أخبار عاجلة

عروض الدورة السابعة لمهرجان المسرح المحترف تكشف حال الجزائر

«العشرية السوداء» تختصر عمر الاستقلال شاءت الجزائر أن تحتفل مدة عام كامل بمناسبة مرور 50 سنة على استقلالها، وفي هذا الإطار كانت وزيرة الثقافة خليدة تومي أعلنت أن برنامج وزارتها في هذه الاحتفالية عبارة عن إنتاج 50 مسرحية و44 فيلما طويلا و20 فيلما وثائقيا و13 تحقيقا حول التراث “غير المادي” ونشر 1000 من الكتب الثقافية؛ وفي هذا السياق جاءت فعاليات الدورة السابعة لمهرجان الجزائر للمسرح المحترف بمشاركة نحو 50 فرقة ولائية وسبع فرق عربية إضافة إلى ندوة حول تجربة المسرحي والروائي الراحل كاتب ياسين وبرنامج أدبي متنوع ضم مجموعة من الأدباء من بلدان عربية عدة.

الواقع، يحتاج المرء دائما أكثر من طاقته المعتادة حتى يمكنه ان يتابع معظم الفعاليات المصاحبة لمهرجان الجزائر للمسرح المحترف وذلك نسبة لكثرتها وتوزعها على أمكنة عدة في معظم الدورات الفائتة وفي هذه الدورة على وجه التحديد، وعلى رغم اجتهاد إدارة المهرجان في تمكين الضيوف من حضور كل الأنشطة إلا أن ذلك لم يكن كافياً؛ ولكن لعل المهم هنا هو الجمهور المحلي الذي لطالما حرص على التواجد في صالات العروض قبل ساعة من الموعد الرسمي، وفي ذلك ما يدل بالطبع على شغف شديد بهذا الفن في هذه البلاد التي لا زالت تسعى إلى مغالبة ذكريات حربها الطويلة ضد التشدد 1992 ـ 2002.

ذكريات

تلك الحرب التي تسمى مجازاً “العشرية السوداء”؛ أفقدت المسرح الجزائري والعربي ثلة من أبرز الفاعلين فيه مثل عبد القادر علولة وعبد الرحمن كاكي، علال المحب، والطيب أبو الحسن وبن عبد الحليم الجيلاني وسيراط بومدين إلخ.. كما تسببت في حال من القحط الثقافي وخصوصا مع هجرة بعض الأسماء الإبداعية المهمة إلى أوروبا وتوقف أو انكفاء أغلبهم على أمور ليس بينها الإبداع. إذاً، كان من الطبيعي ان يتدهور المسرح الجزائري أو أن يفقد رصيده الذي كسبه في سنوات ما قبل الحرب؛ ولسنوات قليلة ماضية كان على المسرح أن يعاني ضعفاً واضحاً وأن يظهر بصورة شبحية أو في شكل مناقض تماما لسيرته المتميزة في ذاكرة مهرجانات المسرح العربي.

لكن، ومنذ سبع سنوات، تجتهد وزارة الثقافة وتبذل في سخاء ملفت العديد من الفعاليات الفنية والأدبية والثقافية وعلى نحو متتابع أو دائم، وفي سائر الولايات، حتى ترمم وتعمر ذاكرة مسارحها ومنتدياتها ومنابرها الأدبية التي تأثرت كثيراً بوقائع تلك الأيام السوداء؛ وبحسب البعض فإن البرامج الثقافية التي تكثفت في السنوات الأخيرة كان لها أثرها الكبير في استعادة وهج الثمانينات؛ فلقد أعادت الجمهور إلى صالات المسارح والفنون التشكيلية والمتاحف ومعارض الكتب كما استقطبت العديد من الأسماء والفعاليات العربية والأفريقية والغربية المهمة إلى المشهد الثقافي الجزائري.

وقياساً إلى عروض المهرجان ذاته بدا واضحاً أن المسرح الجزائري استعاد الكثير مما كان له في السابق ولعله بدأ رحلة جديدة نحو الجدة والحداثة!

مناسبة

وقبل استعراض أبرز ما قدمه المهرجان لا بد من الإشارة إلى أن عروض المهرجان وبرغم تقديمها في مناسبة مرور نصف قرن على الاستقلال إلا أنها لم تقارب تلك الذكرى بأي شكل، وانشغلت على صعيد مضامينها بقضايا معاصرة ذات صلة بمسائل مثل العدل والحياة والوجود والعدم إلخ..

على أن ثمة صدى لـ “العشرية السوداء”، في ما تناوله العرض الموسوم “امرأة من ورق” للمخرجة والممثلة المعروفة “صونيا” والذي أعد نصه مراد سنوسي عن رواية “أنثى السراب” لواسيني الأعرج. يقوم العرض على حوار بين امرأتين، الأولى زوجة لكاتب روائي محزونة بغيابه (قامت بدورها نادية لعريني) والثانية هي شخصية روائية (رجاء هواري) غلبت على أعمال الكاتب الراحل وقد صاغها وأرادها أن تخلد وتغدو علامة على كل فتاة جزائرية، بصفاتها وقيمها.. وهو طلب من زوجته أن تختار لها اسماً، فاختارت اسم “مريم” الذي يخص صديقة طفولتها التي دلتها على الموسيقى والشعر الشعبي وصقلت ذائقتها.

مع تقدم زمن العرض ومن خلال الحوار أو بالأحرى المواجهة بين السيدتين ـ كل واحدة تزعم أنها تخص الكاتب أكثر من الأخرى ـ نتعرف على محطات مختلفة من سيرة الكاتب الراحل إفكاره وأسفاره ورفاقه؛ بخاصة أثناء فترة الحرب، كما يستعيد العرض، عبر البروجكتر والسرد، لحظات رحيل بعض المبدعين من أمثال مصطفى كاتب وعبد القادر علولة وسواهما ممن راحوا في تلك الأيام المؤسفة ولكن بعد ان خلفوا ذكرى قوية في نشر الوعي والاستنارة ومقاومة كل أسباب التخلف والرجعية.

وعلى رغم ثقل حمل كل تلك الأسماء والتواريخ على عرض مسرحي مدته ساعة، إلا أن المخرجة صونيا نجحت في تخفيف كل ذلك وتمريره عبر ثقب الإبرة، كما يقال. لقد تكلم العرض بلغة متوسطة بين العامية والفصحى غالباً إلا في بعض المواضع التي كانت تستلزم لغة عربية فصيحة تحديدا عند الاقتباسات المقروءة من نصوص للكاتب؛ وفيما لبست الزوجة زيّا أسود لتأكيد حزنها، ارتدت الشخصية الروائية فستاناً أبيض يشبه (الخيال!) وتوزعت قصاصات الورق على الخشبة.. لامعة تحت الإضاءة الشفيفة التي كانت تشع وتخفت وتتلون تبعاً لإيقاع الحوار بين الشخصيتين في حال شعرية، شديد التأثير. ما كان لكل ذلك أن يكون مؤثرا لو لا الأداء التمثيلي الملفت للممثلتين، بخاصة نادية لعريني التي أدت دورها كزوجة لذلك الكاتب كما لو انها تعيشه واقعاً، إشارةً دالة وحركةً ملهمة وصوتاً مفعما بالأسى واللوعة والافتقاد؛ وقد استحقت جائزة التمثيل الأولى عن دورها في المسرحية.

عروض

قسمت إدارة المهرجان العروض التي قدمت طيلة ثلاثة عشر يوما إلى “عروض داخل المنافسة” وبلغت سبعة عشر عرضا من مختلف الولايات والجمعيات المسرحية الأهلية والمسرح الوطني، و”عروض خارج المنافسة” وبلغت سبعة وعشرين عرضا لاربع عشرة فرقة بينها الفرق العربية المشاركة: العراق، مصر، المغرب، السودان، مصر، فرنسا. وما يلفت في اختيار العروض غير المتنافسة أنها سبق أن حازت جوائز في مهرجانات مسرحية محلية؛ أي أنها لم تكن خارج المنافسة لأنها أقلّ قيمة ولكن على العكس لقوتها وعمقها، وهي في المهرجان حتى تستفيد منها الأجيال الجديدة وليراها الجمهور مرة ثانية أو ثالثة؛ ولعل مما يستحق الذكر أيضاً أن إدارة المهرجان توجهت بمعظم هذه العروض إلى جمهور الولايات ولم تقصرها على مسارح العاصمة بما في ذلك العروض الزائرة فهي الأخرى راحت إلى تلمسان ووهران وسكيكدة وسواها من عواصم ومدن الولايات.

الفساد..

عن “الفساد” تكلم العرض الأول في المهرجان (داخل المنافسة) وهو جاء باللغة العامية تحت عنوان “الحصلة” وتعني “المأزق” من إخراج حبيب مجاهري. يواجه مدير المؤسسة الفاسد اضراباً من العمال بعد أن أفلس خزينتها وأوشك على بيعها، فيعمد إلى حيلة غريبة حتى يتفادى المواجهة وخصوصا مع الشاب المثقف المطلبي الذي كلما جاء لمقابلته ـ المدير ـ وقفت دونه السكرتيرة. إذاً يتفق المدير مع “البواب” (من باب الغاية تبرر الوسيلة) سراً على لعبة مخادعة، ولكي يحكم تمثيلها يدخل الحمام ويوهم بأن الباب انغلق عليه، وتتطور الأمور من بعد، وفي اللحظة التي يحسب فيها الشاب المثقف أن ورطة المدير داخل الحمام مناسبة لفضحه، ويأتي بالصحافة لهذا الغرض ينفتح الباب ليظهر وجه البواب وليس المدير من داخل الحمام؛ فينهار الشاب، ومن ثم يسهل على المدير، الذي يخرج من مكتبه وسط تزاحم الموظفين والصحافة مقابل باب الحمام، يسهل عليه أن يتهم الشاب بالجنون وسرعان ما تتبنى الصحافة اتهامه ويتحول الشاب إلى مشفى الأمراض العقلية!

بدا المخرج مستسلماً لمكر الحكاية وخبثها فلم يجتهد كثيراً في تشكيل صورة عرضه واعتمد فضاء واقعيا يتكون من مكتب ومدخل وحمام وأزياء مستخدمة في دلالتها العامة كما الإضاءة التي لم توظف إلا لإظهار مكونات الخشبة!

أداء

وعلى العكس تماماً جاء عرض اليوم التالي “ماذا ستفعل الآن” لمسرح سيدي بلعباس وهو مستلهم من روايتي “هوس” لحميدة عياشي و”شهقة الفرس” لسارة حيدر وأخرجه هارون كيلاني، وقد أظهر بلاغة تقنية ملفتة في تشكيل عرضه إذ اعتمد أداء الممثلين، القائم على تشكيلات جسدية صراعية حادة، في شغل فراغ الخشبة التي جاءت عارية إلا من حركة الممثلين وكرسي وحوض حمام. العرض الذي يحكي باللغة العربية الفصحى قصة رجل خمسيني (قام بالدور عبد الله جلاب) تؤرقه ذكرى ليلة مخمورة بدأت بأن جاءته جارته المسكينة تستنجد به لأن ابنها الصغير مرض فجأة فيغلق الباب ويعود ليسهر ويسكر مع رفاقه، وتنتهي الليلة بأن تصدم سيارة رفاقه السكارى عربة إسعاف كانت تحمل جارته وطفلها المريض ومات الجميع إلا الأم والرجل الخمسيني الذي ظل وقتا طويلاً يرى شبح الطفل الذي جاء من القبر ليثأر منه وثمة أشباح رفاقه أيضاً، ولا يعرف الرجل ماذا يفعل وهو يواجه يوميا سؤال الموت إلا أن يحرق نفسه في حوض حمامه!

لكن، ما استحوذ على الجمهور في هذا العرض هو الأداء المتميز للممثلين، والطواعية العالية لأجسادهم ومرونة حركاتهم، على صعوبتها وتعقدها.

وفي عرض “افتراض ما حصل فعلاً” طابق مخرجه لطفي السبع بإبداعية عالية بين المضمون والشكل؛ فالعرض الذي قدمه “مسرح أم البواقي” يقارب بحس كاريكاتيري قصة “المارشال” الذي أقام نصباً ضخماً للجندي المجهول ولم يجد جندياً وسط جنوده ليخلده به؛ فجيشه كلما خاض حربا عاد ظافرا ومن غير قتيل؛ ولما كان المارشال متعجلا لتدشين نصبه التاريخي فأنه يلح على مستشاره أن يساعده فلا يجد الأخير سوى جثة جندي من جيش مدينة صغيرة اعتدى عليها جيش المارشال أخيراً، ولكن الجثة الغريبة تنتفض أمام المارشال ومستشاره وترفض أن تكون جزءاً من الكذبة!

النص الذي كتبه العراقي علي الزيدي تجلى على الخشبة برؤية إخراجية مبدعة اعتمد خلاله لطفي السبع على أجساد الممثلين وأزيائهم في تخليق قطع ديكورية حية ونابضة منها؛ فثمة تشكيل يظهر بعض الممثلين في هيئة كرسي وهناك لوحة أخرى تظهر الممثلين في هيئة مدرج أو سلم وثمة أسرّة إلخ.. وخلقت هذه الحلول السينوغرافية الجسدية، حوارية ملفتة بين المرئي والملفوظ فوق الخشبة وقد أستحق العمل جائزة “أفضل عرض متكامل” في حفل ختام المهرجان.

هاملت

ثمة عروض أخرى وجدت صدى مهماً ولكن المجال لا يسع لتناولها بخاصة عرض “هاملت” الذي أخرجه ربيع قشي على أسلوب مسرح داخل مسرح وباللغة العامية؛ فثمة بين أعضاء الفرقة التي تتمرن على المسرحية الشكسبيرية مواقف وعلاقات يمكن اقتراحها على تلك الأجواء الدانماركية لتضفي مسحة معاصرة يستملحها الجمهور الجزائري، أما عقدة هذه المواقف فهي البنت الجميلة التي تقوم بدور الملكة؛ إذ أن كل واحد من الممثلين يريدها لنفسه!


عصام أبو القاسم

http://www.alittihad.ae

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *