مفهوم «الدراماتورج» والبحث «الدراماتورجي» والالتباس في المسرح العربي

 

لا أعتقد أننا عندما نتطرق إلى موضوع الدراماتورج، والبحث الدراماتورجي في المسرح العربي، يعني أننا نحاول تأكيد وجوده، بل على العكس، إن في ذلك نوعا من التأكيد على عدم وجوده، على الأقل، بشكل غير مباشر. 
وفي ذات الوقت، لا يمكننا أن نطرح الموضوع بنفس الطريقة والكيفية التي نتناول فيها موضوع الدراماتورج ودوره وأنواعه في المسرح الغربي، الذي اختلف وتطور من بلد إلى آخر، وفقا للعديد من السياقات والرؤى، لاسيما أن الكل يعرف بأن المسرح في الوطن العربي، وليس المسرح العربي، لأن هناك فارقـا كبيرا بين هاتين التسميتين. حيث تؤكد التسمية الأولى، على أن المسرح في شكله ومضمونه، قد انتقل من الغرب إلى أنحاء الوطن العربي عبر قنوات متعددة ومختلفة، وفيها تأكيد ضمني أيضا، على أن الظاهرة في نهاية المطاف، هي غربية بامتياز. ولسنا هنا بصدد مناقشة هذا الموضوع، الذي سبق وأن تناوله العديد من الكتاب والباحثين في هذا المجال أو ذاك.
أما التسمية الثانية، «المسرح العربي»، فتشير إلى خصوصية الهوية المسرحية العربية التي عمل على إثباتها الكثير من الباحثين والكتاب بالتجائهم إلى التاريخ والموروث الأدبي وفن السير والحكايات وإلى آخره … التي تحتوي على بعض المظاهر القصصية الدرامية القريبة أو التي تشبه ملامح الدراما الغربية الأرسطية؛ ولكن بالاعتماد على النموذج الغربي وتقنياته ومدارسه المتعددة. 
ولقد قام المؤسسون من المسرحييـن العرب، على تقليد ونقل التقاليد المسرحية الغربية مع تغييـر أسمائها وأحداثها ومعالجاتها؛ وهذا ما عرض الكثير من المصطلحات والمواضيع والمفاهيم إلى الكثير من التغيير والتحريف والترجمات المختلفة البعيدة أحيانا، عن تعريفاتها الحقيقية، وجعلها تأخذ سياقات أخرى غير مألوفة وواضحة، مثل: مصطلح التجريب، والفضاء المسرحي بأنواعه الذي اختلف الكثير من المسرحيين على تسميته، وظلوا يتأرجحون بين تسمية المكان الخالي والفضاء الخالي، متناسين أن الفضاء المسرحي ليس بفضاء واحد، وإنما هو عدة فضاءات لكل واحد منها وظيفته الإجرائية المختلفة والمميزة؛ وكذلك التخبط بين مفهوم الدراماتورج، والبحث الدراماتورجي، متناسين أن الدراماتورج هو المؤلف الأصلي للعمل الدراماتيكي، في مفهومه الكلاسيكي؛ وقد قاموا بإعطائه مرادفات اصطلاحية غير دقيقة ومبهمة، لا تشير بالضرورة إلى الدراماتورج الأول الذي هو المؤلف ووظائفه، ولم يفصلوا بينه وبين التحليل الدراماتورجي الذي يعنى بالممارسة النقدية، التي تقوم بتقديم وتقويم الفن المسرحي وبلورة الأدوات الضرورية للعرض ولقائه والتقائه بالمتلقي. 
وربما يرجع ذلك لعدم معرفتهم لمعنى الاصطلاح نفسه، على الرغم من كون وجوده يعود إلى الجذور المسرحية الأولى، «الاغريق»؛ وكذلك الشأن بالنسبة للسينوغرافيا. إن كلمة سينوغرافيا في اللغة الإيطالية « scenograf»، تشير إلى مصمم خشبة المسرح، وبمعنى آخر، مصمم الديكور المسرحي. وقد كانت تشير في عصر النهضة إلى مجرد لوحة خلفية للمسرح، وأصبحت اليوم، علمـا من علوم تنظيم الخشبة والفضاء المسرحي، ولا تقوم فقط بتأثيثهما؛ مثلما أصبحت بديلا لمصطلح الديكور الذي يشير في شكله ومضمونه إلى التزييـن والبهرجة؛ لاسيما أنها، أي السينوغرافيا، لم تعد تهتم بالجانب التزييني من الديكور، وإنما بتطوير الأدوات المسرحية بكليتها. وقد أخذت هذه الكلمة أو هذا المصطلح، منذ عدة سنوات، في عالم المسرح الغربي، معاني ووظائف أخرى؛ على سبيل المثال، في رسم الحدود الرمزية بين الحقيقة والخيال وعلاقة الممثلين بالجمهور، والكشف عن ما هو مرئي وغير مرئي في منعطفات النص والعرض في آن واحد، ودفع الجمهور إلى عكس رؤية متخيلة في وعلى الفضاء الحقيقي للتمثيل، وإلى آخره من المهمات التي تعمل على تفجير النظام الكلاسيكي للخشبة، من خلال تجديد علاقتها بفضاءات المسرح المتعددة.
وليس من باب الصدفة أن يرتبط التطور السينوغرافي بالتطور الدراماتورجي، و(قد اعتبرا ثورة مستقلة في الجمالية المسرحية، وتحولا في عمق فهم النص وعرضه على الخشبة)، مثلما يؤكد ذلك باتريس بافيس في قاموسه المسرحي، ولهذا فهما يرتبطان اليوم ارتبـاطا وثيقا في جميع التجارب المسرحية الحديثة. لا سيما أن الغرض منهمـا اليوم بات تنظيم المكان اللازم، وتفضي إلى تقديم الحدث من خلال إمكانية تشكيل المكان والزمان، وبقدر ما أن هذين العنصرين يكونان السينوغرافيا، بقدر ما يكون لهذه الأخيرة علاقة وطيدة بالنص، وتفهم على أساس أنها مشروع دراماتيكي. وليس هناك سينوغرافيا ممكن تصورها من دون دراماتورجية، وهذا أساس أي سينوغرافيا. وبالعكس، لا يمكن أن تكون هناك دراماورجية فعالة، من دون سينوغرافيا. 
ويتم في العادة، تطوير السينوغرافيا من خلال التعاون الوثيق مع المخرج. ولهذا يعتبر السينوغراف اليوم، في الكثير من الأحيان، هو الطرف الأول بالنسبة للمخرج، خاصة عندما يقوم هذا الأخير برسم الخطوط العريضة لعرضه. ولهذا لم يعد يعتبر السينوغراف اليوم، مجرد منفذ، وإنما هو مؤلف وفنان، في آن واحد. هذا بالإضافة إلى مصطلحات أخرى، مثل: الكوريغرافيا الغروتسك، البوفن والفودفيل والبوليفار، وإلى أخره. 
ولقد حاول بعض الباحثين من النقاد أن يركبوا أو بالأحرى يطبقوا أو يسقطوا مصطلح الدراماتورج والتحليل الدراماتورجي على طرق مسرحية مختلفة، بخلطهم بين المفهوم الكلاسيكي والحديث للدراماتورج، وبتقريبهم على سبيل المثال، بين مفهوم الإعداد المسرحي وعمل الدراماتورج المعد. ونعتقد أن على الرغم من هذه القرابة الممكنة لنوع من أنواع الدراماتورجية، فإنها تبقى تسمية غير دقيقة، وذلك لأن الإعداد المسرحي كما هو مفهوم في المسرح العربي، يشير إلى عملية تدريم العمل الروائي أو القصصي أو الحدث السياسي، وإلى أخره؛ حيث ينتهي عمل المعد بمجرد ما يسلم هذا الأخير النص إلى المخرج وفريق العمل. إن هذا العمل، في رأينا، يشبه إلى حد كبير عمل المؤلف. في حين أن الإعداد الدراماتورجي، لا يتوقف عند هذه الحدود الضيقة، ويذهب بعيدا في مساهمته بشكل مباشر وغير مباشر، في عملية تفسير وشرح المفاهيم الجمالية والسياسية والاجتماعية والتاريخية للعمل، ويقوم بمناقشتها مع فريق العمل، سواء أثناء عمل الطاولة، والبروفات المسرحية. أي أن الدراماتورج، يقوم بعملية الاستشارة الأدبية الدائمة، والسهر على كيفية إلقاء بعض المقاطع المسرحية ودلالاتها النحوية، وفقا للتفسير الإيديولوجي للنص وعلاقته بمتلقي الوقت الحاضر. وهذا بحد ذاته، ما يتجاوز عملية الإعداد المسرحي كما هو مفهوم عربيا. إذن، إن الإعداد المسرحي والإعداد الذي يقوم به الدراماتورج المعد، يكادان يكونان مختلفيـن كثيرا في شكلهما ومضمونهما، لأن هذا الأخير يخضع لتقاليد مسرحية تجعله مشاركا وفعالا في جميع مراحل العملية المسرحية من بدايتها حتى نهايتها، في حين أن الأول تنتهي مهمته عند تسليم النص. وإن حدث وإن وجدت بعض الاستثناءات، فتظل نادرة ولم يؤسس لها منهجا معينا يسير عليه المسرح في الوطن العربي. 
هذا بالإضافة إلى أننا إذا اعتبرنا العمل النقدي الذي يقوم به الناقد المسرحي بعد مشاهدته العرض نوعا من البحث والتحليل الدراماتورجي، فإننا بلا شك نقوم بتحريف هذه الوظيفة النقدية، ونجعلها تأخذ منحىً آخر، ليس له علاقة لا من بعيد أو قريب بالبحث الدراماتورجي، مثلما يفهم غربيا، إذ أنه يلقي الضوء على عملية مرور الكتابة الدراماتيكية إلى الكتابة المسرحية، لاسيما وأنه (يوجد هناك تحليل دراماتورجي قبل الإخراج يقوم به كل من الدراماتورج والمخرج، وبعد العرض، عندما يقوم المتفرجون بتحليل الخيارات الإخراجية)، بموجب بافيس. وهذا يعني أننا في المسرح العربي، لم نؤسس أسلوبا مسرحيا خالصا. 
وطالما لا توجد لدينا أساليب مسرحية خالصة، لا يوجد مسرح عربي خالص. ولهذا يبقى المسرح في الوطن العربي هجينا، على الرغم من محاولة تقديمه ومعالجته للعديد من المواضيع العربية، وبحثه المستمر عن القوالب الفرجوية في الحكايات والسير الشعبية، والملاحم والأساطير؛ ولكن الشكل والتقنيات والنظريات والاصطلاحات والممارسات التي تخص الممثل، والإخراج والسينوغرافيا وحتى النقد وإلى أخره، تبقى في مجملها تقريبا، تقاليد غربية وإن توفرت بمسرحنا في الوقت الحاضر. 
علينا أن نعترف بأن للغرب تقاليده وتربيته المسرحية التي نشأ عليها المسرح وجمهوره على حد سواء؛ أما نحن، وعلى الرغم من امتلاكنا للظاهرة المسرحية، وتبنينا لها وبلورتها في مجتمعاتنا، ظلت الظاهرة نفسها بلا تقاليد مؤسسة رصينة، على الرغم من امتلاء المكتبة العربية بأعداد لا تحصى من النصوص المسرحية العربية. ولهذا السبب ظلت المصطلحات، في اعتقادنا، والتقاليد، وبعض المفاهيم المسرحية عائمة في حياتنا المسرحية، ولا ترتكز على ركائز قوية يمكن الاعتماد عليها. وعندما نستخدم هذا المصطلح أو ذاك، لا نستخدمه في المكان والوقت المناسب والملائم، وينصب جل اهتمامنا على ركوب الموضة، لكي نثبت للآخرين بأننا نفهم أيضا، لاسيما أن العبرة ليس في قتل الحسين، وإنما فيمن قتلوه، والعبرة ليست في ادعاء معرفة هذا المصطلح أو المفهوم أو ذاك، وإنما في فهمه وتطبيقه وفقا للتقاليد المعروفة والصحيحة. بلا شك، أن هناك تجارب مسرحية عربية استثنائية، حاولت أن تمارس نوعـا من الدراماتورجية، وفقا للتقاليد الصحيحة، وخاصة تلك التي تتعلق بالمخرج الدراماتورج، ونذكر من ضمنها، على سبيل المثال، وليس الحصر، تجارب «فاضل الجعايبي وجليله بكار»، و»قاسم محمد» في عروضه التي أخذت أشكالا وبحوثا مسرحية مختلفة على مستوى الكتابة والإعداد، والتوليف المسرحي، والاستلهام، سواء من التاريخ العربي القديم أو الأحداث اليومية والسياسية المعاصرة، و»صلاح القصب» في تأويله لبعض النصوص الشكسبيرية، والنصوص المحلية العراقية، التي تجاوز فيها النص الأدبي كمتن أدبي، وذهب بها نحو الصورة الشعرية وتفجيرها في العديد من العروض. وهو بهذا ينتمي الى شعراء الخشبة الذين ينطلقون في عملهم من الركح نفسه، وتجارب «جواد الأسدي» المسرحية التي تنوعت وتأرجحت بين التأليف المسرحي والإعداد، والاعتماد الكلي على الإخراج وفن الممثل بالدرجة الأولى والأخيرة، وكذلك تجارب المخرج العراقي «إبراهيم جلال» في تعامله مع المؤلف العراقي «عادل كاظم»، الذي كان يرافق العمل المسرحي بشكل يومي، بل حاول المخرج «إبراهيم جلال»، في الكثير من الأحيان، استكتاب مؤلفه بطريقة اقرب فيها إلى مفهوم الدراماتورج في الوقت الحاضر؛ ولهذا جاءت عروضه متميزة ومدروسة ومبنية على أسس مسرحية رصينة، استطاعت أن تؤثر في أجيال كثيرة من المسرحيين العراقيين والعرب؛ هذا بالإضافة إلى كونه أول من دشن واشتغل على المسرح البريشتي في المسرح العراقي، وذلك بإخراجه لمسرحية «بونتيلا وتابعه ماتي» لبريشت. وقد كلف بإعدادها وتعريقها الشاعر العراقي «صادق الصائغ»، وحملت عنوان «البيك والسائق»، التي ضمنها هذ الأخير، اللهجة البغدادية كونها الأكثر قربا للفهم من جميع اللهجات العراقية الأخرى. وبلا شك هنالك تجارب مسرحية عربية أخرى لم تسنح لنا الفرصة لمشاهدتها وإنما القراءة عنها، وهذا لا يكفي بحد ذاته للحديث عنها والتطرق إلى إنجازاتها.

محمد سيف


http://www.alquds.co.uk/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *