أخبار عاجلة

شطائر المأساة وتمثلاتها في المجموعة المسرحية (لا وجه للشجر)

 

 

 

لوجع اختزالات نسبية لفضاءات المأساة التي يمر بها المرء، شهد العالم العربي عامة ًالكثير من الويلات والآهات التي ساهمت في تخلل بنية المجتمع في بعض جوانبه والعراق خاصة لما شهده من احتراب على مدى عدة سنوات خلفت وراءها هذيان لوجع عراقي ذو ماركة تكاد تكون أصلية لا يشوبها غبار التزوير والتحريف.

لا وجه للشجر

مجموعة مسرحية للكاتب والمخرج المسرحي حيدر عبد الله الشطري صدرت طبعتها الاولى عام2012، ضمت ستة نصوص مسرحية (الآتي من وراء المرايا، في انتظار هاملت، الالياذة الثانية، هطولا نحو خريف قادم، السيرة الدموية لسهم من نار، لا وجه للشجر) تداخلت مذاهب كتابتها حسب ما يقول الشطري” بعضها يتناول مشكلة ولكن بأسلوب غير تقليدي ليس أرسطي، لا أميل الى تحديد مدرسة معينة وان الموضوع وطبيعته هو من يحدد طريقة كتابة النص وليس هناك مدرسة مطلقة يعمل عليها الكُتاب والمخرجين بالمسرح الحديث، اغلب النصوص والعروض هي خليط ومزيج سحري لعدة أساليب مسرحية”.

جاءت هذه النصوص معبئة بوجع الذات العراقية وما تتعرض له يوميا من خيبات وآهات وظلم في ظل ظروف ربما تكون استثنائية بعض الشيء.

المقدمة

يقول الدكتور محمد حسين حبيب في المقدمة التي كتبها للمجموعة حول فضاءات المأساة والألم التي اتخمت بها نصوص الشطري بقوله ” خرجت هذه النصوص من وسط أنواع عديدة من الاحتراق التي (حرقتك وحرقتني وحرقته) هو الانسان .. من: ( الحروب ومن السجون التعذيب ومن اصوات المفخخات والموت المجاني) ومن: ( الجوع والعوز والقهر والحرمان والاستلاب بأنواعه).

يتضح مما تقدم ان الشطري كانت مدوناته النصية عبارة عن شطائر لمأساة عميقة مقدمة على مائدة مفتوحة أكلها الفرد العراقي بنهم وشراهة، و ان هذه المأساة هو مكبل وغارق بها مما ادى الى معالجة الشطرى الى هذا الهم والوجع والضياع والألم وفق ظاهرة الانتظار في اكثر من نص حيث أصبح الانتظار أحد تداعيات المأساة وهو البوابة لفيض وجع الاحلام عند الذات الانسانية.

في انتظار هاملت

ان المتتبع للمشهد المسرحي يرى ان هذا النص من عنوانه فيه تناص مع مسرحية (في أنتظار غودو) للكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت، يعتبر هذا النص من أنضج النصوص لدى الشطري على مستوى ظاهرة الانتظار من خلال البوح الذي أدلى به كاتب النص وجاء ذلك جلياً في بعض حواراته نذكر منها:

الممثل: ماذا تفعل هنا؟

الشبح: انا على موعد

الممثل: وأنا كذلك

(يتفحص المكان)

نعم انه نفس الزمان والمكان

الشبح: تنتظر من ..؟

الممثل: (بعد برهة)

انا انتظر هاملت

لم يقف هذا النص عند عتبات الانتظار فقط بل وقف عند الالم والوجع الانساني، كما جاء على لسان الشخص: ما معنى ان تصبغ الدماء أرصفة الشوارع وتعبدها اشلاء الاجساد المتناثرة؟.

لا وجه للشجر

كشف الشطري في هذا النص عن تداعيات المأساة أنياً وسابقاً، المأساة الآنية جسدت على لسان شخصية رجل3 في الحوار التالي: “مع كل تفجير هناك اناس يسجنون تحت الركام وهناك من يسجنون تحت التراب وهناك من يسجنون تحت انفسهم” هكذا قرأ الشطري المأساة الانية وجسدها بالحوار السابق، لن ينفصل عن تراكم الوجع والويلات التي اصبحت سجلا حافلا لعذابات الانسان العراقي ولاسيما عذابات الحروب في الماضي حيث يقول على لسان أحدى شخصيته رجل2 : “لقد عشت مثل هذه التجربة سابقا في احد الحروب التي كانت تطحن الرجال كطحن الرحى وكان الموت زائرا مفاجئا بأي لحظة ومن ست جهات”.

الالياذة الثانية

الشطري لم يقدم المأساة كأيقونة مباشرة بل بحث بما وراياتها وتداعياتها وتأثيراها وانعكاساتها الخطيرة عند الذات، بما ان الحروب العراقية كانت وما زالت تشكل رافداً للمأساة العراقية التي لا ينتهي حيث يقول الكاتب على لسان شخصية لا كون: “واعلموا ان الحروب التي يخوضها الفقراء بالنيابة عن الآخرين سيكونون وقودها هم فقط”.

هطولا نحو خريف قادم

دون الكاتب في هذا النص الضياع الذي يشتاح الكثير من الناس وتخلخل بنية المجتمع حيث الصراع مع الذات والمحاولة للتخلص من الواقع المزري الذي يمر به الفرد، جسد ذلك الالم الممتد في افق الانسان على لسان شخصية1: “كيف يدفن الانسان في مثل هذا القبو المظلم يدفن بكل تاريخه وأحلامه وآلامه بكل آماله واوجاعه يشطب من خارطة الانسانية بجرة قلم”.

السيرة الدموية لسهم من نار

ان واقعة الطف بحد ذاتها عبارة مأساة خالصة مروعة عاشها ال بيت النبي(ص) حيث شكلت نافذة مهمة في افصاح الشطري عن تداعيات الالم الانساني من خلال الواقعة الاليمة حيث يقول على لسان الجوقة: ” ها انت على شفاه دمعة تشرب حزن الارض .. لم يبق من الوقت سوى بعض حروف.. ومتسع لعويل الرزايا على مر العصر .. ها انت … تعبر اللحظات … توجع قلب الخيام … تحرق الفرات”.

الآتي من وراء المرايا

هذا النص هو الاخر لا يخلو من المأساة والضياع في افق ودهاليز الحياة التي ارهقت المرء في ظل التحولات الاجتماعية التي يشهدها حيث يقول كاتب النص على لسان شخصية الرجل: ” الخلاص … يعني السعادة وسوف لن تستطيع ان تجعل ان مني انسانا سعيدا اتعرف لماذا…؟ لان ليس هناك من يستطيع ان يرد عمرا كاملا… زمنا من التيه والضياع والحرمان ..سجنا اجمل ما فيه ان تكون صديقا للعناكب عندما تحاول تفسير معجزة شبكتها المعقدة”.

يقول حيدر عبد الله الشطري عن كتابته للمأساة والألم والضياع الذي منيت  به الانسانية :

“الهم الإنساني المشترك او البؤس الذي تتعرض له الانسانية ،هذا هو هدف المسرح دوما، المسرح لا يشتغل على الترف الفكري والمادي ،أردت ان اغور في ابعد نقطة للمعاناة الانسانية، واشتغل هناك حيث تتجلى كل معاني الألم الإنساني، لماذا دائماً ما يكون الانسان خاسرا في معاركه المصيرية،والنصر لغيره؟ لماذا يبقى الانسان وحيدا في الكثير من حروبه ضد الظلم” .

 

علي العبادي

http://www.annabaa.org/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.