«على الهـاوية».. المسرح لا ينتصر دومــاً للمهمشين

 

 

 

التجربة الأولى لا تكون دوماً مرتبكة، والاختيار الصحيح كالمقدمات المنطقية، سيفضي إلى نتائج «صحيحة» وجيدة.. هذا هو ما تحقق مع عرض مسرحية «على الهاوية» لمسرح دبي الشعبي، التي عرضت مساء أول من أمس، ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثامنة لمهرجان دبي لمسرح الشباب برعاية هيئة دبي للثقافة والفنون، التي شهدت التجربة الإخراجية الأولى لحسين جواد، الذي نجح أولاً في اختيار نص عبدالله صالح، ثم نجح بعد ذلك في اختيار الممثلين الرئيسين مروان عبدالله وريم زهير وعبدالله المقبالي، ما أتاح له تطبيقاً رائعاً لرؤية إخراجية تناغمت مع عناصر العمل الأخرى.

ضغط نفسي

حالة من الضغط النفسي العصيب تعرض لها مخرج العمل حسين جواد، ما دفعه لأن يجهش بالبكاء في معرض إجابته على ملاحظات المتداخلين في الندوة التطبيقية التي تلت العرض، وشهدت إشادات بالمستوى الفني للعمل، الذي يبدو أنه سينافس بقوة على منصة جوائز المهرجان.

بكاء جواد الذي يشارك لأول مرة في مهرجان دبي لمسرح الشباب مؤشر إلى أن الضغوط النفسية التي تلقى على الشباب يبو أنها مبالغ فيها، وإذا كان «على الهاوية» قد قدم أنموذجاً للعرض الشبابي الناضج، فإن بعض العروض الأخرى جاءت أقل مما تم رصده في عروض المشاهدة، أو حتى في تمارين أدائها الرئيسة، ما يعني أن إدارات المسارح مطالبة بتخفيف العبء النفسي على فرقها المسرحية المشاركة في المهرجان.

كما أن غياب فرصة العرض المتكامل قبل المشاركة في المهرجان على الخشبة ذاتها، وهذه الرهبة والارتباك اللذين لا يصبان في مصلحة جمالية العرض ويحتاج تجاوزهما إلى خبرات كبيرة، من البديهي أنها لا تتوافر لدى مواهب شبابية تخوض تجاربها الأولى.

وسبق العرض تقديم ندوة في «مجلس المهرجان» تحت عنوان «المزاوجة في الفنون الحركية والأدائية»، شارك فيها الفنان جسار قدور، مصمم الفنون الحركية في الكثير من الأعمال المسرحية، وأدارت الجلسة علياء المر المهيري، مدير تعزيز العربية في هيئة «دبي للثقافة»، فيما تلت العرض جلسة نقاش مفتوحة مع الحضور بمشاركة المؤلف عبدالله صالح الرميثي، والمخرج حسين جواد، أدارها الفنان غنام ناصر.

يشار إلى ان من عروض اليوم أيضاً ندوة تطبيقية لمناقشة مسرحية «جثة على الرصيف» تلي العرض، إضافة إلى عروض لمسرح الارتجال.

المسرح لا ينتصر دوماً للبسطاء والمهمشين، لكنه في المقابل يمكن أن يكون بمثابة صرخة لهم، وبوح يقودهم إلى قدر أيسر ألماً، وأدنى وطأة، فعلى «هاوية» الانتحار، تبقى الزحزحة عن حافة القمة، منجاة، حتى وإن كان الأمل في الخلاص التام لايزال بعيداً، هي إحدى النهايات التي تنفتح عليها التأويلات الممكنة لمسرحية «على الهاوية»، لتحاول أن تتعاطى مع العمل من بوابة «الأمل».

يوم هو الأجمل من بين سابقيه من حيث المشاهدة، على الأقل حسب الانطباعات الأولية حول تجاوب الجمهور مع العرض، وأحاديث ما بعده، بل إن الممثلة ريم زهير حصلت على تصفيق استثنائي في منتصف العرض من قبل الجمهور، كان بمثابة بطاقة ترشيح مبكرة لجائزة أفضل ممثلة، لاسيما ان الحضور النسائي ضمن جائزة أفضل ممثلة دور أول، ونحن على بعد مسرحية وحيدة تشملها المسابقة الرسمية لا يتضمن سوى اسم الممثلة إلهام محمد.

الاهتمام بالتفاصيل يمنح انطباعاً حقيقياً بالاهتمام بالكليات، ومن الاطلاع على المطبوعة التعريفية لـ«على الهاوية»، نستشعر أننا أمام عمل احترافي، لاسيما عندما نلاحظ الربط الدقيق بين إخراج النبذة التعريفية المطبوعة، وإخراج المسرحية، فشخصية عبدالمنتصر التي هيمنت على الأحداث حتى دون حضورها في كل المشاهد، كانت حاضرة بالهيمنة ذاتها على صورتي الشخصيتين الرئيستين، زيد فرحان التي جسدها الممثل عبدالله المقبالي، ومنى فرحان التي أدت دورها الممثلة الشابة ريم زهير، والمثير أن مصمم المنشور التعريفي هو الممثل عبدالله المقبالي نفسه.

كل شيء كان واضحاً في «على الهاوية»، ولم يختر المخرج أن يعمد إلى مفاجأة مشاهده، بقدر ما هدف إلى تعميق مقولات العمل، ومحتواه، من خلال مستويي الصراع الداخلي والخارجي بين الشخصيات، فاسم العمل تم ربطه مع المشهد الأول بكل تفاصيله، فهنا فضاء محدود على المسرح، جعل الممثلين أكثر قرباً من الجمهور، كما أنهم قريبون أيضاً من حدي المسرح الأمامي والخلفي، لأنهم ببساطة «على الهاوية».

جماليات الديكور ليست في تعددية قطعه أو غرائبيتها، فلا فائدة من تعدد لا يوظف درامياً، وهنا رأى جواد أن الفضاء المسرحي هو الأنسب، والخلفية السوداء وإن شابتها شبهة تكرار في العروض السابقة، وحظي مخرجون ببعض الانتقاد لاتجاههم إليها، لكنها هي الأنسب للعمل، على الرغم من ان بعض الانتقادات الجاهزة قد تشير إلى أن ملابس شخصية «عبدالمنتصر» التي أداها مروان عبدالله جاءت متشحة بالسواد، وهو أمر لا يسهم في بروز الفعل الدرامي، لكن واقع المشهد يشير إلى أن سيادة السواد هنا أسهمت في إيصال رؤية إخراجية أرادت تعميق فكرة المصير المحتوم، في تلك اللحظة، للواقفين على الهاوية.

القمة التي هي هاوية في الوقت ذاته هي بمثابة نافذة ذات مآلين، أولهما بالنسبة للطاغية عبدالمنتصر الذي صعد إليها بصحبة حقائبه المتخمة بالثروات، كي تكون معبراً له إلى قمة أخرى وإن كان الجسر رقاب ضحايا جدد، والمآل الآخر كونها وجهة للخلاص، والفرار من هذا الواقع المأزوم بالنسبة لنموذجين من الضحايا هما «زيد سعيد» الذي فشل في علاج طفلته المقعدة، وانقاذ زوجته وصغيره من الاختطاف و«منى فرحان» التي غرر بها طاغية وسلبها عذريتها، ليقرر الثنائي الصعود إلى القمة ليس لأجل الاحتفاظ بها، بل برغبة السقوط إلى الهاوية، والتخلص من حياتيهما.

هنا لقاءان أجاد المخرج تحويلهما إلى طاقة فعل مسرحي مستخدماً جل أدواته من الحوار والإضاءة والموسيقى، في حضرة الديكور الثابت، الأول بين زيد سعيد ومنى فرحان، اللذين يداعبهما الأمل بعد أن تشتعل جذوة الحب بينهما وهما على «القمة» ويستدعيان مرارة وقوعهما ضحية الطاغية، ثم بعد ذلك لقائهما مع عبدالمنتصر بعد أن حصلا على المال الذي كدسه، وتمكنا أيضاً من الحصول على بندقيته، ما يعني أن القوة تحولت أخيراً إلى المستضعف. اللقاء الثاني كان الأكثر دراماتيكية، فعلى الرغم من اختلاف الطاغية الذي أضر بكلا الضحيتين، إلا أنهما يكتشفان أن كليهما ووجوهاً أخرى كثيرة هي صور لشخصية «عبدالمنتصر» ذاتها، وأن حصولهما المؤقت على المال والقوة بات مهدداً بظهور نماذج عديدة من هذا الـ«عبدالمنتصر» تحيط بهم من كل جانب، في إشارة إلى أن الخلاص الحقيقي والواقعي لايزال مجرد أمل، ومحاولة تحتاج للتخلص ليس من نموذج واحد أو نموذجين، بل من كل من يسعى إلى سحق آمال وطموحات البسطاء في العيش والحياة والحلم.

نشاطات اليوم

 

تتضمن نشاطات اليوم في ثامن أيام الدورة الثامنة لمهرجان دبي لمسرح الشباب عدداً من الفعاليات، أبرزها:

** ندوة بعنوان «نون النسوة في مسرح الشباب»، ضمن فعاليات «مجلس المهرجان»، وتدور حول مستوى مشاركات الممثلات ضمن أعمال المهرجان، والوقوف على أبرز الظواهر في هذا الصدد.

** عرض مسرحية «جثة على الرصيف»، تأليف سعد الله ونوس، وإخراج أحمد الشامسي، وهي عرض جامعي مستضاف خارج المسابقة الرسمية للمهرجان.

تمنيت أن لا «أتمنى»

 

جاء الحوار وكذلك المونولوغ الداخلي في كثير من مفاصل «على الهواية» أقرب إلى الشاعرية، رغم الأزمة النفسية التي بدا عليها الشخوص، والصراع المحتدم بين الضحيتين والطاغية، وأسهم في خلق حالة وجدانية حالمة، خففت من قتامة الأفق المسدود بصعود الضحيتين لـ«الانتحار» من أعلى حافة «الهاوية».

«تمنيت حتى ألا أتمنى، كي لا أحصد لقلبي الأحزان، لكني تمنيت»، عبارة مغرقة في الخيال ترجمت أزمة «زيد سعيد»، الذي أجاد في أداء دوره الممثل عبدالله المقبالي، فيما كان أداء الممثلة ريم زهير لشخصية «ريم فرحان»، مبدداً لندرة الأدوار النسائية في المهرجان، ومرشحاً لها بامتياز لجائزة أفضل ممثلة دور أول، قياساً بالأعمال التي سبق عرضها. الاهتمام بالعبارة الأدبية تبدى في نص عبدالله صالح بشكل أقوى من نصه الذي جاء في العرض الافتتاحي، وأخرجه ابنه مروان عبدالله «قوم مطران»، وبدا أن التعاون بينهما في إطار ثنائية «المؤلف والممثل»، أكثر إمتاعاً من ثنائية «المؤلف والمخرج».

 

محمد عبد المقصود

http://www.emaratalyoum.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.