قراءة فـي حكايات المطر

 

 

 

حكايات المطر ، عرض مسرحي من إعداد وإخراج : نزار جبر . سينوغراف : جبار جودي . والمسرحية لا كاتب لها ، بل هي أشبه بمجتمع عراقي مصغر ، لكل من الاشخاص همه ، وارهاصاته ، لذلك كان لكل شخصية من شخصيات العمل ان تكتب النص المخصص لها ، الا ان المحور المشترك لدى الجميع هو الهم الانساني ، وانتظار الخلاص ، فقد اعتمدت الحوارات الدرامية على ثنائية الأزمة والانفراج ، فضلاً عن استثمار دلالات كلمة (المطر ) الدينية والدنيوية ، فالمطر في القرآن الكريم لم يذكر ليكون باعث خير أو امل ، بل اينما ذكر تسبقه كلمة (وابل ) او وعيد وانذار بالخطر ، ومن هنا استثمرت شخصيات العمل المسرحي دلالات كلمة المطر .. فبين الديني والدنيوي تعتمد أغلب الشخصيات على الموروث الشعبي للمطر الربيعي (مطر نيسان ) وهو شهر الربيع والخصب ، فيأتي في الحوار : 
(ابني مريض ، تعبان ، لسانه ثكيل ومايحچي ، وكالولي شربيه من مطر نيسان) ، وهو اقرب للنذور ، والنذور تزدهر حين يكون المرء مسلوباً ، ولو توقفنا عند النص الذي اقتبسناه نجده يعالج نتيجة مابعد الصراع ومابعد النذور ومابعد المطر ، فالمرأة ليست متأكدة بل محبطة تماما ، وليس لديها إلا أن تذعن لأسطورة النذر ووعود المطر .. لكن المطر لا يأتي ، المطر الذي يظهر في مشاهد كثيرة من مخزون ذاكرة الشخصيات المتصارعة ، ويظهر مدمراً ، ويهدد الحياة والمدنية ، ويغرق كل شيء ، هو اقرب للمطر بدلالته القرآنية ، وليس المطر الذي تريده هذه المرأة وله دلالة قرآنية اخرى كونه ماءً ، والماء حياة .. ولا شك ان النظر الى المطر من نافذة نتائجه لا من نافذة انتظاره هو ماجعل الصراع يحتدم داخل كل شخصية من شخصيات العمل المسرحي : (الله وأكبر ، معاملة مال تعيين صارلهه خمس سنين ماتمشي ، بلكت مطر نيسان يمشيهه) ، هو صراع آخر ، صراع لدى شخصية اخرى تمثل شريحة من شرائح المجتمع ، فبعد خمسة أعوام من الجفاف الحياتي ينتظر هذا الشخص ان تنفرج ازمته بانهمار مطر ميسان ، هي محاولة للبحث عن الأمل المبلل .. 
ولم يخل الصراع من انزياحات كبرى للفظة المطر ، فالفتاة التي تزوجت ، تتذكر كيف كان المطر منهمرا عليها ، وهنا دلالة اخرى للمطر ، المطر الذي يحمل الوعود ، بل هو هناك دلالة تعبر عن اللذة الجنسية واقترانها بالمطر .. ولأن الجميع تحت مظلة الانتظار ، فإن احد الشخصيات يبحث عن ( مطر حديث ) ينزل على العقل ، لكنه يظهر وهو يغسل أقدام الذين أصابهم المطر السابق !! المطر الذي اغرق بغداد وجمالياتها .. 
ولم يخل العرض المسرحي من مشاهد فرح البنات بالمطر واغنياتهن وابتهاجهن ، الذي سرعان ماتداهمه غيمة سوداء فتقتل الفرح ، فيهب الجميع لكنس الغيوم السوداء ، لكن العمل المسرحي لم ينته ، فهناك من هو منشغل بغايته الشخصية ، فهو يشرب الخمر دون ماء ، لأن الجفاف يحيط به من كل جانب ، فيصرخ : (مليت من السادة ، ألمي مكطوع من سنين ،، هسه لو قطرتين حتى أكاسر ، إي دمطري) .. !! 
ان الاعتماد على التقاط صورة الصراع من الحياة اليومية هو ميزة هذا العمل ، ولعل المطر لايعني جيل الفيسبوك ، ولايعنيهم سوى صور السيلفي ، فيحاول احد الشخصيات التقاط صورة مع المطر (سيلفي ) ثم يقول (بلغة الفيسبوك ) فديته للمطر .. أموت على ربه !! 
المطر الذي يغسل النفوس ، يبدو مميتا الى درجة شطب الحقائق ، فالطالبة التي تقرأ لاتجد سطرا في دفترها 🙁 الدنية مطرت على كتبي ومسحت الكلمات ) .
ذلك لأن المطر المنتظر لن يأتي الا بعد تراشق الجهات بقناني المياه !! ، وهو مشهد صامت ناطق ، اعتمده مخرج العمل لكي يجعل الصورة تنطق بصمت اكثر صخبا من الكلام .. 
المطر ، الموت ، الفيضان غير المجدي ، الشهداء وصورهم ، كل هذا يبدو بحاجة الى (التعميد ) حين تقوم المرأة بتعميد الجميع بخوذة المطر لتحميهم من المطر..! 
هي تجربة تستحق الوقوف نقديا عند كل مفاصلها ، وهو عمل كبير ، واعظم مافيه انه عمل طوعي لم يكلف الدولة اية نفقات ، حتى كتابة النص كانت عملية جماعية.

 

حسين القاصد

http://www.almadapaper.net/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.