في مقال للراحل كمــال نـــادر:المسرحية عمل فني لا يكتمل حتى يظهر على خشبة المسرح

 

 

 

لايمكن اعتبار النوطة الموسيقية عملاً فنياً تاماً، فهي محض رموز، ولكي تصبح هذه الرموز انغاماً تهز وتطرب هناك خطوات تكميلية لابد منها، فيجب اولاً ان تتكون الفرقة الموسيقية من عازفين وآلات عازفة، وعندما تعزف الفرقة القطعة الموسيقية فهي في الحقيقة تحولها الى انغام وتجعل من الخيال واقعاً ملذا، ثم هناك قائد الفرقة ومهمته تحديد الانغام المطلوبة وضبط ايقاعها، وهو الى ذلك مسؤول عن خلق التوافق والانسجام بين اعضاء الفرقة وعن قيادتها بحيث لايشذ عنصر فيها عن عنصر آخر.

وهكذا ترى ان النوطة الموسيقية ماهي الا المرحلة الاولى ولكي تأخذ شكلها النهائي هناك مراحل تنفيذية يجب توفرها بعد ذلك..

والمسرحية من هذه الناحية لاتختلف بشيء عن الموسيقى فالمسرحية المكتوبة ماهي الا الخطوة الاولى، وهناك خطوات اخرى متممة لابد منها، فيجب اولاً ان تتوفر الفرقة المسرحية لتقوم بتمثيلها وتحويلها الى واقع ملموس يهز المتفرج ويؤثر فيه، واذ ذاك يتحول الحوار المكتوب الى واقع محسوس، والفرقة التمثيلية هي التي تقوم بذلك، وآلة الممثل صوته وتعابير وجهه وحركاته، ثم يأتي دور المخرج ومثله مثل قائد الفرقة الموسيقية، فهو يعطي كلمات المؤلف الروح المقصودة منها والغاية المتوخاة فيها، ثم ان المخرج يربط الأدوار ببعضها ويوجهها ليخلق الجو المطلوب والقصد المنشود.

فالمسرحية كعمل فني لاتكون كاملة حتى تظهر على خشبة المسرح، والناقد لايستطيع تثمينها على الوجه المطلوب من خلال القراءة فقط، وانا اذ اقدم لمسرحيات العاني هذه اشعر بهذا النقص، اذ اني لم أشاهد اياً من هذه المسرحيات على المسرح، لذا فان ما سأقوله عنها سيعتمد كل الاعتماد على انطباعاتي اثناء قراءتها.

كُتبت هاتان المسرحيتان (فلوس الدوة و ست دراهم) خلال فترت جد متقاربة فالاولى كتبت عام 52 والثانية عام 54 وهما مسرحيتان اجتماعيتان تدوران حول حوادث ومواضيع من صميم واقعنا، فهي تعالج البطالة والعوز والمرض هذه الآفات التي طالما عانى الشعب العراقي منها كثيراً.

الا ان المواضيع التي تعالجها هاتان المسرحيتان وان كانت واحدة فأن اسلوب المعالجة جاء على نوعين مختلفين، فقد انتج المؤلف الاسلوب الكوميدي في مسرحية (ست دراهم) والاسلوب الجدي في مسرحية (فلوس الدوة)، وسأتناول كلا من هاتين المسرحيتين على انفراد مبيناً التفاوت بين الأسلوبين وخصائص كل منهما:

ست دراهم

مسرحية ست دراهم تمت بصلة الى النوع المعروف بالكوميديا الاجتماعية او ما يسمى احيانا بالكوميديا النقدية، وقد سميت كذلك بالنسبة الى الغرض التي تهدف اليه، والذي يميزها عن النوع المسمى بالهزلية التي لاغرض لها سوى اثارة الضحك والتسلية.

والضحك موجود في الكوميديا الاجتماعية الا انه موجه، وهو وسيلة لاغاية كما هو الامر في الهزلية.

والضحك في الكوميديا الاجتماعية أداة للتأنيب والتقريع يسلط على من تسول له نفسه الاستهانة بالناس وبالقيم الخلقية.

فنحن في مسرحية (ست دراهم) مثلاً نضحك من الطبيب عندما يمزق علوان بطاقة الحفلة ثم يقذفها في وجهه، وضحكنا هذا ليس دافعه الانشراح وانما السخرية من تفاهة مخلوق كان مفروضاً فيه ان يكون من رسل الانسانية، وعندما يستهتر ويستهين بهذه القيم يجد عقابه على يد علوان الذي يجعل منه هزأة فيضحك الجمهور متشفياً وحاقداً.

والضحك في (ست دراهم) لايقتصر على هذا الجانب فحسب بل هناك نوعان آخران من الضحك وهما النكتة والضحك مع الشخصية الكوميدية.

يوسف العاني بارع في أداء النكتة وتشهد له على ذلك جميع مسرحياته، وفي هذه المسرحية تلعب النكتة دورها فتنعش الجمهور بما تقدمه لهم من طرافة وسرعة خاطر.

فهذا الحوار بين الدكتور وعلوان مثلاً حوار بهيج لما فيه من دعابة وطرافة:

الدكتور: انت دمك هواية خفيف.

علوان: يا خفيف دختور، مرة حللت دمي أشكال الرمل والحصو طلع بيه.

وثم عندما يقول الدكتور: اكل شي خفيف عنبه طرشي فلافل ملازم جاي هم قلل كهوة لاتشرب …

فيجيه علوان ببساطته المعهودة قائلا:

دكتور … وعرك … يعني

وهذه النكات تجد من دون شك تجاوباً في نفوس السامعين فيضحكون لها ويأنسون بها، وهذه الأمثلة التي أعطيتها في بعض من كل .. وهناك امثلة اخرى عديدة لو وقفنا عندها لطال بنا البحث.

والنوع الثاني من الضحك مع الشخصية، اي اننا نبتهج لسعادتها ونفرح اذا ما انصفها الحظ، ويتأتى ذلك في شعورنا بالعطف والحنو نحو تلك الشخصية، ويتجلى ذلك واضحاً في شخصيتي علوان والاطرش، فنحن لا نضحك منهما كما ضحكنا من الدكتور بل اننا نضحك معهما، والفرق هو انهما ينالان عطفنا ورضانا فنضحك لما يقومان به ويقولانه، بينما لايلاقي الدكتور منا سوى الاشمئزاز والازدراء فنضحك منه.

خذ مثلا هذا الحوار بين علوان والأطرش:

الأطرش: ما اجه بلاكت ليش ما اجه.

علوان: يمكن ماله كيف . وجعان.

الأطرش: تره مكاعد اسمع، اذني شوية ثكيلة.

علوان: شوية ثكيلة .. ما يكول ملصومة.

علوان: اكولك يمكن وجعان.

الاطرش: عجيب شلون الدختور يتوجع.

علوان: عجايب ليش ما يتوجع .. قابل ابطنه اكو اجزاخانه!

ومن هذه الأمثلة لانستطيع ان نرى كيف ان الضحك في هذا النوع من الكوميديا هو في الحقيقة وسيلة لا غاية، وسيلة اجتماعية لتقويم المعوج وتشجيع الحسن، فالضحك هنا سوط يلهب ظهر كل من تسول له نفسه الخروج على كل ماهو خير ونبيل، والطبيب في (ست دراهم) احسن مثل على ذلك، فهو عبرة لمن لايعتبر.

والآن سأتناول الأسلوب الجدي وكيف عالج به المؤلف موضوع مسرحيته.

فلوس الدوة

في هذه المسرحية التفاتات فنية فالصراع الخارجي مركز ومحكم، وخال من الإقحام والافعتال فهناك حدث واحد وهو مرض الابن ووفاته، وكفاح الأخ والأب في سبيل تطمين الدواء له.

ولعل احسن مافي هذه المسرحية هو محاولة المؤلف في إبراز الصراع الداخلي الذي يحتدم في نفس اخ المريض، فيصور المؤلف هذا الصراع على شكل أصوات تتجاوب في مخيلة الأخ.

صوت ابراهيم: دوة الاخوك: اخوك ابراهيم راح يموت.

صوت والده: الدختور كتب له راجته ويكول لازم ساعة كبل تنطوه الدوة.

والالتفاته الفنية الثانية في هذه المسرحية هي المقارنة بين الابوين – ابي المريض ومالك الدار، فأبو المريض حائر في امر توفير الدراهم لشراء الدواء لابنه المريض، بينما مالك الدار حائر بولده المسرف، كل منهما مبتل بولده، ولكن ما اوسع الفرق بين البلاءين!

الملاك: صدك لو كال المثل (النار تخلف عار) هذا البيعار ابني ستار امرمرني وما مخلي على حالي حال، لميت صرمايتي بزهكان الروح وهو كاعد يتلفسهم هنا وهناك، ماكو انطيه الخمس دنانير عبالك خمس فلوس، وتدري هو الوحيد وما اكدر اكطع بيه .. اوف

ان تبرم الملاك من والده المبذر بهذا الاسلوب الرخيص الخالي من كل عاطفة صادقة يجعل مأساة اب المريض اكثر عمقاً وأشد وقعاً.

وهناك مقارنة اخرى بين هذين الرجلين، وذلك عندما يعتقد مالك الدار ان ابا ابراهيم يريد تسديد ما بذمته من دين بينما هو في الحقيقة يريد الاستدانه منه، وفي هذا الالتباس سخرية مرة.

الاب: وتره جنت ناوي اجي بنفسي لاكت انت جيت.

الملاك: صدك لو كال المثل (گلب الحر يعلم) اني عرفت انت تدري بيه شوية متضايق ومحتاج فلوس وتريد تجي تنطيني اجار البيت.

فالسخرية مؤلمة تكمن في تمشدق الملاك بالعوز فيطلب من اب المريض ان يسد حاجته، وهو اشد الناس حاجة، انها سخرية مؤلمة حقاً.

ويحاول ابو المريض عبثاً ان يشرح قصده ولكن الملاك لايريد ان يعي شيئاً سوى رغباته.

الملاك: والله يا ابو ابراهيم لو تدري اشكد گلبي ينمرد لمن أمر واشوف التوزيره مال حوشي البلعشار واكعة لاكن ماكو جوة ايدي فلوس اعمره، الواحد اللي يشوف حوشه مفلش مثل الواحد اللي عنده ابن عزيز عليه ويراد له مداواه.

المقارنة هنا بين حاجة مريض وحاجة حائط الى (توزيره) ولهذا فان لصرخة الاب تجاوباً مؤلماً في نفوسنا عندما نسمعه يصرخ.

الاب: بلى مولانه انت انطيتني درب احجي، يا قسط، يا ايجار، اني جنت ناوي اجي اخذ منك فلوس الدوة.

الملاك: دوة المن.

الاب: دوة لحوشي الواكع السكف ماله والمنهجمه حيطانه (يؤشر على ابراهيم).

وفي الختام لابد من القول بان مسرحيات العاني هذه ستسد فراغاً محسوساً في مكتبة المسرح في العراق.

وستجد تجاوباً في نفس كل من يقرأها.

وهذه هو شأن العاني في كل ما كتبه.

n عن: مقدمة مسرحياتي ليوسف العاني 1959

 

د. كمال قاسم نادر

http://www.almadapaper.net/

 

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.