سلوى نقارة: المسلسلات أوقفت عقولنا عن التفكير

 

كانت تمشي في ردهات المركز الثقافي Pavillon والحلم المسرحي الفلسطيني يسبقها، يفشي سره في حيويتها، يعبر عن ذاته في عيونها اليقظة وذهنها الثاقب وهو يحدد الاشياء ومسمياتها، يكشف بعده في التزامها وعضها على قيمها ومبادئها الفنية بالنواجذ. يتجسد من خلال منظور ذاتي لا يتزعزع، ارضيته احترام النفس وسماؤه الكبرياء والاعتزاز. لم تتخلف يوما عن عرض من عروض اللقاء الثاني المسرحي «الربيع العربي» تحت شعار «نهضة النساء» في مدينة هانوفر، ولا عن مناقشة اي من هذه العروض. فرغم تجربتها الثرية، الطويلة والمتجذرة، التي جابت فيها محطات عواصم مسرحية من قرطاج، الدار البيضاء، نيويورك، طوكيو، برلين الى امستردام… اوعملها في الحقل السينمائي والتلفزيوني وبلغات عديدة، رغم ذلك فهي تعطي الانطباع عبر تواضعها، بساطتها بأنها هاوية، هاوية للمسرح وللحياة. تمنح الشعور بتلك الفورة من العشق للخشبة لانه لم يجرفها سيل عياء الاحتراف. فالحديث معها يذكرني بمرحلة مسرح الهواة، الذي كان العمل فيه متواصلا، ذائبا ليلا على نهار. كل هذا يرجع الى مفهومها للفن، الذي هو بالنسبة لها: «علاقة مع الذات، مع الهوية، تحرر مما هو كائن في الداخل عبر اشكال التعبير المختلفة، حيث يتطلب استيعاب الذات وفهم الشخصية الخاصة، حتى يتسنى للانسان التعبير عن نفسه من خلال ما يحتويه بداخله من مادة خام، على المبدع ان يعرف نفسه اولا».

كل قلوب الناس من جنسيتي

جاءت سلوى نقارة الى هانوفر ليس بحثا عن الجوائر، بل لتشارك كعادتها دائما في كل نشاط فني، جاءت لتلتقي مسرحيين من دول لا تستطيع أن تصل اليهم كالعراق وغيرها. جاءت ضمن اعضاء مسرح الميدان، الذي كانت من المبادرين لانشائه، كعشق عميق للغة العربية وجسر ثر للتواصل مع الجمهور العربي الفلسطيني، من اجل الوجود قريبا منه، من اجل اشعاره والشعور به: «لانني جزء منه»، تقول نقارة. جاءت لتقدم من خلال مسرحية «كبتشينو فيرام الله» عن مذكرات سعاد عامري واخراج نولا تشلتون للجمهور الالماني والعربي مواضيع تأخذ الحيز الكبير من اهتمامها، «قضية الانسان بكل ابعادها الفكرية، الانسانية والبحث عن الحرية ومفاهيمها للحياة».
كما سبق وصرحت في لقاء مع الاعلامي حاتم جوعي. فحتى ان جاءت للمشاركة في ملتقى نسائي مسرحي خارج الوطن العربي، غير انها ترفض التقوقع في المفاهيم النسائية الضيقة، لأنها تتخطى هذا الاطار لكونها امرأة ذات نشاطات متعددة سياسية، نسائية وفنية : «لا يمكنني ان ارى نفسي في الدائرة النسائية فحسب». فصوتها له وقع صرخة انسانية في الدرجة الاولى، صرخة طالعة من عمق نسائي ذي رؤية تبلورت من خلال المعرفية الذاتية، الثقافية ومن الحياة الشخصية. لانها لا تحبس العمل النسائي على النساء ومن اجل النساء.
«فالصرخة الانسانية قد تكون للمرأة، كما قد تكون للرجل، وهي قضية وجود وقضية حياة وتحقيق الذات. فصرخة المرأة اليوم هي اقوى من صرخة الرجل،
نظرا للظرف الاجتماعي والسياسي، الذي نعيش فيه، فهي صرخة غير مسموعة ذلك لانها لا تأخذ حقها بما فيه الكفاية لانها لا تنتظر ان يعطيها احد حقها، بل تنتزعه».

ورمت معاطفها الجبال وخبأتني

كانت نقارة وهي تطوف بالفضاءات تتبعها هالة من التوق الى التحرر الفلسطيني، الى الحرية التي تتماثل في مرحها، حبها للحياة، الحرية، التي تراها: «احساسا داخليا لا يوجد اسمى ولا اغلى منه في الحياة». جاءت لتعرض صرخة انسانية خاصة، مسرحية «كبتشينو في رام الله» جاءت لتحكي للجمهور الألماني مثل العربي عن حالة الانسان الفلسطيني، عن عالم الحواجز المفروضة عليه في الضفة، عن عالم لا يمكن ان يستوعب قساوته غير الفلسطيني، الذي يرزح تحت هذا الثقل من الحصار. فحين عرضت المسرحية بالعبرية كان رد فعل الجمهور العبري وكأنه يسمع حكاية من عوالم الف حكاية وحكاية طالعة من اسفار الكون القديمة: «هكذا تعيش الناس والى هذه الدرجة». فالاعلام لم يكن يتعامل مع مثل هذه القضايا.
غير ان صدمة نقارة كانت اجل حيال رد الجمهور العربي: «هل فعلا اننا لا نعرف الى هذا الحد ما يعانيه اخواننا «، تقول نقارة، «ان جمهورنا العربي لا يختلف في ادراكه مجريات الاحداث عن اليهودي، فهو الآخر لا يستوعب للأسف الشديد، على ما يظهر، بما فيه الكفاية ما الذي يحدث هناك، من معاناة شقيقه الفلسطيني في الضفة الغربية وما يمر به يوميا من ارهاقات الموانع، الحواجز ومعاناة الجدار والتصاريح والاقامة، التي تشل حرية تنقله وتحد من امكانية تصرفه اليومي .
فتأثرنا بالمسلسلات وصل الى درجة توقفت معها عقولنا عن التفكير في قضيتنا وجودنا وكياننا، الى حد التعب من كل ما يدور حولنا من احداث، فكل هذه الاسباب تؤدي بنا الى عدم القدرة على التفكير، الى عدم القدرة على النظر الى الامام».

ونحن نحب الحياة…

عن اختيار «كبتشينو في رام الله» قالت سلوى نقارة: «كان الحافز هو قراءتي لرواية «شارون وحماتي»، هذه الرواية التي احببتها، والتي تنم عن ذكاء كاتبتها، ذكاء يكشف عنه اسلوبها الحيوي، تعاملها مع الوضع الفلسطيني من حصار وسد المنافذ، فالجميل في هذه الرواية بالنسبة لي، انها منحتني طاقة قوة التمسك بالحياة. انها ترفض وضع الضحية او التعاطف، بل على العكس تمخرعباب معركة الحياة بنوع من الاستفزاز. فأهم ما في الرواية هو ذلك الاصرار على تحقيق الشيء سيان احب الاخر ام كرهه. كان افتتاني بهذا الكتاب نابعا من اصرار الكاتبة على عدم التنازل عن حقها في الحياة، بل يجب أن نبقى متمسكين بهذه الحياة، لأننا نعرف كم يحاولون إحباط عزيمتنا. فشعرت بحاجة شخصية كسلوى عامري أن أنتج هذا العمل على حسابي الخاص، لأن هذه الكاتبة عرفت أن توصل الرسالة التي أرغب انا الاخرى ايصالها».
سلوى نقارة من الفنانات، اللاتي لا يردن ان يعملن من اجل ان يعملن وانما يرغبن في طرح القضايا، التي يؤمن بها «لقد كان هذا الاختيار نابعا من جمالية النص، بحيث أن للكاتبة قدرة على روح النكتة والدعابة، فهي تقدم الاشياء في قالب ساخر. غير اننا للأسف الشديد في الأدب الفلسطيني كثيرا ما نضع انفسنا في موقع الضحية، نتحدث عن الضحية، فكل صيغة ادبية لها مرحلتها. غير انني ارى ان هذه مرحلة يجب تجاوزها. علينا أن نعرف ليس فقط كيف نبكي على مآسينا، وانما من اجل الاستمرار في الحياة ومواصلة حب هذه الحياة، أيضا كيف نضحك عليها ونسخر من أنفسنا. فنحن نعيش نضالات يومية ونتغلب وننتقل للنضالات الأخرى، لذلك علينا أن نعرف كيف نواصل الايمان بعزم وإصرار، عند ذلك نتخلص من دور الضحية وهذه من الاشياء التي جذبتني في هذا الكتاب».

وحيفا من هنا بدأت

فرغم انها تحب العمل في الخارج وتعمل بشكل متواصل في فضاءات مسرحية وفنية عالمية غير ان حبها لمدينتها حيفا له نكهة طعم خاصة، تبقى حيفا بالنسبة لها مصدر طاقة كبيرة، قوة دفع للمضي في الحياة، فمن عشقها للبحر، تبحث في كل مرة عن مساكن تطل على البحر، لان البحر يمدها بمعنويات كثيرة، إنها تحب العمل في داخل الوطن وخارجه من اجل خلق توازن فني صحي.
فالعمل في داخل الوطن ارضاء داخلي للقلب وللضمير، على أمل امكانية التأثير في العديد من الاشياء، وكذا للدعم والدفع بمسيرة الحركة الفنية المسرحية داخليا. فالوعي بأهمية الثقافة كشعبٍ جد ضرورية من خلالها ندخل الى مرحلة من نوع ارقى ونخرج من سوداوية العتمة ومن التقوقع والتحجر والانغلاق الفكري. العمل خارج الوطن يمنحني الطاقة والقدرة على المثابرة المتواصلة، ومن خلال رد فعل الجمهور اتذكر دائما ومن جديد لماذا أنا احب المسرح .

ادريس الجاي

http://www.alquds.co.uk/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *