أخبار عاجلة

محمد برّي العواني في «دراسات مسرحية نظرية وتطبيقية»…المسرح العربي عائم على صفحة ماء رقيقة عكرة آسنة

 

 

 

«قضايا مسرحية ما يزال الحديث عنها قائماً ومطلوباً، ليس لأنها قضايا إشكالية وحسب، بل لأنها قضايا ما تزال قائمة من جهة راهن المسرح العربي وسيرورته وصيرورته وقد اتجه مذاهب شتى، ما أن يظهر بعضها حتى يتلاشى لمصلحة مذهب أو اتجاه آخر ينطفئ بسرعة»

هي القضايا التي تشكلها مجموعة من الدراسات تناولها الباحث محمد برّي العواني في كتابه «دراسات مسرحية نظرية وتطبيقية»، قائلاً: «المسرح العربي عائم على صفحة ماء رقيقة عكرة آسنة وذلك لعدم التغير في الجوهر الإنساني قدر ما كان التغير يصيب الأشكال المنقطعة عن الواقع الاجتماعي التاريخي».
المسرح التجريبي
أشار المؤلف في مقدمة كتابه لظاهرة المسرح التجريبي التي برزت منذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين والتي أكدها واقعاً بارزاً مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة، فجعلته الجهة المنظمة عالمياً لتختلط القيم والمذاهب والاتجاهات اختلاطاً عجيباً، وقد اتفقت جميعاً على أمر واحد هو الابتكار في الأشكال البصرية جسداً وفضاء وسينوغرافيا، وهذا ما أبعد الإنسان الاجتماعي عن ميدان الاهتمام بمشكلات حياته في الحرية والديمقراطية، حسب قول العواني.
مضيفاً إن هذا كله جعل المسرح العربي مرهوناً للمسرح التجاري-الخاص الذي وجه كل جهوده لامتصاص الجمهور بكل فئاته، حيث غدا الترفيه التهريجي شكلاً مخادعاً لأنه يوهم بطرح قضية اجتماعية أو أخلاقية، فيقول: «رغم أن الجمهور يعرف ذلك فإنه يقبل على هذه العروض لِتجهُّم عروض المسارح القومية الحكومية وكآبتها ورطانتها البيروقراطية».
فكر فلسفي ومنهج علمي
مغزى الباحث من التذكير ببريخت في دراسة «الحاجة إلى بريخت» التذكير بفكره الفلسفي ومنهجه العلمي الديالكتيكي وفنه المتطور وتجديده الدائم، (قال العواني).
كما عادَ إلى نظرية المسرح بين بريخت وأرسطو، مشيراً إلى أن أرسطو يرى في كتاب (فنّ الشعر) للمسرح اليوناني وبالذات التراجيديا منه، يسعى إلى غاية التأثير في المتفرج بوساطة تقديم شخصيات سامية في لحظة سقوطها المأساوي، الأمر الذي يثير في المتفرج انفعالين هما الخوف والشفقة، بهدف التطهر من آثامه، وإن التطهر الأرسطي يأخذ أبعاده الأيديولوجية ويحقق أهدافه في روح المتفرج، وخاصة حين يضع العرض المسرحي المتفرج نفسه في حالة من الاستلاب العقلي والروحي.
لم يقتصر الباحث على عرض هذه النظرية بل تحدث عن العديد من الأمور (التغريب والأصول الفلسفية، المسرح التعليمي- الملحمي كضرورة…)، إذ قال: «لعل ما يستدعي ذلك كله هو ما يجري الآن على مسارحنا من عروض ألغت النص المسرحي، واتجهت نحو تجارب هي أشبه بفقاعات الصابون بسبب شكليّتها، الأمر الذي يدفع إلى استدعاد «بريخت» لإعادة الموضوعة الاجتماعية- التاريخية إلى المسرح.
المسرح والشعر
في الباب الثاني «لغة الشعر في المسرح» رؤية نقدية، أوضح المؤلف أن في البدء كان الطقس الاحتفالي متوجاً على الدوام بالرقص والغناء والأناشيد، وهذه كانت متوجة بالشعر، وأضاف: «وفي البدء كان المؤلف المسرحي شاعراً بل كانت هذه صفته المقدسة من قبل مجتمعه بكل مستوياته، ما جعله كاهناً ذا سلطة شبه مطلقة».
فيما بعد تحدث العواني عن أنواع الشعر مبيناً أن جميع الباحثين والنقاد بمن فيهم الفلاسفة، الذين بحثوا في المسرح الشعري قد اتفقوا على وجود ثلاثة أنواع شعرية (الشعر الغنائي، والملحمي، والدرامي)، غير أن التطورات اللاحقة كانت قد طورت معها أنواعاً أخرى استقلت عن غيرها، ومارسها الشعراء، وهي (الشعر الدرامي، وشعر المسرح).
وتابع كلامه عن المسرح الشعري عربياً، قائلاً: «اتفق الباحثون العرب على أن ما أنجزه (أحمد شوقي) من مسرحيات شعرية باهرٌ وخليق بالدرس والنقد على الرغم من موقف (طه حسين) من مسرح شوقي الذي رأى فيه قطعاً شعرية لا مسرحاً، وغنائية طربة لا دراما».
دراسات تطبيقية
أورد الباحث في الباب الثالث دراسات مسرحية تطبيقية، فجاء الفصل الأول منه «المسرح الشعري بين الشرقاوي وعبد الصبور»، أشار فيه الباحث إلى إجماع الباحثين والنقاد على أن عبد الرحمن الشرقاوي كان النقلة الفنية الحقيقية في المسرح الشعري العربي بعد أحمد شوقي، مبيناً أن اسم الشرقاوي لمع بعد قصيدته «من أب مصري إلى الرئيس ترومان» التي تبدّت فيها الروح الدرامية بوضوح من خلال أسلوب خطابها ونبرتها التي ميزتها من بين الكثير من القصائد الشعرية في ذلك الوقت، وقد تابع الشرقاوي فيما بعد كتابة المسرحيات الشعرية المتحللة من الشكل والقافية التقليدية، مع المحافظة على الروي ما أمكن.
وأضاف المؤلف أن اقتحام صلاح عبد الصبور لعالم المسرح كان قد خطف الأضواء من الشرقاوي لإنجازه مسرحاً شعرياً مكتمل الأركان خرج فيه الشعر من غنائيته ليغدو مسرحاً شعرياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
أما الفصل الثاني من هذا الباب فكان فيه «المشهد الافتتاحي في مسرح وليد فاضل»، فيقول الباحث: «ما كتبناه عن وليد فاضل وبخاصة فاعلية المشهد الافتتاحي في نصوصه بعامة، وفي نصوصه التاريخية والأسطورية بخاصة فيصب في بحر اللغة الشعرية وينهل من جوهرها الدرامي، لأن وليد فاضل يشف كثيراً في لغته التاريخية والأسطورية، بل إنه يكتب شعراً درامياً شفافاً وعميق الفكر وغنياً بالإحساس والمشاعر والانفعالات منبعها الرئيس هو الشخصية الدرامية والحدث الدرامي والطبيعة الدرامية للموضوع والمضمون الإنسانيين المأساويين».
كتاب حمل عنوان «دراسات مسرحية نظرية وتطبيقية» للباحث محمد برّي العواني، صادر عن وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب، حاول العواني خلال 213 صفحة من القطع المتوسط إثارة قضايا ومشكلات مسرحية تتعلق باللغة المسرحية والموضوع والمضمون والشكل المسرحي وعلاقة ذلك بالإنسان العربي المعاصر.
http://www.alwatan.sy/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.