أخبار عاجلة

“بيت بلا شرفات” عرض مسرحي ينحو تجاه مسرح الصورة

 

 

 

نحا العرض المسرحي الاردني “بيت بلا شرفات” الذي افتتحت به عروض مهرجان المسرح الاردني في دورته 21 مساء امس الجمعة على مسرح هاني صنوبر في المركز الثقافي الملكي تجاه اسلوبية مسرح الصورة بالاشتغال المكثف على الانساق البصرية للعرض.

العرض المسرحي البصري “بيت بلا شرفات” الذي اخرجه فراس المصري، ارتكز على اللغة الحوارية ببعديها البصري والمادي للكلمة وثراء دلالتها التأولية ولاسيما تلك المغناة منها، إضافة لتداعي الانساق البصرية بما يتعلق بالحوار بين ذاكرة الجسد التي تعمق التأويل حيث يصبح الجسد هنا لغة بصرية تعبيرية لها مفرداتها التي تتداعى في الفضاء بما فيه من ديناميكية ميتافيزيقيا التكوينات السمعبصرية وعناصر السينوغرافيا الاخرى من موسيقى وديكور واضاءة وايقاع ولون، وبين عناصر العرض الانسانية (مخرج/ممثل/ومتلقي)، للتكامل بالتالي مع ميتافيزيقيا الخيال المتأتية من الانساق البصرية بمعان بعيدة عن قصدياتها الواقعية.

يستهل العرض أولى لوحاته بشخصية العاشق/الحبيب ويؤديها الفنان عامر محمد، تلج لعمق الخشبة ببطء في ظل اضاءة حمراء مؤديا عزفا موسيقيا عاطفيا على عوده فيما التعتيم يعم باقي ارجاء الخشبة التي تموضعت في عمقها الواح خشبية سود صلدة تعبر عن سوادية المكان والحزن القاتم الذي يلفه، ثم تأتي اللوحة الثانية خلال خروج شخصية العاشق من يسار الخشبة ودخول شخصيات العرض الاخرى (النساء الست) ويؤدينها اريج الجبور(العجوز) ومرام ابو الهيجاء(الام) ورناد الخطيب(ابنة1) وسناء ايوب(ابنة2) ونور عزام(المغنية) ورنا قطامي(العرافة)، وقد اتشحن بملابس كاملة السواد يلوحن بأغطية الراس السوداء فيما العزف الموسيقي ما زال متواصلا خلف الكواليس.

وفي حين تتقدم احداهن تحمل بين يديها غطاءً ابيض طويلا كناية عن الكفن، تشكل اثنتان منهن بذلك الغطاء ما يشبه التابوت او القبر في مشهد يشير الى واقع جنائزي حزين لتتوزع اثنتان اخريان الى يمين ويسار الخشبة فيما تتموضع الباقيات في منتصف الخشبة خلف تشكيل التابوت / القبر، لينطلقن بعد ذلك برثاء جماعي مغنى في ظل اضاءة زرقاء سفلية من جانبي الخشبة ليصاحبهن من وراء الكواليس تسجيل صوتي يؤديه صوتيا الفنان بكر قباني، باعتباره والدهن المتوفى الذي لا يكف عن تحقيرهن ونعتهن بــ(بومات الجحيم) في اشارة الى معاملته القاسية لهن، لينبعث دخان ابيض في تلك اللحظة بالتزامن مع هواء تضخه مراوح متموضعة بكواليس المسرح لتتموج اغطية كبيرة تغطي الخشبة تظلله إضاءة زرقاء وخضراء تتموضع في عمق منتصف الخشبة، معبرة عن حالة الغضب التي تجتاح هذه الاسرة التي فقدت والدها، وعدم الاستقرار العاطفي الذي تعانيه.

العرض المسرحي الذي اتكأ على مدرستي المسرح الرمزية والتجريبية مقتربا من المسرح الواقعي والطليعي، وكتب نصه الفنان والكاتب السوري هشام كفارنة والمستوحى من نص “بيت برناردا البا” للشاعر الاسباني فدريكو غارسيا لوركا، يتحدث في ثيمته الرئيسة وبنائه الخارجي عن مجموعة من النساء اللاتي يحاولن ان يحلمن من خلال تحقيق رغباتها الانسانية والاجتماعية الاساسية وحقهن بالحصول على رفيق وزوج في حياتهن فيما يتحولن الى مستبدات قاسيات حال ما يسعى احد ما ان يسرق منهن احلامهن، فيما عبر في بنائه الداخلي من خلال محمولات الايقونات السمعبصرية عن انه حال ما تشتد الازمات والدمار والقتل واراقة الدماء، وفيما تمسي افكار خارج سياق العصر، متسيدة للمشهد الحاضر في منطقتنا العربية، تصطدم نوازع الناس بتحقيق احلامها بالواقع المعاش ما يضطرها الى ان تقتل ذلك الحلم ليتحول فكرها مستبدا قاسيا ظالما، ويعيد نسج اوجاع المرأة وعذابتها وحلمها الموؤد باسقاطات الواقع العربي الحالي بما يحمله من صراع بين التنوير من جهة وتثريب الفكر ورجوع القهقرى من جهة اخرى وهو ما يعيد طرح التساؤلات عن احلامنا وضياعها في هذه البقعة من العالم في ظل عوامل الشد العكسي .
ويختتم العرض المسرحي مشاهده باحاطة النسوة بالرجل الذي يشتركن بعشقه من خلال دائرة ملتفة حول خصرهن شكلنها من الاغطية البيضاء ليستدرن في ظل اضاءة حمراء حوله على التوالي في تشكيلات فنية تعبيرا عن قتله خنقا وهو الذي مثل لهن فيما مضى حلما لم يستطعن تحقيقه، وبمنولوج احدى الشخصيات (العجوز/اريج الجبور) “من جراحك ستنبت ورود ملونة بدمك، سيتبادلها العشاق ويحفظونها في دفاتر ايامهم ويزرعونها على شرفات ارواحهم ان كانت بيوتهم بلا شرفات”، ينسدل ظلام تدرجي بمصاحبة موسيقى العود التي تبقى حية رغم غياب عازفها.
لغة النص المنطوق للعرض الذي اقترب من صموئيل بيكيت وهارلود بنتر من خلال التعاطي مع مضامين شفرات تتحكم بالشكل الفني، جاءت بالفصحى وتجلت مفرداتها ببلاغة العبارات ورمزية المعنى ومنها “ديالوج” الابنتين (الثمر لمن يهز الاغصان يتساقط في كفيه حلو المذاق ولوحة الفرس الجامح (من يلجم هذي الفرس الجامح الضاجة في دمي وحوافرها تكسر اضلعي)، علاوة على لغة العود، والغناء الذي قدمته نور عزام بصوتها المميز وباقي المجموعة مقتربا من اسلوبية الجوقة في المدرسة الاغريقية، والتي تتكامل مع النص المنطوق ومحمولات غير المنطوق من لغة بصرية واداء حركي جسدي راقص وخيال الظل واضاءة ولاسيما الاضاءة الزرقاء التي انطلقت من عمق الخشبة تجاه الجمهور رغم قصديتها التشويش البصري على الجمهور للفت نظره لمعاناة المرأة الا انها شكلت إزعاجا بصريا له كان من الممكن الاستعاضة عنها بمدلول آخر، إضافة لتراتبية الحوار التي تمتلك في جوهرها وبنيتها العميقة ما ينسج وحدة ذات نمط بنائي رغم تبادليته وتساويه أحيانا وتكراريته.

وجاء الديكور مكملا لثيمة العرض من خلال عدد من الايقونات التي تمثلت بالأغطية البيضاء التي عبرت عن الطهارة والعفة فيما شكلت في لوحات اخرى شرفات افتراضية لتلك النسوة، وفي غيرها معيقات وموانع لاطلاق العنان لرغباتهن في حين جاءت اكسسوارات الاقنعة تحمل في مضامينها تعدد الشخصية وتشظيها من بعضها بعضا وتوالدها وتنقلها بإيقونة تجسدها الممثلات على الخشبة، كما جاءت الملابس واغطية الرأس السوداء معبرة عن قتامة المشاهد فيما تجلت حالة العشق بألقها في ملابس شخصية العاشق البيضاء.
سعى المخرج الى الاشتغال على عامل الابهار البصري ولا سيما من خلال تنويعاته في استخدام الاضاءة والتشكيلات الجسدية على عناصر السينوغرافيا الاخرى من دخان وهواء والتي جاءت موفقة الا انها رجحت كفة مسرح الصورة على الاداء التمثيلي لشخصيات العرض المسرحي رغم تميز الفنانات اريج الجبور ومرام ابو الهيجاء ورناد الخطيب. بترا

 

 

عمون – مجدي التل

http://www.ammonnews.net/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.