«وعد الفجر»… «مسرح مونو» تحت أقدام الأمّهات

 

 

 

على خشبة «مسرح مونو»، كانت هناك أمهات كثيرات خرجن من ذاكرة كلّ من تربّع على المقاعد لمدة ساعتين لمشاهدة عرض «وعد الفجر» واقتسمن مساحات الممثل والمخرج برونو ابراهام كريمير.


امتلأ فضاء المسرح بالحب… الحب الخانق الذي قد يخفف حسُّ الفكاهة أحياناً من وطأته. إنه عرضٌ مونودرامي لممثل نجح في نقل سراديب حياةٍ مقتبسة عن السيرة الذاتية للروائي والدبلوماسي رومان غاري الذي نال جائزة «غونكور» مرتين: المرة الأولى عام ١٩٥٦ عن روايته «جذور السماء»، والمرة الثانية عام ١٩٧٥ عن «الحياة أمامك» التي كتبها باسمه المستعار إميل آجار.

أتقن رومان غاري (1914 ــ 1980) استعارة الأسماء تماماً كما أتقن الممثل تجسيد شخصيات كثيرة، وكان حب الأم وظرافتها هما الحاضران البارزان في كل لحظة من لحظات العرض. وإذا كان الممثل والمخرجة كورين جوريسكو (شاركت كريمير في الإخراج)، قد استحضرا هذه الشخصية من حياة رومان، فذلك من أجل هدف واحد: إبراز أثر تلك المرأة في كل موقف من المواقف التي تعرّض لها رومان غاري وعلى ما آلت اليه حياته.
تلك المرأة المطلقة، البسيطة، المضحكة والمثابرة في آن جعلت ابنها محور حياتها الوحيد. كانت تنظر اليه وتصرّ على أنّه «سوف يصبح شخصية مهمّة» في حين كان يخفق في الرياضيات. هي التي أرادت له منذ صغره أن يكون دبلوماسياً وكاتباً في آونة واحدة، فـ«فكتور هوغو كان رئيساً للجمهورية» كما كانت تقول. لقد أصرّت على ذلك طوال حياتها، هي التي اقترحت أن يغير اسمه، فاسم «رومان كاسوي» الليتواني (اسم رومان غاري الأصلي) لا يبدو أدبياً أو فنياً بما فيه الكفاية.

مونودراما مقتبسة عن سيرة الروائي والدبلوماسي رومان غاريكانت تتنقل بين أصدقائها وتفتخر أن ابنها هو سفير فرنسا أو سوف يصبح كذلك. كل ذلك قبل أن يبلغ رومان سن الثالث عشرة وقبل حتى أن تطأ قدم الصبي عتبة فرنسا. الصبي تآكله حب الوالدة، ففعل المستحيل منذ صغره لإرضائها: جرب الرسم والرقص ليصبح شخصية مهمة، لكنه فشل قبل أن ينتقل الى كتابة الشعر في سن مبكرة. قطع على نفسه وعداً أن يعوّض على والدته كل ما عانته تلك المرأة الروسية الأصول التي عانت ما عانته من أجل اعالة ابنها التي كانت تأكل في السرّ بقايا قطعة اللحمة التي يتركها ولدها وتدّعي أمامه أنها لا تحب اللحمة (البيفتيك).
كان العرض وفياً لسيرة المؤلف ولتتويج شخصية الأم الطريفة والاستثنائية معاً. لكن رغم طرافتهما، إلا أنّ حبها ومواقفها كان لهما أثر ناقص: أمام سيرة غنية بالمواقف والأحداث المشبعة بشخصية فذة ومتفانية هي والدة رومان، وأمام ممثل حكواتي محترف ويقدّم له الاحترام لحضوره المسرحي، بدت المعالجة الإخراجية أدنى شأناً رغم بداية العرض الموفقة، إذ نكون أمام مشهد يخلو من وجود الممثل وأجواء إضائية صوتية ذات جمالية توحي بأمواج البحر والطيران في السماء في آونة واحدة وتحيلنا على الفصل الأول من سيرة رومان في الكتاب حيث يتمدد الكاتب الذي كان طياراً في الحربية حينها على شاطئ البحر ويصف والدته. يلي ذلك المشهد تسجيل صوتي للوالدة ثم يدخل الممثل ليقف تارةً على ناصية صغيرة دائرية، وطوراً يعتلي المكعبات المتعددة العلو، ويتلو حكايا الشخصيات. جلّي أن المخرجة والممثل أرادا أن يضعا السيرة وحكايا والدة رومان ورومان في المقام الأول، وهذا طبعاً أمر مشروع لكل منهما. لكن حين تكون المواقف وأحداث العرض متشابهة في توظيفها الدرامي، لا بدّ من البحث عن حلول اخراجية قد تقي المشاهد من رتابة محتملة. نجح الثنائي (المخرجة والممثل/ المخرج) أحياناً في تجنيبنا لحظات الرتابة وأوشكا على الإخفاق في لحظات أخرى، خصوصاً مع وجود نمطين من المشهدية في العرض من دون استحداث رابط بينهما: من ناحية، هناك مشهدية مسرحية كلاسيكية مع اضاءة مسطحّة المنحى وهي طاغية في العرض. من جهة أخرى، هناك مشهدية ثانية تعتمد على تركيب متقن وعصري في الإضاءة ذي بعدٍ سميولوجي، وغالباً ما يكون مصحوباً بتسجيلات صوتية متواضعة النوعية. النوع الثاني من المشهدية بدا متشظياً في ثنايا العرض كما لو أنه أسقط اسقاطاً من دون السعي الى توظيفه ليتناغم مع النمط المشهدي الأول. لا شك في أنّ العرض كان مفعماً بلحظات من الحب التي تجمع ابناً بوالدته أو العكس. رغم ذلك خنقتنا الإطالات نحن المشاهدين. لكن مينا (والدة رومان غاري) كانت حاضرة بعصاها لتنقذ الموقف وتنعش المشاهد من جديد.

 

«وعد الفجر»: 20:30 مساء اليوم ـــ «مسرح مونو» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/202422

 

http://www.al-akhbar.com/

 

منى مرعي

 

 

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.