«توفيق الحكيم».. المسرح الذهني الذي أعاد الحياة لأهل الكهف

 


مزج بين الرمزية والواقعية علي نحو فريد يتميز بالخيال والعمق دون تعقيد أو غموض، وأصبح هذا الاتجاه هو الذي يكون مسرحياته، أنه الأديب الكبير توفيق الحكيم الذي تمر اليوم الذكرى الـ27 لرحيله. ولد «الحكيم» 9 أكتوبر 1898 في الإسكندرية، إذ يعد من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث، كانت للطريقة التي استقبل بها الشارع الأدبي العربي نتاجاته الفنية بين اعتباره نجاحًا عظيمًا تارة وإخفاقًا كبيرا تارة أخرى الأثر الأعظم على تبلور خصوصية تأثير أدب توفيق الحكيم وفكره على أجيال متعاقبة من الأدباء.

كانت مسرحيته المشهورة «أهل الكهف» في عام 1933 حدثًا هامًا في الدراما العربية، فقد كانت تلك المسرحية بداية لنشوء تيار مسرحي عرف بـ«المسرح الذهني»، بالرغم من الإنتاج الغزير لتوفيق الحكيم فإنه لم يكتب إلا عدداً قليلاً من المسرحيات التي يمكن تمثيلها على خشبة المسرح فمعظم مسرحياته من النوع الذي كُتب ليُقرأ فيكتشف القارئ من خلاله عالماً من الدلائل والرموز التي يمكن إسقاطها على الواقع في سهولة لتسهم في تقديم رؤية نقدية للحياة والمجتمع تتسم بقدر كبير من العمق والوعي.

سُمي تياره المسرحي بالمسرح الذهني لصعوبة تجسيدها في عمل مسرحي، وكان توفيق الحكيم يدرك ذلك جيدًا؛ حيث قال في إحدى اللقاءات الصحفية: إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن وأجعل الممثلين أفكارًا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة.

كان «الحكيم» أول مؤلف استلهم في أعماله المسرحية موضوعات مستمدة من التراث المصري وقد استلهم هذا التراث عبر عصوره المختلفة، سواء أكانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية لكن بعض النقاد اتهموه بأن له ما وصفوه بميول فرعونية وخاصة بعد روايته عودة الروح، أرسله والده إلى فرنسا ليبتعد عن المسرح ويتفرغ لدراسة القانون ولكنه وخلال إقامته في باريس لمدة 3 سنوات اطلع على فنون المسرح الذي كان شُغله الشاغل واكتشف الحكيم حقيقة أن الثقافة المسرحية الأوروبية بأكملها أسست على أصول المسرح اليوناني فقام بدراسة المسرح اليوناني القديم كما اطلع على الأساطير والملاحم اليونانية العظيمة.

عندما قرأ «الحكيم» إن بعض لاعبي كرة القدم دون العشرين يقبضون ملايين الجنيهات قال عبارته المشهورة: انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم لقد أخذ هذا اللاعب في سنة واحدة ما لم يأخذه كل أدباء مصر من أيام اخناتون.

عاصر الحربين العالميتين 1914 – 1939، وعاصر عمالقة الأدب في تلك الفترة مثل مصطفى صادق الرافعي وطه حسين والعقاد وأحمد أمين وسلامة موسى. وعمالقة الشعر مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وعمالقة الموسيقى مثل: سيد درويش وزكريا أحمد والقصبجى، وعمالقة المسرح المصري مثل جورج أبيض ويوسف وهبى والريحاني. كما عاصر فترة انحطاط الثقافة المصرية (حسب رأيه) في الفترة الممتدة بين الحرب العالمية الثانية وقيام ثورة يوليو 1939 – 1952. هذه المرحلة التي وصفها في مقال له بصحيفة أخبار اليوم بالعصر «الشكوكي»، وذلك نسبة محمود شكوكو.

اشتهر توفيق الحكيم على مدى تاريخه الطويل بالعديد من المعارك الفكرية التي خاضها أمام ذوي الاتجاهات الفكرية المخالفة له؛ فقد خاض معركة في أربعينيات القرن العشرين مع الشيخ المراغي شيخ الأزهر آنذاك، ومع مصطفى النحاس زعيم الوفد، وفي سبعينيات القرن العشرين خاض معركة مع اليسار المصري بعد صدور كتاب “عودة الوعي”، وكانت آخر معارك الحكيم الفكرية وأخطرها حول الدين عندما نشر توفيق الحكيم على مدى أربعة أسابيع ابتداء من 1 مارس 1983 سلسلة من المقالات بجريدة الأهرام بعنوان “حديث مع وإلى الله”.

استمر أيضًا الحكيم في معاركة مع السلطة، ففي فبراير 1972 كتب بيده بيان المثقفين المؤيدين لحركة الطلاب، ووقّعه معه وقتذاك نجيب محفوظ، وساءت بعدها علاقة الحكيم مع محمد أنور السادات؛ حيث قال «السادات» وقتذاك «رجل عجوز استبد به الخرف، يكتب بقلم يقطر بالحقد الأسود، إنها محنة أن رجل رفعته مصر لمكانته الأدبية إلى مستوى القمة ينحدر إلى الحضيض في أواخر عمره»، حاول بعدها محمد حسنين هيكل جمع «الحكيم» مع «السادات» ونجح بذلك بعد حريق مبنى الأوبرا.

فتوفيق الحكيم قامة أدبية كبيرة، قدم الكثير للرواية والفكر العربي حتى رحل عن عالمنا في 26 يوليو 1987.

 

http://elbadil.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.