذه الذكريات إلى عام 1977، حينما التحق محمد عبد الله بمسرح الشارقة الوطني، يومها كان صقر الرشود يخرج مسرحية شمس النهار، التي أصبح محمد عبد الله من خلالها أحد مساعدي صقر، يقول عنه:

كان رحمه الله مسكوناً بحب المسرح، متيماً به، محلقاً في عالمه، لا يسمع عن مجموعــة تعمل في حقل المسرح إلا والتف عليها واحتواها وأخذ بيدها وأعطاهـــا من تجربتـــه وخبرته وحبه. إلا أن صقر كما نعلم قد انتقل إلى رحمة ربه اثر تدهور سيارته بعد عودته من العمل في المنطقة الشرقية في ليلة تكثف فيها الضباب ففقـــد السيطـــرة وضـــاع منه الطريق.. وفقد المسرح العربي واحدا من عمالقة مخرجيه ومبدعيه.

وننتقل إلى محمد عبد الله الذي يذكر بالتفصيل أحوال المسرح في الإمارات بعد رحيل صقر والأثر والحزن الذي تركه، لكن العزاء كان في إبراهيم جلال الذي واصل العمل بعد صقر وبروح الفنان المعلم الكبير، يقول عنه محمد عبد الله بكل إجلال واعتزاز:

بعد صقر ظل معنا الأستاذ الكبير وحجة المسرح العراقي والعربي الراحل إبراهيم جلال، لينقلنا إلى عالم آخر من عوالم المسرح الرحبة وليضع أقدامـــنا على عينة أخرى من عينات هذا الفن الخالد. لقد أراد إبراهم جـــلال أن يقول لنا ان المسرح لا يتوقف عند التراث والاحتفالية، وهـــو المسرح بحر عميق غزير وليس له مدى، ومن أراد أن يرتاد هذا البحر فعليه أن يتسلح بسلاحه ويسلك مسالكـــه الوعــــرة ويحيــــا صعوداً ونزلاً مع أمواجــــه المتلاطمة، هكذا عرف إبراهيم جلال المسرح ليعرفنا بعد ذلك على تسبس، ويوربيدس، واسخيلوس، وشكسبير، وبريشت، وبيرانديللو، وبيتر بروك.. وغيرهم.

كثير من الذكريات يذكرها العديد ممن عاصروا إبراهيم جلال وتتلمذوا على يديه، وجميعهم يتفقون أن المحاضرة والبروفة والحوار حول المسرح إذا بدا في مبنى المسرح لا ينتهي ليلاً في المسرح إنما ينتقل كل شباب مسرح الشارقة الوطني بسياراتهم يتبعون إبراهيم جلال إلى منزله ليستمر الدرس والحديث والحوار على المسرح، الذي لا ينقطع، إنما يؤجل لليوم التالي الذي يستمر إلى الذي بعده.

فالمسرح عند إبراهيم جلال هو حياته اليومية، هو الهواء والماء والغذاء والحلم، هو فضاء يبدأ مع فجر كل يوم ولا ينتهي، ورأس الرجل على الوسادة، هذا هو إبراهيم جلال الذي قاوم حتى المرض والإعاقة البدنية ليستمر شامخاً على الخشبة حتى اللحظة الأخيرة لرحيله الأبدي.

 

مبدع لا يتوقف

 

كان لي شرف اللقاء بمبدع هو محمد العامري، المخرج المجتهد، صاحب الإنجازات العديدة التي حققها من خلال عمله وجرأته في طرح الجديد، وهو ايضاً من الشباب الذي لم يترك لحظة دون محاولة تطوير أدواته ونمو ثقافته وتوسيع حلمه وتفجر فضائه المسرحي إلى اللا نهاية.

معرفتي بمحمد العامري من خلال مسرح الشارقة الوطني قبل أن ينطلق كمخرج، ثم التقيت به في أكثر من دورة تدريبية متخصصة في الإخراج المسرحي نظمتها وزارة الثقافة، وقدر لي أن أكون محاضراً فيها، كما قدر لي أن يكون من بين المتدربين محمد العامري الذي كان يلفت النظر إليه من خلال جديته أثناء المحاضرات وعمق فهمه لما يطرح.

 

 

«شمس النهار»

 

من شريط الذكريات أيضاً، تلك الإضاءات التي نقلها لنا الزميل محمد عبد الله، الذي عاصر صقر الرشود وإبراهيم جلال وعمل معهما وتأثر بشخصيتهما وتمتد هذه الذكريات إلى عام 1977، حينما التحق محمد عبد الله بمسرح الشارقة الوطني، يومها كان صقر الرشود يخرج مسرحية شمس النهار، التي أصبح محمد عبد الله من خلالها أحد مساعدي صقر، يقول عنه: كان رحمه الله مسكوناً بحب المسرح، متيماً به، محلقاً في عالمه، لا يسمع عن مجموعة تعمل في حقل المسرح إلا والتف عليها واحتواها وأخذ بيدها وأعطاها من تجربته وخبرته وحبه.

 

المصدر:

  • عبد الإله عبد القادر

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.