أخبار عاجلة

الحوتي يقدّم «رجال لهم رؤوس» بنكهة ليبية

 

 

 

بعد توقف فاق نحو خمس سنوات، ينتفض المخرج الليبي داود الحوتي لينجز عملاً جديدًا هو مسرحية «فرقة حال بوزيد» المأخوذة عن المسرحية الشهيرة «رجال لهم رؤوس» للكاتب المصري من جيل الستينات محمود دياب، صاحب رائعة «الغرباء لا يشربون القهوة».

وعرف داود بتخصصه في الاشتغال على الأعمال الجاهزة بتقديم نصوص مسرحية متميزة لكتاب عرب وعالميين مثل شكسبير «حلم ليلة صيف»، وأوجين يونسكو «المرتجلة»، وهارولد بنتر «الحارس»، ويوسف إدريس «الفرافير»، وصلاح عبدالصبور «مسافر ليل»، وعزيز نيسين «لست أنت جارا»، وسعدالله ونوس «رأس المملوك جابر»، وعدد من المسرحيات لألفريد فرج وغيرهم.

ويعود هذه المرة لمواكبة الحدث بعرض مسرحية «رجال لهم رؤوس» للكاتب المصري محمود دياب، حيث قام بإعدادها ومنحها اسمًا جديدًا هو «فرقة حال بوزيد» وكلمة فرقة باللهجة الليبية تعني حاله يدعو إلى الرثاء أو حاله لا يعوّل عليه.

شهدت هذه المسرحية تعثرًا كبيرًا كلما أراد تقديمها، حيث بدأ تجاربه على المسرحية أول مرة في يوليو 2005 م ليوقف التجارب فجأة بسبب عدم إيجاد مسرح ومنتج. وعاد إلى التجارب من جديد بعد خمس سنوات تحديدًا في أكتوبر 2010 وتوقف مرة أخرى لأسباب إدارية رقابية.

داود المعروف بالصبر وطول النفس وكسر القواعد العامة، عاد هذا الشهر للمسرحية، وبدأ تجاربه بحماس وبشكل مكثف، حيث تتواصل التجارب لأكثر من 12 ساعة يوميًا رغم الظروف الأمنية والحياتية التي تعيشها بنغازي، لينجح في عرضها على خشبة المسرح الحر أمام جمهور نوعي من النقاد والمسرحيين والكتاب، منتظرًا تحسن الوضع الأمني قليلاً ليعرضها أمام الجمهور العام.

يقول داود: «ألغيت كل شخصيات المسرحية واختزلها في ممثل واحد يجيد أداء كل الأدوار وهو الفنان فرج عبدالكريم… أنا هنا لا أعني بهذا تقديم مونودراما تقليدية ألفها الناس، نحاول معًا عبر هذه المسرحية تقديم شيء جديد».

فرج عبدالكريم صاحب التجربة الفنية العريضة (مسرح – تلفزيون – سينما – راديو) يضحك قائلاً: «بصراحة ألغينا كل الرؤوس التي في المسرحية قبل أن يخطفها ويقطعها المتطرفون، بقي رأسي أنا فقط يصول ويجول في المسرحية».

ينظر إلى داود الذي بدأ معترضًا، ويضيف: «ورأس المخرج كذلك الذي هو وراء ذبح كل الشخصيات واختزالها. ها هي دماء المسرحية تسيل، وها هو السيف في يد داود، دعني أقول لك بعيدًا عن المزاح إننا فعلنا ذلك ليسهل عرضها في أي مكان والتنقل بها، الديكور والسينوغرافيا أعددناها أيضًا على نهج متقشف كي لا نحتاج إلى منتج وسط هذه الظروف. المشهد العربي الحالي والعالمي أيضًا لا يحتاج إلى مزيد من الاحتشاد، رأس واحدة تكفي».

 

 

 

 

ويخرج من جراب معلقًا في عنقه رأس مانيكان لامرأة، ويقول: «هذه رأس الشخصية التي تشاركني البطولة في المسرحية الأصل زوج وزوجته، قطعتها واحتفظت بها، لا حياة دون امرأة حتى على خشبة المسرح».

داود الحوتي الذي بدأ مسيرته المسرحية على أيدي أساتذة كبار وفدوا إلى ليبيا لتعليم المسرح أواخر ستينات القرن الماضي، حيث دفع به الفنان المصري عمر الحريري في العام 1968م كممثل في مسرحية «بيت الله الحرام»، والسيد راضي في مسرحية «القاعدة والاستثناء» لبرخت، وقدمه المخرج سالم فيتور في مسرحية «الفيل يا ملك الزمان» لسعدالله ونوس. مضى على نهج أساتذته في اختيار النص الجيد والاشتغال عليه أو تلييبه، حيث يعتبر النص مكملاً لإبداع المخرج وبقية الفريق الفني، وليس ثمة مخرج أو ممثل يمكنه أن يبدع من فراغ، ولم ينس في كلامه أن يتطرق إلى المجر، البلاد التي درس فيها المسرح دراسة أكاديمية وعملية، يقول عن تجربته المجرية: «المسرح الأوروبي أعطاني مفاتيح وتجربة الحياة. المخرج الشهير كازمير كارو علمني القدسية لهذه المهنة. كما تعلمت كلمة أخرى (إني أتعلم القاعدة لأرفضها) تتعلم القاعدة لتتمرد عليها، إضافة لاتخاذ موقف مما تراه حولك فالفنان عبارة عن موقف. الفن تأمل للواقع والتعامل معه بصدق. أنا أعبر بصدق لتستقبلني الناس بصدق».

تتحدث (رجال لهم رؤوس) عن علاقة الرأس بالموت، وهل وجوده فوق الجثة يعني الحياة؟ وكم من رؤوس فوق الجثث هي ميتة رغم تنفسها، وما السبب الذي جعلها تموت وهي حية، وهل ثمة رؤوس ميتة لكنها مؤثرة في الحياة؟ وهل الفكرة تقبع في الرأس أم في جزء آخر؟ المسرحية تطرح أسئلة بصيغة إجابات، حيث تتحدث عن المركز عندما يموت، وكيف يمكن للأجزاء المتفرعة منه أن تنبت وتبدع لها رؤوسًا تجدد بها حياتها بعد موت الأصل.

في المسرحية أجواء ليبية صرفة، تحاكي الواقع وتسخر منه، لهجة شرق ليبيا التي تبدأ من وسط البلاد لتصل إلى تخوم الإسكندرية في مصر هي السائدة، وهي مفهومة جدًا والأقرب في اللهجات العربية للفصحى، رأس البطل يفعل كل شيء، دون انقطاع، لكن في كل يوم يتغير العرض.

وداود الحوتي معروف في الوسط الفني أنه يلعب كل مباراة على حدة، كل عرض يختلف عن العرض الآخر، يعيش ورشة دائمة، أحيانًا أثناء العرض يبدي ملاحظات للممثلين بشكل مباشر، حتى يظن المشاهد أن في الأمر تحطيم حائط رابع، العرض الذي تشاهده اليوم، يختلف حتمًا عن عرض الغد، رأسه منتج للأفكار بشكل مذهل، يغامر إلى أبعد حد، ويمنح للممثل حرية الابتكار بعد أن يثق فيه فنيًا ويمنحه ورده كما يفعل الصوفيون عندما يمنحون إذنًا لأتباعهم بطعن بطونهم أو أشداقهم بالسكاكين.

 

محمد الأصفر

http://www.alwasat.ly/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.