أخبار عاجلة

حازم كمال الدين: مصطلح «الطائفية» يهوّن من حقيقة الحرب العنصرية العراقية «كاباريهت» عمل تجريبي يزاوج بين تقنيات المسرح والسرد

 

 

 

 

من نهاية سبعينيات القرن الماضي، لم يتوقف الفنان المسرحي والروائي حازم كمال الدين عن الإخراج والتمثيل والكتابة، فقد أخرج قبل خروجه إلى بلجيكا عدداً من الأعمال المسرحية في بغداد، لكن وصوله إلى بلجيكا غيّر من حياته، وصار مسرح الحركة والجسد عالمه الأثير، ليقدم بسبب تلك الأعمال كفنان بلجيكي في المهرجانات العالمية والعربية.
لم تكن كمال الدين إلى بغداد في أول زيارة له بعد دخول القوات الأميركية إلا من أجل أن يعلن عن نفسه فناناً له قدرته على إبهار جمهور لا يأبه إلا بالأعمال المتكاملة، فكانت مسرحيته «ساعات الصفر» مفتتحاً جديداً بعد غربة استمرت لأكثر من 25 عاماً، ليعود من جديد إلى بلجيكا ويشكل فرقة مسرحية تحت مسمى «زهرة الصبار» مع مجموعة من الفنانين العرقيين الشباب، فقدم أعمالاً أبهرت الجمهور في عدد من المهرجانات الأوروبية.
فضلاً عن هذه الأعمال، فكمال الدين يعد الشعر عالمه الحقيقي، والرواية دافعاً جديداً لفن المسرح، فأصدر قبل سنتين رواية (أورال) باللغتين الهولندية والعربية، كما صدرت له مؤخراً رواية «كاباريهت» عن دار فضاءات فيعمان. هذه الرواية التي اشتغلت على الواقع العراقي في أثناء الحرب الطائفية التي اشتغلت في بغداد بعد العام 2006. عن هذه الرواية والمسرح، كان للقدس العربي هذا الحوار مع حازم كمال الدين:

* تشتغل في أعمالك على الثيمات اليومية العراقية، لكن بطرائق مختلفة، ما الموضوع الرئيس الذي تناولته في هذه الرواية؟ 
– أولاً أطلقت اسم «كاباريهت» على الرواية، وهي تعني مسرح الكباريه، الذي هو نمط من العروض المسرحية النقدية الحاوية على المونولوج والأغنية والرقص والتهريج والشعر والجروتسك، إلاّ أنّ هذه العروض تخلو من اللطم والعويل. إنّه مسرح سياسي احتجاجي غير شعاراتي ولا تعليمي ولا تلقيني. بل هو مسرح واخز نشأ وتبلور في ألمانيا، ثم انتقل إلى بريطانيا في الستينات، وهي نفس الفترة التي ظهر فيها لدينا على أيدي الرواد المصريين وفي طليعتهم فايز حلاوة ومحمد صبحي.
تتناول الرواية أحوال امرأة عراقية تدعى داليا رشدي، من مواليد 11 سبتمبر، خريجة قسم الفنون المسرحية عام 2002 وتعيش في تخوم ما يُصطَلحُ عليه السنّة والشيعة.
داليا رشدي تكتب القصة والمسرحية. زوجها كان كاتباً مرموقاً منعه الرقيب من النشر أيّام صدام حسين فاتخذ سياقة التاكسي مهنةً له. بعد سقوط صدام لا يعود إلى الكتابة، بل ينساق مع تفكك المجتمع العراقي ليضع مواهبه في خدمة العصابات. هل هو رجل ميليشيات أم إرهابي؟ الأمر غير واضح. المهم في الموضوع أنّ انخراطه في ذلك العالم يصبح سببا في اختطافه عام 2007 من قبل جهة تضع شروطا يأبى والد بطلة الرواية الانصياع لها، بل وتدفعه لإعلان الحرب على تلك العصابات.
نتيجة للاختطاف تصاب داليا رشدي بنكسة نفسية تفقدها توازنها وتدفع والدها، وهو كاتب عزف عن النشر منذ عقود، أن يقنعها باللجوء إلى الكتابة كعلاج نفسي. أما نجاح أعمالها المنشورة فلا يخفي ضياع توازنها النفسي الذي يطغى على ما تنشر. بمعنى أنّها لا تلتزم بمعايير الكتابة وتبرّر عدم الالتزام باعتباره تمردا على تقنيات ترى أنّها نتاج تراكمات ثقافية غير إنسانيّة. تقول في الفصل الافتتاحي ما يلي:
«تشجيع بابا لي دفعني للنشر بالفعل، وبعد نجاحي الملحوظ شجّعني على التخطيط لمشاريع أكبر!».
فالتزمت بتشجيعه وخطّطت بحماس لمشروع سردي طويل ضاع مع الخطط في بهلوانيات الكومبيوتر. أعدت كتابة الخطط وعدّلتها ثمّ أضعتها في مناسبات أخرى، ثمّ أوصلني الغضب من عدم إمكانية الاحتفاظ بالخطط أن أستشيط كل مرة بوجه بابا وأن أكفّ عن التخطيط. 
أن لا أخطّط يعني أن أرتجل على الورق. أعني أن أمنحك يا عزيزي فسحة قراءة ارتجالاتي بلا تسلسل محدد، ومن دون أن يتأثر النص أو تتصدع الحكاية. أعني أن أمنحك القدرة على القراءة صعوداً ونزولاً، ومن الأمام إلى الخلف، بل وحتّى القدرة على القراءة بالتسلسل الذي اقترحته عليك في هذا الكتاب. “ماكو” مشكلة بالتسلسل. 
كيفما قرأتَ النصوص فلن يتزعزع تماسك الكتاب. لكنّك إذا أهملت نصّا سيتهدم التماسك. التسلسل “مو” مهم. فالنص تجمعه وحدة هارمونية تشبه وحدة الواقع العراقي. كيفما قلّبت الواقع اليوم في بغداد فستجد نوافذ مهشّمة يمكن الإطلال منها على الفراديس الآفلة حيث وحدة وهارموني العتمة: وحدة مركزها التشتت.
في طيّات هذا الهارموني ستجد شخصيات، أو ستجدك شخصيات، تحكي عن نفسها أومن خلال نفسها. لكنّ هذه الشخصيات، انسجاما مع جماليات الدجى، ستتقلّب في المواقف دون أن تعي أنّها تتشقلب وتتناقض مع نفسها حدّ التضاد المضحك أحياناً.
* كيف اشتغلت على بناء الرواية، وما الأساليب التي دوّنت فيها الأحداث؟
– «كاباريهت» عمل تجريبي أردت منه مزاوجة التقنيات المسرحية (إخراجاً وتمثيلاً ودراماتورغيا) مع السرد المدوّن اعتماداً على تجربتي المسرحية الذاتية وليس على تجارب الآخرين. أقول تجربتي الذاتية لا تعالياً على تلك تجارب الآخرين وإنما تمحيصا نقديا بتجربتي المسرحية وتفحّصا لها بعين سردية وليس مسرحية.
عمدتُ في معمار السرد إلى ثنائيات منها: الأنثوية والذكورية.
وهو أمر حكى عنه الناقد الكبير ياسين النصير في تقديمه للرواية. لقد تناولتُ في هذا السياق شخصية نسوية وحكيت الرواية بلسانها. الكاتبات والكتاب يعرفون حق المعرفة أيّ صعوبة يمرّ بها من يختفي تحت جلد جنس آخر وبخاصة إذا كان الموضوع يعنى بتفاصيل الجنس الآخر.
فضلاً عن اعتمادي على الحبكة القصصية والمسرحية. أي اعتماد لغة القص ولغة المسرح، إذ يشعر القارئ بالتوتر الحيوي بين لغتين؛ واحدة سردية وأخرى تكاد أن تكون صوتية. شخصياً استمتعتُ أثناء الكتابة بمراقبة التوتر بين المستويين اللغويين الرئيسيين: الشفاهي والتدويني. واستندت عللى المفاهيم الروائية والقصصية، أي أنّ ثمة استرسال للخط العام في السرد، لكنه معبأ بتشظيات الحكايات. كان الهدف من هذا هو نقل بنية الواقع العراقي المفكك ليس بطريقة فوتوغرافية وإنما بتحويله إلى أبعاد معمارية سردية. معمار الرواية العام هو مجمل الواقع العراقي والفصول هي تشظيّات الواقع.
بهذا المعنى جعلتُ من النص فضاءً كليّاً وجزئياً للسرد. وجرّبتُ التعامل مع المعمار الروائي بمختلف مستوياته كوحدة كليّة وفي ذات الوقت التعامل مع الفصول باعتبارها وحدات جزئية مستقلة قائمة على تقنيات القصة القصيرة والريبورتاج والسيرة الذاتية وتقنيات مسرحية الممثل الواحد. لقد عملت على بناء شخصية روائية محورية تنمو ولها بداية ونهاية، وعملتُ في ذات الوقت على تشظية الشخصيات المحورية الأخرى لتصبح بشرا لا يربطه بنفسه في الفصول المتعددة سوى اسمه. وقد أوصلتُ التشظي إلى درجة أنّ القارئ سيكون قادرا على قراءة كل فصل باعتباره جزء من الرواية أو باعتباره نص قائم بذاته. حين تقرأ النصوص القائمة بذاتها ستجد أنّها تنتمي تارة للقصة القصيرة وأخرى للريبورتاج وثالثة لليوميات ورابعة لمسرحية الممثل الواحد.
أنا أعوّل كثيراً على تجريبية هذه الرواية ذلك أنها لا تنتمي لعالم تجريبي مفتعل. إنما تبحث عما أراه أنجع الطرق للقاء القارئ والتفاعل معه. أحد هذه الطرق هو التماهي مع حقيقة تغير مفهوم الزمن في عالمنا المعاصر الذي بات يصعب فيه التواصل مع أعمال طويلة بسبب تأثير الثورة التكنولوجية الحاسم على حياتنا اليومية.
أخلص من كلامي إلى صفة عامة في الرواية وهي وجود وحدة لا مركزية، تسمح بقراءتها كمقاطع قائمة بذاتها، وكمقاطع مترابطة داخل النسيج الروائي.
هذه الطريقة في السرد تثير أسئلة من مثل: هل يجب أن نقرأ كل ما هو مكتوب في الرواية، أم تكفي قراءة جزء مستقل؟ في هذا السياق صنعتُ من هذه الرواية شيئا يشبه الكواكب السيارة حول الشمس. كلها مستقلة لكنها مشدودة لجاذبية الشمس. أو تشبه رحلة في قطار مسافره قارئ يستطيع أن يترجل عندما يصل محطة ما… هذه الطريقة في العمل رغبتُ منها أن يكون النص حرّاً، ينتهي متى ما أراد القارئ دون تحامل من القارئ على النص ودون شعور بالذنب لأنّه لم يكمل البقية. وهذه هي إحدى الخبرات المسرحية التي طبّقتها على المعمار الروائي.
* اشتغلت على موضوع العراق في أصعب ظرف مرَّ به، كيف تناولت تلك الأحداث؟ 
– لقد بقيتُ أقفز من بقعة يابسة إلى أخرى في مستنقع الحرب الأهلية المتصاعد. تجربتي في «أورال» كانت أقلّ وطأة. فالهذيان العنصري العراقي كان نطفة دخيلة على رحم أمّ اسمها هذه البلاد. أما الآن فقد ولد ذلك الكائن المفزع وشبّ وطغى في الأرض… لقد تجنّبتُ كثيراً استخدام كلمة «طائفي» لأنّها تهوّن من حقيقة الحرب العنصرية التي يشنّها العراقيون على بعضهم البعض والتي لا تذكرني إلا برواندا وكوسوفو. أتمنى أن يراجع أبناء وطني مصطلح العنصرية لكي يتذكروا أنّه يتناول التمييز في القومية، والدين، والمعتقدات، والإثنية التي تميّز البشر بحسب ثقافاتهم وممارساتهم الاجتماعية.
* كيف ربطت بين الواقعي والمتخيل في عملك هذا؟
– سؤالك هذا عن الواقع والمتخيّل يحررني من الكابوس العنصري. كان في ذهني إبان كتابة «كاباريهت» الإيطالي بازوليني والبوسني/الصربي أمير كوستوريكا. وسيجد القارئ في الرواية وشائج مع ما أسميّه سوريالية بازوليني الاحتجاجية المستندة في جوانب منها إلى نقد الميثولوجيا (كفيلم 120 يوم في سدوم)، واللامعقولية والجروتسكية الكوستوريكية المخلصة لمفردات الواقع المحلي (كفيلم قط أسود قط أبيض). لقد كنتُ مشدودا لتحليل وسائلهما التعبيرية في تخييل الواقع واختلافهما الشاسع في وسائلهما الذي حصّنني من الاستنتساخ والتناص.
لقد ربطتُ عناصر الواقع في «كاباريهت» بطريقة أنتجت تخييلاً يسهل عليك تفكيكه وإحالته إلى سياقاته العراقية.
إنّ تداخل عناصر الرواية بالشخصية التي تسرد الأحداث يمثّل ناظماً مركزياً للتخييل. فالشخصية المحورية مشغولة بعصرنة واحدة من شخصيات ألف ليلة وليلة، لكنها تفقد القدرة على فصل الخيال عن الواقع.
* بين الشعر والمسرح والرواية، كيف استطعت المزج بين هذه الفنون للخروج بعملك الأخير؟ وأي الفنون تلك تأكل من حازم كمال الدين ونتاجه الإبداعي؟
– الشعر والمسرح والرواية تشكل جسوراً داخلية أو قل جدائل داخل النص. أما كيف فعلتُ ذلك فهو أمر تصعب الإجابة عليه. ذلك أنّي أترك مشاعري وغرائزي وخبراتي اللا واعية تحكم نفسها بنفسها عند انطلاق المشروع الإبداعي وبخاصة إبّان مراحله الجنينية. أما الوعي النقدي فلا يدخل على خط التجربة إلاّ حين يختمر المشروع حسيّاً. شيء تعوّدتُ على تسميته «الكيمياء» التي علّمتني أن لا أقسر نفسي على كتابة نص أو إخراج مسرحية أو الشروع بورشة مسرحية جسدية أو تكنولوجية بقدر ما أترك عفويتي وحمّى الخيال يقومان بذلك. إنّ الحمّى هي التي تقود إلى قوالب صبّ العمل وليس الكونسبت (كيف تترجم كونسبت باللغة العربية؟). «كاباريهت» لا يمكن لها أن تكون مسرحية أو بحثاً لأنّ الحمّى هيّئتها هكذا، رغم إمكانية اقتطاع فصول منها وتحويلها إلى عرض مسرحي أو نشرها كقصة قصيرة…
* الحركة والجسد كانا ملاذيك الأخيرين في بداية حياتك المسرحية في بلجيكا قبل أن تدخل عالم اللغة الأخرى، إلى أي مدى ما زلت تعيش وسط هذا الجسد وتعبر من خلاله عما يدور في نصك وعملك المسرحي الآن؟
– حسنا. قبل سبعة أشهر أنتجتُ مسرحيتي الأخيرة (ربيع أسود) في كندا وهي تعنى بالتكنولوجيا التفاعلية والحكواتي العربي، وقبل أسبوع أنجزت ورشة عمل مسرحية جسدية في بلجيكا، وخلال شهرين سأكون في بقعة أخرى لإنتاج عرض مسرحي جديد يعتمد على الجسد وعلى الصوت باعتباره معطى جسدياً.
انشغالي بالسرد، أو ما تسميّه اللغة الأخرى، إنّما يغني عملي المسرحي ولا يشتّته. لقد تعلّمتُ أنّ التعامل مع أجناس إبداعية مختلفة لا يحجّم موهبة الفنان، بقدر ما يفتح له آفاقا تساءل عمله الإبداعي.
* ما الجديد الذي تخبئه للمستقبل بعد هذه الأعمال؟ 
– لا جديد سوى مسرحية أعزف عن الحديث عنها قبل أن ترى النور أواخر هذه العام، ورواية عن عالم العراقيين في الغرب قد تكون في المكتبات عام 2015 وكتاب موسّع عن طبيعة عملي المسرحي يحمل اسم «بيانات في المسرح الجديد». 
* وبماذا ستختلف عما كتبت وأخرجت سابقاً؟
لا أدري! ما أعرفه جيداً عن نفسي هو أنّني لا أربّت على أكتاف ذاتي. فقد تعلّمت منذ زمن أنّ الصرامة النقدية للذات لا تؤلم بقدر ما تُعلّم.

صفاء ذياب

 

http://www.alquds.co.uk/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.