غربة المسرح عربياً ..

 

ثمة دواعٍ كثيرة لغربة المسرح في الوطن العربي منها ما اشترك فيه الجميع مسرحيون ومؤسسات وجمهور، ومنها افتقار الواقع إلى تداعيات وموجبات ضرورية لوجوده، كحلول بدائل أخرى أغنت عنه وأفقرت أهله .. بدائل كانت أسرع وأسهل خصوصاً في موجة التكنولوجيا، وهيمنة الإمبريالية الثقافية، وما تسعى أيضاً إليه العولمة، وكذلك هناك دور للمؤسسات التي تساعد هؤلاء بعدم وعي القائمين عليها لطبيعة الصراع الدائر، وهو ما سعى سعياً حثيثاً إلى تحطيم مركزية المسرح، ومثلما نعرف فإن الإمبريالية الثقافية والعولمة سلاح فتاك تستخدمه الدول الكبرى في العالم لمسح هوية المسرح الذي ما زالت تمارسه بعض الأنظمة الاشتراكية الموجودة في العالم. ونعرف تماما أن الإتحاد السوفياتي – الشيوعية هم أهم من أعطى المسرح وأوفاه حقه، فحمل المسرح لديهم ملامح وهويّة الثورة والرفض والتمرد، ليس لأنه كذلك في طبيعة جوهره، ولكن لأنه كان ضمن عدة وسائل فنية أخرى اقتضى ظهور الشيوعية والاشتراكية استخدامها لترويج أفكارها، في مرحلة كثرت فيها الثورات، وهنا بالضبط كانت تلك الغربة تنام، ففي حين تناهض الإمبريالية والعولمة أدوات الشيوعية ووسائلها نجد للانظمة الشيوعية ووسائلها وعلى رأسها المسرح عدواً آخراً وهو الكثير من الدول العربية المسلمة، ليس من اجل المسرح وأفكاره، وإنما لأفكار الشيوعية والإشتراكية التي ألصقت به، والتي من ضمنها إلغاء الدين من حساباتها إذ كانت دعوة عالمية أكبر من الدعوات القومية الأممية  ..

ولهذا دعت وسعت بعض الدول المسلمة إلى إيجاد مسرح بديل، ولكن ليس كضرورة ثقافية وحضارية، وإنما كترف زائد ، فكان لحرية المسرح سقف محدود وواطئ، وأيضا يكون المسرح فيه بطريقة تناسب عادات وتقاليد العرب والمسلمين حتى لو بدا المسرح حينها بلا روح، وبلا حرية، وبلا فكر أيضا، في أحيان كثيرة، وهذا أدى إلى تغريب المسرح أكثر عدا ما شوهت ملامحه العولمة والإمبريالية الثقافية، فحولته إلى كائن مسخ لاينتمي لا إلى أنظمة ولا إلى فن وليس له جمهور حتى ..

وثمة تجارب عربية، رغم ذلك، وبعيداً عن أن نسمي، كانت وما زالت، تسعى إلى أن منح المسرح هوية حضارية، موائمة للتغييرات الطارئة على العالم ومعاصرة،  بعيداً عن جعله ينتمي لأي شيء سوى الفن والخلق والإبداع، ففعلت معه مثلما يفعل الرسام حين يختار نماذجه من الطبيعة فيضيف لها شيئاً ويحذف آخر ، ينتخب شيئاً، ثم ينفخ فيها من لهب روحه فإذا بها مخلوق جديد له صلةٌ بماضيه لكنها تُنسب من جديد إلى الرسام، تحمل هويته ..

إن منح المسرح هوية الإشتراكية والشيوعية ظلم لهذا الفن، وتغريب له، لأنه اكبر منها، وبالمثل فإن منحه هوية إسلامية أو أي هوية دينية أخرى ظلم أيضا، وكل ذلك يزيد المسرح غربة وغرابة، ولأجل ذلك يجب الإيمان بأن المسرح فن بل وأبو الفنون جميعا، أكبر من الإنتماءات الضيقة التي يَسِمُونهُ بها، وإن سلمنا بذلك في لحظة وهن، أي سلمنا بإنتماء المسرح فإن ذلك يستوجب البحث عن مسرحة المسرح لتبديد غربته وإنتمائه في لحظات القوة، لأن المسرح هو نحن، وخشبته دنيانا، التي نحيا فيها، ونحن أحرار، مثلما خلقنا الله، وعليه يكون المسرح حراً كذلك بالضرورة ..

Strings1983@gmail.com

 

هايل المذابي

http://www.al-tagheer.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.