مسرح الطفل.. «فنون الملل» تطرد الصغار

 

 

 

الحال في مسرح الطفل لا تختلف كثيرًا عن الفنون الأخرى المفترض توجهها نحو الطفل المصري، لا نذكر من أعمال المسرح المصري حتى الآن سوى أوبريت “الليلة الكبيرة”، سنوات طويلة مضت على إنتاجه، ورغم ذلك يظل العمل الأهم حتى الآن، ربما لا يرى أطفال اليوم فيه عملًا لافتًا، وربما لا يتحمس كثيرون من أطفال الجيل الحالي لمشاهدته..

أزمة مسرح الطفل أن أطفالنا لا يشاهدونه، ويرونه ساذجًا ومستهينًا بعقولهم في الكثير من عروضه.. النقاد يرون الأزمة في الإدارة، والإدارة تحيل الأزمة إلي المبدعين أنفسهم، وبين هذا وذاك، انصرف الطفل عن الطرفين، وخلت المسارح إلَّا قليلًا من جمهورها المستهدف، ما زال الملف مفتوحًا.. و”البديل” تحاول الاقتراب من تفاصيل الأزمة من خلال آراء مسرحيين ومتخصصين..

الفنان إسماعيل الموجي، مدير مسرح القاهرة العرائس، قال: إن الفرقة أنتجت عددًا هائلًا من عروض مسرح العرائس المهمة، والتي حققت نجاحًا جماهيريًّا لافتًا؛ لأنها تستحق المشاهدة وعملت على مخاطبة عقل الطفل المصري، والمشكلة الحقيقة تكمن في الإعلام وتحديدًا التليفزيون المصري الذي صور معظم هذه العروض تليفزيونيًّا، ولكنه لا يعرض سوي الليلة الكبيرة، التي يتكرر عرضها للدرجة التي جعلت منها عملًا مملًا بالنسبة لبعض الأطفال الذين قد لا يستمتعون بها نتيجة لهذا التكرار، ويرى الموجي أن نجاح الليلة الكبيرة يعود لأسماء صناعها صلاح جاهين في الكتابة وسيد مكاوي مؤلف موسيقاها ومخرجها صلاح السقا، إضافة إلى كونها فرجة شعبية اقتربت من أمزجة المصريين كبارًا وصغارًا.

بينما يرى الفنان حسن يوسف، مدير المسرح القومى للطفل، أن المشكلة الحقيقية التي تواجه مسرح الطفل في مصر النصوص الرديئة التي تستهتر بعقلية الطفل المصري الآن، مشيرًا إلى أنه من بين كل مائة نص مسرحي موجه للطفل ربما لا نجد سوى نص واحد أو أثنين على مستوى جيد، وفي المسرح القومي للطفل ننتقي النصوص الصالحة قدر الإمكان قبل التصدي لإنتاجها، ما يتطلب مجهودًا كبيرًا فيما يرتبط بمعالجة بعض النصوص قبل عرضها على خشبة المسرح للطفل، ويقترح يوسف ضرورة إقامة مسابقات للنصوص المسرحية المكتوبة للأطفال في محاولة لاكتشاف كتاب جدد، على أن تكون الجائزة إنتاج العرض، خاصة أن كثيرًا من المؤلفين المتميزين لا يعرفون الطريق لتسويق أعمالهم وعلينا اكتشافهم، وهو دور يجب أن يتولاه له مسرح الدولة، ويطالب يوسف بضرورة تجاوز مشكلات الدعاية التي تواجه عروض الطفل التي لا يتم الترويج لها بشكل مناسب، وحتى تعرف الأسر أن هناك عروضًا مسرحية يجب أن يشاهدها أطفالهم.

الناقد المسرحي د.حمدي الجابري لم يبد تفاؤلًا بما وصل إليه حال مسرح الطفل في مصر، مؤكدًا أنه بمثابة فرصة لـ”الاسترزاق” من قِبَل صناعه والمشاركين في تقديمه، وقال: إن استعراض ما تم تقديمه من عروض للأطفال يكشف أنها أعمال لا علاقة لها بالطفل المصري، ومن الطبيعي أن يكون الجمهور المستهدف غائبًا، وشدد على ضرورة العمل بجدية نحو تقديم مسرح طفل ذي أثر واضح، مطالبًا بضرورة وضع سياسة ثقافية واضحة المعالم تتوجه نحو الكبار والصغار معًا حتي تحقق أهدافها.

الجابري حدد أن تكون هذه السياسة الثقافية ساعية نحو الإنسان المصري، ما يدعو إلى ضرورة وضع خطة ثقافية تبتعد عن الشعارات البراقة، مضيفًا أن التركيز على أزمة مسرح الطفل والعمل على تجاوزها ربما يكون كاشفًا لحقيقة مأساة الطفل المصري، لافتًا إلى أن الحال ليست أفضل في السينما التي لم تقدم شيئًا يذكر للطفل.

د. إيمان سند، رئيس المركز القومي لثقافة الطفل، قالت: إن مسرح الطفل يحتاج إلى موهبة استثنائية وإمكانيات فوق العادة، ولابد أن يكون القائمون عليه مؤمنين بما يقدمونه؛ لأن الطفل لا يصدق الأشياء المزيفة والتي قد تستهين بعقليته، وذكرت أن المركز القومي لثقافة الطفل يتحرك حاليًا باتجاه أطفال الأحياء الشعبية والمناطق العشوائية، في محاولة لإمداده بجرعة ثقافية يحتاجها بشكل ملحٍّ، ومن الضروري ألَّا يشعر أطفالنا أنهم على هامش الحياة .

ويقول الكاتب والشاعر محمد بهجت: إننا بحاجة إلى تطوير فنون الطفل كافة بمصر، بدلًا من الوقوف محلك سر دون تطوير لما نقدمه في هذا المجال، ولا ينكر بهجت وجود كوادر لديها القدرة على إحداث متغير في هذا الإطار، مؤكدًا وجود عروض مسرحية غاية في الروعة  تم تقديمها خلال الأون الأخير، معتبرًا إياها أفضل من أوبريت “الليلة الكبيرة” الشهير، والعالق في الأذهان؛ لعرضه عبر التليفزيون، مشيدًا بتجربة ورش الأطفال الإبداعية التي نفذت بالمسرح القومي للأطفال وقت إدارة الفنانة عزة لبيب الفرقة، ونتج عنها عدد من العروض المتميزة، وكان لها فضل الدفع بمجموعة مواهب حقيقية من الأطفال، معبرًا عن أمله أن يحقق بروتوكول التعاون بين البيت الفني للمسرح ووزارة التعليم أهدافه لما فيه الصالح لمسرح الطفل بمصر.

ويؤكد الناقد والمخرج د.محمد زعيمة أن الأزمة الحقيقة لمسرح الطفل في المؤسسات كافة المعنية بإنتاجه عدم وجود قيادات متخصصة به، ليس كافيًا أن يكون المسئول عن فرق الطفل دارسًا للمسرح فقط، يجب حصوله على دراسات ودورات في تخصص مسرح الطفل؛ حتى يؤمن بالدور الذي يجب أن يقوم به، مضيفًا أن هذا السبب كفيل بعدم تحقيق هيئات حكومية كبري أهدافها ودورها الحقيقي في الأعمال الموجهة للأطفال.

من جانبها حملت الكاتبة فاطمة المعدول مؤسسات الدولة المسئولية كاملة؛ لأنها لم تهتم بمسرح الطفل بالقدر الكافي، باستثناء تجربة الراحل سعد الدين وهبة، وقت رئاسته للهيئة العامة لقصور الثقافة، عندما استعان بخبراء ألمان في مجال ثقافة الطفل لنقل خبراتهم للعاملين بقصور الثقافة، ما ساهم في تأسيس تجربة مسرح الطفل التي انطلقت في الثقافة الجماهيرية علي أسس علمية، لم تستمر طويلًا مع مرور الزمن لإهمال القيادات فيما بعد للتجربة وعدم  تطويرها.

 

 

شيماء منصور

 

http://elbadil.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.