لماذا يأخذ المسرح الغربي من تقنيات المسرح الشرقي وبالعكس

 

 

 

للمسرح الشرقي – الهندي والصيني والياباني وغيره تقاليده المتمثلة بالدراما السنسكريتية التي ظهرت نحو 320 ميلادية وأخذت مادتها من ملحمتين هما: المهابهاراتا و رامايانا المكتوبتين 500 سنة قبل الميلاد وتستخدم الشعر الملحمي ويعتمد الممثلون فيها على الحركة والايماءة والأغنية والماكياج والزي الخاص ولكل حركة وايماءة يؤديها الممثل دلالتها و روحيتها، وفي القرن الثالث عشر تناقصت عروض الدراما السنسكريتية في الهند وحل محلها (الكاثاكالي) وهو الرقص الدرامي وتعرض موضوعات عن الخير والشر وتعتمد بالدرجة الاولى على الايماءات ودلالاتها.
في الصين كانت (اوبرا بكين) وما زالت من ابرز الموروثات المسرحية وتعتمد في موضوعاتها على القصص الشعبية وما يعرف بالممالك الثلاث وحافات المياه ويستخدم الممثلون في (اوبرا بكين) الغناء والحركات الواسعة لسرد الحكاية وبمرافقة الموسيقى الصاخبة، وللعرض أزياؤه وماكياجه الخاص ويتبع الممثلون نظاماً صارماً اثناء التدريب وهم في سن مبكرة وكذلك في العرض ولاتستخدم في هذا النوع من العروض مناظر تمثيلية بل مناظر مجردة لها دلالاتها فقطعة القماش الصفراء تمثل الارض والزرقاء الماء او السماء وتستخدم المراوح اليدوية لأغراض ودلالات مختلفة.
في اليابان هناك تقاليد مسرح (نو) ومسرح (كابوكي) . النو عرض يمزج بين المحاكاة الصامتة والرقص وظهر في القرن الرابع عشر وموضوعاته مأخوذة من الديانة البوذية، واذن فالجانب الروحي هو الذي يهيمن . ويعتمد الاداء في (نو) على مرافقة الموسيقى وللممثلين أدوار محددة موصوفة، وهناك اقتباسات كثيرة من المسرح الصيني فيما يخص الأزياء والماكياج، وتبلورت تقنيات مسرح (كابوكي) في القرنين السابع عشر والثامن عشر متطورة عن تقنيات مسرح (نو) وهي الاخرى تعتمد على الحركات الراقصة والأحداث الميلودرامية غير مترابطة ولهذا النوع من المسرح أدواره المحددة ايضاً ويستخدم الممثلون الماكياج المكثف الرمزي.
وهكذا فلكل تلك الأنواع من المسرح الشرقي أنظمته المتزمتة وأعرافه التي بقيت على حالها منذ النشوء وحتى اليوم فهناك جمود واضح في تلك التقاليد ، فلماذا اذن يعجب المسرحيون في الغرب بها وهم الذين يتطلعون دوماً الى التجديد بل ومارسوه عبر السنين حيث ظهرت التيارات والمدارس المختلفة ولكل منها أساليبها وطرق للأداء والعرض حتى وصلت اليوم الى ما يسمى بـ (مسرح ما بعد الحداثة)، اذن لماذا يعجب اولئك المخرجون العظام أمثال الالماني (راينهارت) والروسي (ميرهولد) والبولوني (غرونوفسكي) والايطالي (باربا) وغيرهم بالمسرح الشرقي وتقنياته؟ يبقى هذا السؤال مطروحاً أمام الدراسين. البعض يقول انه البحث عن الجديد واللامألوف والاخر يقول انها الروح التي تتخلل اداء الممثلين في ذلك المسرح وثالث يقول انه اكتشاف المجهول ولكن بالمقابل نرى ان المسرحيين في الشرق – الهنود والصينيين واليابانيين وغيرهم عافوا مسرحهم التقليدي و راوا يتطلعون الى مسرح الغرب وبل اقتبسوا منه الكثير وانتجوا منه الأكثر.
ففي اليابان مثلاً ظهرت حركة مسرحية بعد الحرب العالمية الثانية سميت (شينغيكي – المسرح الجديد) التي راحت تقتبس من المسرح الغربي الكثير بل ورفضت تقنيات المسرح الياباني التقليدي ايضا وخصوصاً (الكابوكي) وراح مخرجون معروفون يقدمون مسرحيات غربية ويدبون ممثليهم على وفق التقنيات الغربية فشهد الجمهور الياباني مسرحيات شكسبير وابسن وجيكوف و غوركي وميترلنك وهوبتمان وسترندبرغ وبريخت، وظهرت حركات مماثلة كثيرة في الهند واقل منها في الصين. ومرة اخرى يبرز السؤال: لماذا عاف اولئك الشرقيون مسرحهم التقليدي وراحوا يقدمون مسرحيات غربية؟ ويأتي الجواب سريعاً في ان جمهورهم قد اعتاد على تلك التقاليد وربما اعتبرها ميتة وهو يبحث عما هو جديد وماهو مجهول وقد وجده في المسرح الغربي وربما وجد المسرحيون الشرقيون ان تقنيات الغربي اكثر قبولاً واقناعاً تسنده المبررات العلمية والملموسة مبتعداً عن المثاليات والماورائيات علاوة على انه يعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والنفسي للمجتمع.

 

سامي عبد الحميد

http://www.almadapaper.net/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.