مسرح الطفل فـي محافظة بابل

 


بسبب تقاليد بالية واعتراضات شديدة من الأهل تخسر فرقة عصافير  الذائعة الصيت في محافظة بابل 2 – 3 من عضواتها الفتيات سنويا عند تجاوز أحداهن العاشرة من العمر بقليل الأمر الذي يجعلها في بحث دائم عن دماء جديدة تغذي بها مشاريعها الفنية التي ما زالت تحصد النجاح تلو الآخر ليس في محافظة بابل فحسب بل في جميع المحافظات .
فيما تواصل أربع فتيات متعددات المواهب العمل في الفرقة والذي يزداد صعوبة كلما تقدمت هؤلاء الفتيات في العمر ومواصلة المشوار بأعمال مسرحية وغنائية جميلة تلمس فيها روح الطفولة التي تبدو أنها على وشك أن تغادر ملامحهن بعد سنوات .
قبل عرض اخر أعمالهن الفنية وهي مسرحية ألعاب سارة التي قدمت بمناسبة يوم الطفل اليتيم العالمي انتهزت الفرصة للحديث معهن وهن مجتمعات كأنهن أخوات من عائلة واحدة حيث تعرفت عليهن عن كثب وقد وجدت لديهن ثقة كبيرة بالنفس وشعور لا يوصف بالسعادة رأيتها ترتسم على ملامحهن الطفولية الجميلة .
روان سالم هي احد الأعضاء الدائمين في فرقة عصافير وهي وكما يبدو جوكر الفرقة تبلغ من العمر 12 عاما وهي شاعرة وخطيبة وعازفة وممثلة ,ولا نبالغ عندما نقول أنها تكاد أن تكون اشهر طفلة في محافظة بابل , روان تركت الشعر والخطابة للسنوات اللاحقة لتكرس موهبتها حاليا في المسرح والموسيقى حيث تركت بصمة واضحة وجميلة في أذهان جميع المهتمين بمسرح الطفل من خلال دورها في العمل المسرحي الصامت ( شارلي شابلن وعازفة البيانو) وهي متعددة المواهب حقا فتارة تجدها تعزف وتارة أخرى تغني وبعد قليل تستمع لما تقوله ببراءة من قصائد وأراء تثير إعجاب الحاضرين اللذين جاءوا ليستمتعوا بما تقدمه الفرقة من أعمال متميزة .
روان تمثل منذ ان كانت بعمر خمس سنوات وقد حصلت على جائزة الطفل الموهوب التي أقامتها قناة الشرقية وشاركت في مسابقات عديدة وحصلت على المركز الأول في الخطابة عام 2012 .وهي تنوي ان تستمر في العمل المسرحي وأمنيتها ان تلتحق بمدرسة الموسيقى والباليه في بغداد .
اما شمس صلاح فهي من مواليد عام 2001 وهي طالبة في الصف الأول المتوسط ومستواها الدراسي ممتاز جدا أكدت لي أنها كانت تعيش مع عائلتها في مصر وقد انضمت الى الفرقة عن طريق احد أصدقاء العائلة لذا ما زالت تلاقي تشجيعا جيدا من الأهل وهي تمثل وتغني لكنها تحب الغناء اكثر رغم الموانع الاجتماعية التي تمنعها من الغناء المنفرد او العاطفي الا ان كان الغناء جماعيا وبصحبة فرقة العصافير وهي تقول ببراءة ( جدتي قالت لي لا تغني لوحدك ).
ويبدو ان انضمام زينب مهند للعمل مع العصافير لم يؤثر على مستواها الدراسي العالي جدا خاصة وانها تنتمي لعائلة لها أصول فنية وثقافية عريقة في محافظة بابل فوالدها مخرج مسرحي وجدها شاعر معروف من عائلة آل الخياط وهي تمثل وتعزف الا أنها تود ان تتفرغ للموسيقى وهي وكما يؤكد مدير الفرقة عازفة ممتازة ولها مستقبل مشرق .
وقد تكون مسرحية ( ألعاب سارة ) هي اخر عمل فني تشارك به مناسك عبود التي أكدت لي أنها ستترك العمل مع الفرقة قبل نهاية هذا العام وانها أعلمت الجميع بذلك والسبب هو معارضة الأهل الذين يرون أنها كبرت كثيرا وان من المعيب لابنتهم ان تعتلي المسرح لتغني او تمثل رغم ان مدير فرقة العصافير يعتبر ان مناسك هي من ابرز الموهوبات في الفرقة ومن المتفوقات في الدراسة ايضا وهي جيران ابنته روان وزميلتها في الدراسة والتي استطاعت ان تندمج مع الفرقة رغم انها تنتمي لعائلة من أصول فلّاحية لذا فقد أكدت لي ان السنوات التي قضتها مع الفرقة هي اجمل أيام طفولتها . .
أما منار فهي مطربة الفرقة التي أغنت العصافير بمجموعة من أغاني الأطفال والكبار بصوتها الملائكي المتميز الذي يشبهه البعض بصوت فيروز وقد انضمت للفرقة قبل سنوات قليلة بتشجيع كبير من الأهل مع شقيقتها الصغيرة الموهوبة التي تعشق الموسيقى كعشقها العمل مع زميلاتها في الفرقة .
آخر المواهب التي اكتشفها مدير الفرقة والتي حاول من خلالها تغطية التسرب المستمر لعضوات الفرقة هي دعاء منقذ وهي حاليا اصغر طفلة في الفرقة وتبلغ من العمر ثمان سنوات انضمت للفرقة مع أخيها عبد الرحمن منقذ وهم من العوائل السورية المهجرة التي استقرت في محافظة بابل وقد نالت إعجاب المهتمين بالمسرح والعوائل الحلية بملامحها الطفولية التي تنطق بالبراءة والجمال .
صاحب الفكرة التي انبثقت من خلالها فرقة عصافير شاعر الأطفال طارق حسين المدير السابق لدار ثقافة الأطفال في بابل وكانت بهدف تشكيل فرقة مسرحية تشيع ثقافة الطفل في المحافظة من خلال المسرح وبعد مرور بضع سنوات تطورت الفرقة لتصبح فرقة غنائية مسرحية لتنال إعجاب الجمهور منذ أول عمل قدمته و هو أوبريت (كمر الحرية ) الذي شارك في فعاليات مهرجان بابل عاصمة الثقافة العراقية وبحضور رئيس الوزراء أما أول عمل مسرحي قدمته الفرقة فكان بعنوان ( أحلام طفلة عراقية ) وقد فاز في حينها بالمركز الأول في مهرجان بانوراما النجف .
سر نجاح فرقة عصافير أباح لنا به سالم حسين مدير دار ثقافة الأطفال في بابل ومدير الفرقة الذي قال ان فرقة عصافير فرقة متكاملة من حيث النص والإخراج والأداء رغم ان اغلب أعضائها هم من الفتيات الصغيرات وهي سابقة جديدة على نطاق المحافظات باستثناء محافظة المثنى التي تمتلك فرقة مسرحية من الأولاد باسم فرقة الوركاء فقط .سألته :
– هل تعتقد أنكم تعانون أزمة مواهب حقيقية في بابل او بالأحرى مشكلة في عدد الفتيات الموهوبات ؟
– الكل يعلم ان بابل هي مدينة الإبداع والمبدعين وهي بلا شك زاخرة بالمواهب والفنون ولا يتحدد هذا الإبداع بذكر او انثى كبير كان او صغير وجميع أعضاء فرقة عصافير مبدعات بل متعددات المواهب الا ان المشكلة الحقيقية التي تواجهنا هو أجواء المدينة المحافظة التي ترفض او تعيب لفتاة صغيرة الصعود على خشبة المسرح من خلال الانضمام لفرقة عصافير او غيرها وقد تسمح بعض العوائل للفتاة تحت سن العاشرة بالتمثيل او الغناء لا انها ترفض إظهار هذه المواهب للعلن بعد هذا السن وهذا الأمر يضعنا أمام مشكلة حقيقية في رفد الفرقة بمواهب جديدة .
– إذن كيف ترى واقع مسرح الطفل في بابل؟
– لا يوجد مسرح طفل في بابل وكل ما يقدم هو عبارة عن مجهود شخصي من قبل محبي مسرح الطفل , أما كمسرح طفل متكامل يوازي أهمية وخطورة الطفل في المجتمع مثلما هو موجود في روسيا وأوربا فليس لدينا هذا المسرح والعمل المسرحي الذي نريده يحتاج الى صرف ما يقارب العشرة آلاف دولار لان العمل المسرحي يحتاج الى ديكور وأزياء ومؤثرات صوتية وممثلين ومخرج ومؤلف.
– الا تعتقد ان استخدام الدمى وعوالم الغابة هي الأقرب الى نفس الطفل ؟
يبقى الطفل معلق بالغابة والحيوانات وهو مناسب للأعمار من 6 – 10 سنوات وما فوق ذلك يحبذ ان يستخدم معه الأسلوب الواقعي والطفل يحتاج الى عوالم الغابة والسحر لما يحتويه من خيال واسع لكنه في الوقت نفسه يحتاج الى الواقعية
العالم اصبح عبارة عن قرية صغيرة والطفل لم يعد يقرأ ما يخصص له من قصص ومجلات والجدة ما عادت موجودة في حياته والطفل حاليا معتمد في ثقافته على التلفزيون بعد غياب الجدة وغياب الكتاب
– وهل تؤمن ان ما يقدمه الطفل للطفل هو ابلغ تأثيرا مما يقدمه الكبير للطفل ؟
اغلب الأحيان يعيبون علينا اننا نستخدم الطفل لطرح قضايا اجتماعية وكأننا نجعل من الطفل ساتر أمامي لنا في حين ان المشاكل التي نطرحها في المسرحيات تعالج المشاكل الطفولية واعتقد ان من الأفضل ان يظهر الطفل على المسرح ويقول أين حقي في الحياة ويكون تأثيرها كبيرا ومباشرا وهي بالتأكيد افضل من قيام الممثل بتقمص شخصية الطفل والمدير العام للدار يراهن على ما نقدمه من أعمال وهو مقتنع ان ما يقدمه الطفل للطفل افضل مما يقدمه الكبير للطفل لذا نحن نعتبر الدائرة المدللة بالنسبة لباقي المحافظات .
– أنت تكتب جميع الأعمال وتعد اغلب النصوص الا تعتقد انه نوع من أنواع الاحتكار ؟
– لا اعتقد اننا نستطيع ان نطلق عليه اسم احتكار بل اعتقد اني اعرف الخطاب الذي يتوجه للطفل يجب ان يكون مدروسا ومشكلة مسرح الطفل في بابل هو أزمة نص مسرحي مكتوب وهذه المشكلة تعاني منها مديرية النشاط المدرسي في المحافظة والسبب هو ان الكتابة للطفل غير سهله فعلى الكاتب ان يتقمص شخصية الطفل ويعرف أحاسيسه ومشاعره وجميع اهتماماته , صحيح ان لدينا في بابل شخصيات مرموقة تكتب للطفل مثل الشاعر ناهض الخياط وطارق حسين ومحمد كاظم الا انهم لا يكتبون النصوص المسرحية بل تخصصوا في الأوبريت والقصة والقصيدة لذلك اضطر في اغلب الأحيان ان أقوم بإعداد المسرحيات .

/ ساجدة ناهي

 

http://www.almadapaper.net/

 

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.