أخبار عاجلة

الكوميديا انقلاب أبيض على واقع أسود

 

 

 

 

تحمل الكوميديا للإنسان علاجاً فعالاً لآلامه الروحية تغنيه عن الكثير من أدوية الاكتئاب والهروب من الواقع، فهي تخفف من وطأة قسوة الحقيقة وتساعده على تقبلها. تقول كاتبة الكوميديا الانجليزية ماري هيرش: «الكوميديا مثل السيف المطاطي، يتيح إصابة الهدف دون إراقة الدماء». وعليه فإن الكوميديا ليست بهدف إضحاك الناس كما يعتقد الغالبية، بل تحمل في داخلها نقداً اجتماعياً أو سياسيا أو فكرياً لاذعاً، وبمثابة مرآة ترينا الواقع الذي نرغب في تجاهله.

قبل الحديث عن طبيعة الكوميديا في الأدب والفنون، نسلط الضوء على بداياتها التي ارتبطت بالفن الإغريقي منذ عام 335 قبل الميلاد، وتحديداً بالفيلسوف أرسطو في عمله «شعريات»، والذي أشار إلى أن الكوميديا لم تؤخذ على محمل جدي كجنس أدبي، مؤكداً دورها الإيجابي في إشاعة الفرح وهو الهدف المرجو من أي فعل، وبالتالي ربط بين الكوميديا والنهاية السعيدة لأي عمل أدبي. وصنفها إلى ثلاثة أنواع، الهزلية والرومانسية والنقدية. وأكد تلميذه أفلاطون على ضرورة ضبط الكوميديا لتحقيق هدفها المنشود.

عمالقة الكوميديا
تجلت الكوميديا بداية في المسرح من خلال فعل درامي يظهر المفارقة أو التناقض بين مجتمعين أو جهتين، كتقاليد وأعراف المجتمع مقابل الشباب، أو بين الحكومة والمجتمع أو بين طبقة اجتماعية وأخرى، وغيرها. وسرعان ما تبنت بقية الفنون الكوميديا، كالأدب والسينما ورسوم الكاريكاتير والممثل الواحد أو الكوميديان المعروف بمجتمعاتنا العربية القديمة بالمونولوجيست.

هناك نماذج لأشهر الأعمال الكوميدية التي تركت بصمتها في تاريخ الأدب والفنون والتي كان لها تأثير على المجتمعات وعلى الأجيال اللاحقة من المبدعين. فعلى صعيد الأدب تتصدر المشهد مسرحية شكسبير (1564 – 1616) «حلم منتصف ليلة منتصف صيف»، ورواية «الطريق الأوحد» للكاتب التركي عزيز نيسين (1915 – 1995)، وفي السينما أفلام شارلي شابلن (1889 – 1977)، وفي الكاريكاتير الرسام الفرنسي غوستاف دوري. إضافة إلى لمحة عن أشهر أعمال الكوميديا ومن جسدها بصورتها الدرامية في العالم العربي.

الرجل الإنجليزي
اعتمد الكاريكاتير منذ نشأته في القرن الخامس على حس المفارقة والكوميديا، وأبدع في هذا المجال الرسام الفرنسي غوستاف دوري (1832 – 1883) الذي عكس برسمه الكاريكاتيري للرجل الإنجليزي عام 1861، السخرية التاريخية القائمة بين البلدين فرنسا وإنجلترا، كذلك تصوره لملهاة دانتي التي رسم فيها الملوك والأمراء والنبلاء بصورة قبيحة وهشة في العالم السفلي.

حلم ليلة
تدور أحداث «حلم ليلة في منتصف الصيف» في غابة جزيرة خيالية خلال حفل زفاف دوق أثينا على ملكة الأمازون. ويتعرف المشاهد في البداية على الشابة هيرميا المغرمة بليساندر معارضة بذلك رغبة والدها إيغوس الراغب في زواجها من ديمتريوس. يغضب إيغوس ويسن قانوناً أمام الدوق يتوجب فيه موافقة الابنة على الزوج الذي يقترحه والدها، ولها الخيار بين الحكم بالموت أو دخول الدير طيلة حياتها.

يحاول الدوق إقناع هيرميا، وأمام عنادها يمهلها أربعة أيام لاتخاذ قرارها. ونظراً لأن القانون ينحصر في أثينا، يهرب الاثنان ويلجآن إلى عمة ليساندر الثرية التي تعيش خارج أثينا. ويتوازى مع هذا الصراع، حبكة أخرى بين ملك الجنيات أوبيرون وملكته تيتانيا التي تذهب إلى الغابة خارج حدود أثينا لمتابعة حفل زواج الدوق من ملكة الأمازون. وكانا هما أيضاً على خلاف نظراً لرفض تيتانيا إعطاء زوجها أوبيرون الفتى الهندي الذي تبنته.

تُسِّر هيرميا بخطتها لصديقتها هيلينا العاشقة لديمتريوس، ولا تعرف ما ينتظرها في الغابة التي أضاءها نور القمر. ويرق قلب ملك الجان لحال هيرميا، ويطلب من وزيره وضع رحيق الحب في عيني ديمتريوس الذي ما إن يفتح عينيه حتى يقع في غرام أول من تقع عليه عيناه وبذا تحل مشكلة العشاق.

تأتي مفارقة الكوميديا حينما يخطئ الوزير بوضع الرحيق في عيني ليساندر الذي يستيقظ على وجه هيلينا فيقع في حبها تاركاً هيرميا التي تستمر في ملاحقته والتي يلاحقها ديمتريوس. يحاول الوزير تصحيح خطئه فيقع ديمتريوس في حب هيلينا أيضاً. وهذا الرحيق الذي وضعه ملك الجان لزوجته، يجعلها تغرم بمزارع حول الملك رأسه لحمار.

في النهاية يصحح الملك خطأ وزيره، ليعدل ديمتريوس عن الزواج بهيلينا وبالتالي يبطل سريان القانون على الابنة هيرميا. كما يتداخل في الحبكة خلال وجودهم في الغابة، حبكة أخرى خاصة بمجموعة من عامة الشعب الذين يقررون عرض مسرحية من تمثيلهم ليبرز صراع جديد على محاولة أحدهم الاستحواذ على كافة الأدوار الرئيسية في المسرحية. ويعرض شكسبير في هذا العمل بأسلوب الكوميديا العديد من التناقضات الأخلاقية كالطمع والتملك وحب السيطرة وغيرها من القيم الأخلاقية التي ينتقدها بأسلوب يعكس ما يدور في نفوس البشر في كل عصر وأوان وفي جميع المجتمعات.

باشا زادة
أما على صعيد الرواية، فقد جسَّد عزيز نيسين الذي يعتبر من رواد الأدب الساخر أو الكوميديا السوداء في العالم، في «الطريق الأوحد» شخصية «باشا زادة» المحتال الذي على قناعة أن الخيار الوحيد المتاح له في الحياة هو الاحتيال، ليباغت القارئ بمفارقات وتهكم مرير، ليقع الراوي الذي تعرف على هذه الشخصية بالمصادفة في أزمة مع ضميره ومسؤوليته الأخلاقية، بين كشفه إما صاحب المطعم الذي يعمل فيه زادة وبين التستر عليه بعدما ائتمنه الأخير على سره، ليكتشف أن الجميع على دراية بأمره وأن غرابة المنطق عند الجميع.

أفلام شارلي شابلن
تميزت الكوميديا السوداء في أفلام شارلي شابلن، في تمحورها حول الإنسان والمجتمع، معتمداً على شخصية المشرد الكوميدية التي تكشف عن العديد من المفارقات الإنسانية، بين الغني والفقير ونظرة المجتمع لكليهما، ودكتاتورية الحاكم كما في فيلمه «الدكتاتور الأعظم» عام 1940. ويتجلى قمة إبداعه بتأثيره الإنساني القوي في فيلمه «حمى الذهب» عام 1925، والمشهد التراجيدي الكوميدي الذي لا ينسى لحفل عشاء المشرد الذي يتحايل على جوعه بسلق حذائه، ليجعل من ربطاته معكرونة ويبدأ اللعب بالحذاء الذي يتحول إلى قدمين ترقصان بالشوكتين على صحن السيراميك.

كما تجسَّد إبداعه في فيلم «الأزمنة الحديثة» عام 1936، الذي ينتقد فيه ما آل إليه الإنسان من عبودية للآلة في القرن العشرين.. ولم يعتمد شابلن في تصوير أفلامه أسلوب المحترفين، حيث كان يبدأ التصوير وفي ذهنه تصور عام. فعلى سبيل المثال يدخل منتجعاً صحياً، وخلال وجوده يكتب رؤوس أقلام المشاهد ليبدأ بالارتجال مع زملائه على عدد من الأفكار، التي تعتمد أو تحذف لتتبلور قصة الفيلم، مما يستدعي إعادة تصوير العديد من المشاهدة، وبذا تمر كل حبكة لأفلامه بالعديد من التحولات والافتراضات قبل اتخاذ الصيغة النهائية.

الكوميديا العربية
أبرز ما تجلت فيه الكوميديا بمعناها الحقيقي في العالم العربي، من خلال المسرح على يد عدد من المبدعين في مقدمتهم مسرح نجيب الريحاني (1889 – 1949) الذي تأثر بأمه التي كانت تسخر مما تشاهده إبان تلك الفترة، التي كانت تعج بالتناقضات الاجتماعية، مما فتح عيني الريحاني على أحداث عظيمة كانت تمر بها مصر. وقدم مع صديقه وتوأم روحه بديع خيري 33 مسرحية نقدية تركت أثرها عبر الزمن، أولها مسرحية الجنيه المصري عام 1931، وآخرها مسرحية «الدنيا على كف عفريت» قبل عام 1946، ليعتزل بعدها المسرح ويتوجه إلى السينما.

كما أبدع في هذا المجال الكاتب المسرحي السوري محمد الماغوط (1934 – 2006)، الذي شكلت أعماله المسرحية الكوميدية مع نجم الكوميديا دريد لحام ونهاد قلعي ظاهرة في العالم العربي. واتخذت في معظمها انتقاد السياسة في الوطن العربي التي تمس كل مواطن، مثل مسرحية «غربة» و«ضيعة تشرين» وغيرها.

 

 

رشا المالح

http://www.albayan.ae/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.