«ماك.. بث مباشر».. تجربة مسرحية ذكية تفضح سموم الإعلام القاتلة

 

 

 

كما أن للإعلام دوراً كبيرًا في تشكيل الوعي لدى الجماهير فإن سموم الإعلام تسرى سريعا في جسد أي مجتمع كمخدر سحري ينجح ببراعة في غسل العقول وتشكيل الوعي بل وتزييفه في أحيان كثيرة وفقا لهوى السلطة الحاكمة، وعلى فترات متلاحقة تتلون الآلة الإعلامية مع تغير الحاكم لتغيب الحقائق ويختلط الصواب بالخطأ ويصير الخير توأم الشر.

 

زاوية جديدة راودت خيال المخرج الشاب أحمد فؤاد، وشغلت أحد أبناء الدفعة الثالثة إخراج في مركز الإبداع الفني عندما قرأ نص «ماكبث» الشكسبيري بذهن منفصل تماما عما يدور بداخله من أحداث معروفة وخضعت لمعالجات درامية ورؤى مسرحية مستهلكة، ليقرر بعد القراءة المستفيضة أن يصنع نصا من قماشة أخرى يكتفي بما جاء في النص الأصلي من معلومات وترتيب وقائع ويكوِن بهذه المعطيات عرضا خاصا موازيا للحدث الرئيسي المتمثل في استيلاء قائد الجيش «ماكبث» وزوجته على كرسي الحكم بالخيانة والتآمر وتداعيات الجريمة الكبرى في تسلسل شكسبير الطبيعي المتعارف عليه.

ومع بدء العرض وحتى تحية الجمهور، والمخرج يسير بخطى ثابتة وواثقة بعرضه الموازي الأكثر أهمية نحو شاطئ الأمان من حيث وضوح الرؤية وسلاسة الانتقال من مشهد لآخر لخدمة الفكرة التي تدور حول دور الرسائل الإعلامية والأخبار المتضاربة في قتل الحقيقة وطمسها وتغييب الوعي وصولا إلى تسميم الأجواء السياسية وضرب استقرار الدول في مقتل.

ذكاء هذا الخط الدرامي الجرئ يقتضى خصوبة في الإخراج والتنفيذ على مستوى الخيال وترجمة الفكرة إلى لوحة بصرية تنطق مفرداتها بما تعجز عن البوح به منظومة الإعلام بكل أسلحتها وترسانتها، ومن هنا تفوق المخرج مع مجموعة الممثلين المبشرين في رسم البسمة وانتزاع الآهات لسخرية الطرح وظهور شخصيات كارتونية مهرجة على خشبة المسرح أطلقت العنان لارتجالاتها المتدفقة والتي خضعت لتنظيم دقيق وواع من المخرج لتخرج على هيئتها النهائية المتماسكة.

وحفاظا على المضمون الحقيقي لقصة شكسبير، ظهر صراع «ماكبث والليدى »مع دماء وأشباح جريمتهما فى ثوب كلاسيكي بحت أراد به مخرجنا المتميز أن يضفى ثقلا إنسانيا وفلسفيا على العرض لكيلا ينساق المتفرج تلقائيا وراء نشوة الكوميديا المتولدة من الصور الإعلامية التي تصدرت الرؤية الجديدة، وبالفعل تحقق الهدف نسبيا رغم تورط العرض عند مواطن معينة في تصورات تقليدية لمشاهد القتل والندم والانهيار النفسي للشخصيتين المحوريتين، فلم يقدم المخرج جديدا – على مستوى الإضاءة والموسيقى المصاحبة وأداء الممثلين – لنرى طرحا مختلفا ومغايرا لعقدة ومأساة النص الجوهرية، وتجلى بوضوح اعتماد المعالجة شكلا وموضوعا على كفة “سموم الإعلام” وتغليفها بإسقاطات سياسية على مصر الجديدة وما طرأ عليه من تطورات وتغيرات رغبة من المخرج فى ألا تولد تجربته “مغتربة” عن واقعنا بكل تفاصيله ومفارقاته.

وإذا كانت التحية واجبة للمخرج على نضج الرؤية، فالقبعة المرفوعة يجب أن تكون من نصيب الطاقات التمثيلية التي استوعبت الفكرة وهضمت المطلوب وترجمت النص الموازى إلى أفعال ومواقف تشخيصية أشارت بأصابعها إلى مواهب تملك القدرة على الإضحاك وإثارة البهجة الذين هما هدف أي عملية مسرحية قبل كل شئ .. فظهر رفيق القاضي ممثلا واعدا يدرك طريق كوميديا الموقف، و لبيب عزت مشروعا قويا لفنان يجيد استغلال إمكانياته الشكلية والتعبيرية، وسارة مجدي، وأماني مراد نموذجين نسائيين ينتظرهما مستقبل مشرق في عالم الكوميديا واختراق قلوب الصغار قبل الكبار .. ورغم قلة مساحة محمد مجدي (كامبا) وكريم شهدي إلا أنهما تركا بصمة جميلة بخفة ظلهما والتزامهما بمتطلبات دوريهما باحترام واحترافية .. وكشف العمل وجودا ملفتا لمحمد غيث الذي تميز في ماكبث بلغته المتوازنة وتفهمه الجيد لتكوين الشخصية وألمها الداخلي، غير أن الطابع الكلاسيكي فرض عليه بطبيعة الحال تعبيرات وحركات معتادة لم يستطع أن يتمرد عليها وكانت تحتاج إلى توجيه وتدخل من المخرج .. وينطبق الشئ نفسه على سارة عادل فى «ليدى ماكبث» رغم اجتهادها وإخلاصها في أن تظهر مختلفة في دور رضعت منه ممثلات من مختلف الأعمار، وسار تجسيده على نغمة واحدة تفتقد إلى التجديد والابتكار.

وحمل العرض إلينا نديم هشام فى دور «بانكو» وجها صاعدا من المتوقع أن يلتفت إليه المخرجون في تجارب أخرى ويوظفون إمكانياته لما يتمتع به من بساطة وصدق في الأداء.

كانت بالفعل وجبة مسرحية ساخرة مشبعة دراميا، وإن غاب عنها افتقار الديكور إلى لمسات جمالية على مستوى السينوغرافيا، حيث فضل المخرج ازدحام الفضاء بـ«فومات» الشاشة الصغيرة في دلالة على ما نعيشه من فوضى إعلامية تنعكس على الفكر والسلوك، ولكن التفكير في استغلال أفضل وأكبر للقطع والإكسسوارات كان من شأنه أن يثرى التجربة، ولا تمنع هذه الملاحظات من تحية المخرج الكبير عصام السيد والنشيط خالد جلال على الابن البار أحمد فؤاد، وكتيبته فى ثالث إبداعات المركز .

شريف سمير

http://www.almasryalyoum.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.