أزمة مسرح الطفل مسؤولية مشتركة بين الثقافة والتعليم

 

 

 

وجّه عددٌ من المبدعين في مجال مسرح الطفل انتقادهم لتراخي المسؤولين عن الحركة الثقافية والتربوية معًا، حيث رأوا أن هذا النوع من المسرح يثري الحياة الثقافية عمومًا بما له من أهمية كبرى في صنع جمهور للمسرح في المستقبل، بالإضافة إلى أهميته في مجال التربية والتعليم بصفته يهدف في الأساس إلى التعليم ثم الإمتاع، كما رأى البعض أنه في ظل الهجمات التكنولوجية الشرسة أصبح الطفل يعاني من عزلة عن محيطه الاجتماعي وأصبح غير قادر على التواصل مع الآخرين على النحو الواجب، مؤكدين لـالراية في الحلقة الثانية من ملف “مسرح الطفل” أن المسرح أحد أهم العوامل القادرة على إعادة الطفل إلى التعامل الحي مع محيطه كبديل عن شاشة الآيباد والكمبيوتر اللذين سيطرا على ذهنه، خاصة بعد غياب التربية المسرحية، وإلغاء أنشطة المسرح المدرسي وقلة الأعمال المقدمة للأطفال، حيث أصبح هناك فراغ كبير، دفع الأطفال للاكتفاء بمتابعة البديل المتمثل في أفلام الكرتون المدبلجة عن اليابانية أو الأمريكية، فتعلقوا بالمواد الغربية التي تبث إليهم ثقافات مختلفة عن عاداتنا وتقاليدنا.

 

“تراثنا العربي”

الكاتبة حصة العوضي عضو مجلس أمناء جائزة الدولة لأدب الطفل على قضية وسائل تطوير مسرح الطفل أكدت أن التراث العربي مليء بالقصص المفيدة التي يمكن تطويعها مع حاضرنا، ورأت أن الاعتماد على تلك الحكايات التراثية وسيرنا الإسلامية ستكون بديلاً أمثل لأطفالنا عن أفلام الكرتون المدبلجة عن اليابانية أو الأمريكية والتي لا تتماسّ مع ثقافتنا وعادتنا وديننا الإسلامي، وأرجعت معاناة الساحة المسرحية من قلة الكتابات المتخصصة في مسرح الطفل إلى ضعف الإنتاج، الأمر الذي دفع من يملك موهبة الكتابة للابتعاد عن هذا المجال، عندما لم يجد دعمًا ماديًا أو معنويًا لمسرح الطفل، وأكدت أن التقكير في هذا النوع من المسرح أصبح يتجه إلى الناحية التجارية فقط ولا يهدف إلى التعليم في حد ذاته، وقالت: إذا استطعنا أن نجمعًا كمًا وافرًا من الإنتاج الأدبي الذي يستعرض ثقافتنا العربية والإسلامية سنستطيع أن نتخلص من تعلق الطفل بالمواد الغربية، خاصة أن هناك غزارة في التراث العربي ما يتطلب منا الغوص في هذا التراث واستكشاف ما فيه من قصص تتناسب وتتماهى مع تراثنا الثقافي، وناشدت حصة العوضي، المسؤولين بتحويل هذه الأعمال الشعرية القصصية إلى أعمال مسرحية شعرية تمثل على خشبة المسرح حتى يتسنى للطفل الاستفادة منها مع ضرورة أن يستمر عرضها لفترات كبيرة ولا يتم الاكتفاء كالعادة بتقديم عرض لمدة ليلة أو ليلتين وهو ما لا يتيح الفرصة أمام أكبر كمّ من لاطفال لمشاهدة تلك الأعمال التي تتكلف كثيرًا ولا يتم استثمارها بعد كل تلك المصاريف التي يتم إنفاقها على الإنتاج، وأضافت: استطاعت جائزة الدولة لأدب الطفل أن توفر عددًا من النصوص المسرحية لكن لم ينفذ سوى عمل واحد، مؤكدة ضرورة ترجمة الأعمال الأدبية لصورة مرئية، وأوصت بضرورة الاعتماد على موضوعات تناسب مجتمعاتنا في الأعمال الأدبية الموجهة للأطفال، خاصة بعد أن أصبحنا نتلقى من الخارج ولا نقدم ما يعبر عن ثقافتنا، ولفتت إلى أنه بعد غياب التربية المسرحية، وإلغاء أنشطة المسرح المدرسي أصبح هناك فراغ كبير، وأصبح كثير من الأطفال لايعرفون شيئًا عن المسرح، ولم يعد هناك فرصة أمام الطفل الموهوب ليعرض من خلالها موهبته، كما أن ثقافة ارتياد المسرح اختفت عند الأطفال، ونبهت على أننا نواجه اليوم هجمات تكنولوجية شرسة قادرة على عزل الطفل عن المجتمع ومنعه من القدرة على التواصل مع الآخرين، قائلة فرضت التكنولوجيا الحديثة عزلة على الأطفال فانتهت الروح الجماعية والمشاركة، وأصبح كل شيء فرديًا، سواء في الألعاب أو مشاهدة الأعمال الفنية ووسائل التسلية عمومًا، حيث أصبح الطفل يجنح ناحية المشاهدة الفردية للكرتون على الآيباد، ويلعب وحيدًا في غرفته بألعابه الإلكترونية، في حين أن المسرح يستطيع أن يجذبه للخارج ويتعلق بالتعامل الحي من الآخرين.

 

“دور التعليم”

الدكتور ربيعة الكواري أرجع أزمة مسرح الطفل إلى قلة النصوص، وعدم التشجيع وتبني الأعمال الفنية المقدمة في هذا المجال، مؤكدًا أن الأمر انحصر على الاهتمام بالندوات والأمسيات التي تناقش مشكلات أدب الطفل دون العمل على حلها بطريقة عملية، منوهًا إلى ضرورة التفات المجلس الأعلى للتعليم إلى أهمية الأنشطة الفنية وما تعود به من فائدة لدى الأطفال، مؤكدًا أن التربية هي التي أسست المسرح في قطر، وبإلغائها اختفت ثقافة ارتياد المسرح، وأضاف: رؤية قطر الوطنية 2030 تشجع على أن يكون لدينا أعمال إبداعية وخلاقة، وبالطبع فإن الطفل يعتبر أحد أهم عناصر هذه الرؤية، وعلى ذلك يجب التطبيق بشكل عملي بحيث يصبح مسرح الطفل مدعومًا ماديًا ومعنويًا، وتصبح الجهات المسؤولة عن التعليم في قطر حاضرة في تنفيذ هذه الرؤية إلى جانب المسؤولين عن الثقافة، فالأمر لا يجب أن يقتصر فقط على العلوم بل أن تربية ذائقة الطفل مسؤولية التعليم أيضًا، لأن تطوير الطفل يجب أن يكون في شتى المناحي، وأكد أن مشكلة مسرح الطفل ليست على الجانب المحلي فقط بل إنها تشمل المنطقة العربية عمومًا، وهو ما يؤكده ضعف مستوى الأعمال المقدمة لجائزة الدولة لأدب الطفل وعددها، إلا أن الخليج هو الأكثر معاناة من الدول العربية الأخرى وهو ما يحتاج إلى زيادة الاهتمام، ودعا الدكتور ربيعة الكواري إلى ضرورة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في أدب الطفل بما يتماشى مع مستحدثات العصر، مؤكدًا أن عودة المسرح للمدارس أمر في غاية الأهمية، خاصة أنه مع فقدان المسرح المدرسي تأثر كثيرًا مسرح الطفل بالتبعية نتيجة فقدان ثقافة ارتياد المسرح من جهة وعدم تثقيف الطفل مسرحيًا من جهة أخرى.

 

“فرقة قومية”

وتحدث الفنان محمد البلم رئيس مجلس إدارة المركز الشبابي للفنون المسرحية عن أمنياته بضرورة إنشاء فرقة قومية خاصة بمسرح الطفل، مذكرًا بمسرح الدمى في السبعينيات والعديد من المسرحيات التي لعبت دورًا كبيرًا في توعية الأطفال وتثقيفهم فضلاً عن صقل المواهب الحقيقية، وقال: للأسف فقد أُهمل مسرح الطفل تمامًا، وهو الذي كان يعتبر وسيلة هامة لدى الأجيال القديمة في الترفيه والتعليم في ذات الوقت، فذهب هذا الفن أدراج الرياح، وعلينا أن نأسس له كما فعلنا في الماضي، وربما ما يخفف من وطأة تلك المأساة هو أننا نعمل من خلال إرث نحاول جمع شتاته حتى لا نبدأ من البداية، فمازال لدينا عدد من الفنانين ذوي الخبرة في هذا العمل الذين مارسوه أيام مجده القديم في فترة السبعينيات والثمانينيات، ومسرح الطفل عمومًا والعرائس بشكل خاص يحتاج للعمل بأساليب مختلفة تتواءم مع طبيعة العصر الحالي، والمركز الشبابي للفنون المسرحية لم يتوانَ عن لعب دور في إحياء مسرح العرائس، ولكن الأمر يحتاج إلى مساندة وزارة الثقافة ليعود هذا المسرح إلى هيبته القديمة، ويرى البلم أن الأمور التكنولوجية صعبت المهمة أمام التعامل مع خيال الطفل الذي أصبح من الصعب أن يتواءم مع نوعية الأعمال التي كانت تقدم من قبل للأطفال، حيث أتت التكنولوجيا بكل ما يستهويه وربما يكون ذلك هو السبب الأساسي في انصرافهم عن ارتياد المسرح، لافتًا إلى أن طفل اليوم الذي يجلس على الكمبيوتر والإنترنت أصبح له متطلبات مختلفة في العمل الفني الذي يتلقاه تعتمد على الصدق الفني واحترام عقله، وأكد ضرورة مراعاة متطلبات العصر في مسرح الطفل من إبهار تعود على مشاهدته خلال متابعته لبرامجه ومسلسلاته الكرتونية أو ألعابه التكنولوجية، بحيث يتم مزج تلك المستحدثات مع القيم النبيلة والسامية والتي تضمنتها الأعمال القديمة، مؤكدًا أهمية القيم التعليمية في مسرح الطفل من خلال تعليمه العديد من الأشياء التي قد لا يفلح فيها التلقين المباشر، مشيرًا إلى أن أحد مهام مسرح الطفل هو إيجاد صيغ تربوية سليمة تهدف إلى غرس القيم الجيدة والأخلاق النبيلة بإضافة التسلية والمتعة، مؤكدًا أن مسرح الطفل عمومًا والعرائس بشكل خاص تحتاج للعمل معها بأساليب مختلفة تتواءم مع طبيعة العصر الحالي.

 

http://www.raya.com/.

 

أشرف مصطفى


عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.