مسرح – ” بيت برناردا ألبا” على مسرح “البوف دو نور” الباريسي الأم وبناتها الخمس في إخراج فرنسي لعزلاتهن الجارحة

 

تبدأ المسرحية بقداس مهيب في كنيسة جاء اليها الناس من كل صوب، لحضور جنازة زوج برناردا ألبا، المرأة القوية التي تعود إلى البيت بعد أن تنتهي مراسم دفن زوجها، محاطة ببناتها، لتقول لهن: الحداد لدينا ثماني سنوات، ينبغي الا يدخل خلالها من أبواب هذا المنزل ونوافذه حتى هواء الطريق.

هذه الجملة هي المصباح الذي سيضيء عتمة ليل الشخصيات ودهاليزها الخفية، ولا سيما أن ماريا خوسيفا الثمانينية، أم برناردا ألبا، تحلم بالهروب والزواج من فتى جميل يأتي من ساحل البحر. هناك أيضا الخادمة لابونثيا، 60 عاماً، وخادمة أخرى 50 عاماً، وبنات برناردا ألبا الخمس: اوغستيا 39 عاماً، مجدالينا 30 عاماً، أميليا 27 عاماً، مارتيريو 24 عاماً، واديلا 20 عاماً. أجراس الكنيسة، صراخ الطيور الجارحة، صخب الفلاحين القادمين للتو من الحقول: هذا هو صوت الشارع الذي يخترق حياتهن من خلال مصاريع خشبية.
عائلة من نساء محرومات من حريتهن، معزولات ومنعزلات خلف قضبان نوافذهن، لا يتمتعن بأي حق من حقوقهن. الطاغية التي تحكمهن، امرأة أخرى مثلهن: والدتهن، القاسية، التي تهيمن على البيت، ومن فيه بقبضة من حديد، محولة حياة بناتها إلى جحيم. ليس هناك مكان للمرح والضحك والفرح. كل شيء يجب أن يحكم غلقه: الابواب، الشبابيك، وحتى الستائر يجب أن تسدل، ولا مجال لتسرب الضوء إلى المنزل. فالحزن الذي تعيشه هذه الأرملة يجب أن تعيشه بناتها أيضا، اللواتي تجاوزت أصغرهن سن المراهقة وبات العمر يجذفهن نحو ضفة العنوسة. هناك استثناء للقاعدة، يتجسد في شخصية صغرى البنات أديلا، التي تفوز بقلب الشاب بيبي الغجري، الشخصية الذكورية الوحيدة الذي تحوم حول شبحه جميع البنات، خطيب كبرى البنات أوغستيا. من الطبيعي أن يكون محط أنظار الجميع، نتيجة للحرمان الذي تعاني منه البنات المحبوسات في قفص برناردا ألبا الجحيمي، لكن أديلا هي التي تفوز به في النهاية، وتطارحه الغرام خفية في إسطبل البيت، فتصبح حاملا، ويكبر بطنها، ويكبر اللغط والهمس الانثوي، وتبدأ الشكوك، ولكن لا احد يستطيع أن يعرف بالضبط، من الشخص الذي تحمل اختهن الصغيرة منه. في البداية يكون بيبي الغجري بعيدا عن الشبهات، لكن مارتيريو التي تعشقه بالسر، وتغار من عدم اهتمامه بها، تكشف امرهما، وهنا تتم المجابهة والتحدي. لكن أديلا لا تخفي حبها، بل على العكس، تصرخ بأعلى صوتها الذي يصل إلى اسماع برناردا ألبا، التي تثور بدورها، فتطلق النار على بيبي، لكنها لا تصيبه. في هذه الاثناء، وتجنبا لثورة برناردا ألبا، تدخل أديلا غرفتها لتشنق نفسها وتضع حدا لجحيم حياتها. أمام هذا الموقف المأسوي الحزين الذي يحرك مشاعر اعتى الصخور صلابة، تعلن ألبا بكل فخر وغطرسة، أمام أهل القرية، أن ابنتها ماتت عذراء تحتفظ ببكارتها، وهكذا تستمر دوامة الحياة الكئيبة في بيت برناردا البا، مثلما كانت من قبل.
المعالجة التي اعتمدتها المخرجة كارول روانغ، والمترجمة والدراماتورج، مالي مولر، تكاد أن تكون محايدة، وواضحة بشكل كاف؛ الغرض منها، اقامة علاقات ودية، وقراءات حميمية شخصية، وقيادة الممثلين، وتنشيط حالاتهم الشعورية، وتشجيعهم على التفكير. ترتبط دراما المسرحية في صورة ريفية مصغرة، وتقترح صورا نسائية حصرا، ومن ناحية أخرى يقدّم القيد الأسري بطريقة رمزية، عالما عقيما، وغير إنساني على نحو متزايد، حيث تتواجه فيه استراتيجيات البقاء المختلفة، مع حكم، وفكر ايديولوجي سلطوي يتمثل بالأم المستبدة. في المسرحية شخصيات استثنائية، مرة محببة، وأخرى مثيرة للقلق؛ كائنات بشرية محاصرة في حياتها من الحياة نفسها. فبنات برناردا ألبا يشاهدن شبابهن يذوي أمام أنظارهن، من خلال ستائر شبابيكهن المنسدلة. كل شيء محظور ومكبوت، باستثناء ممارسة الخياطة والتطريز. ليس هناك ثغرة واحدة، ولا أمل في منظور هؤلاء الفتيات المحبوسات، اللواتي يجب عليهن الانصياع للقوانين الدينية والاخلاقية الصارمة، باستثناء اوغستيا، الابنة من الزوج السابق، الذي ترك لها ابوها أموالا كثيرة، وهذا ما يجعل أنظار الرجال تتهافت عليها. ارادت المخرجة، أن تشير إلى هذه الفوارق، سواء تلك التي تتعلق بالأعمار، أو بالمستوى الاجتماعي والمادي، وأن تؤكد التحركات الوجودية لطبيعة الشخصيات الحقيقية، التي لا تعرف حقا من هي، وماذا تريد، أو التي لا تتجرأ على تحمل تبعات رغباتها الدفينة.
من خلال شعرية النص، نسمع الأنين والصراخ اليائس لنساء حبيسات الظروف الاجتماعية، والتقاليد التي تخفي وجوههن الحقيقية، وضحك الآخرين الاصفر، والمرض والغيرة، وعدم القدرة على تحمل المسؤولية التي تحتاج إليها حريتهن، التي يتهربن منها بجبن. هناك أديلا المتمردة التي ترفض الأخلاق المزدوجة، وتؤكد رغباتها واختلافها، وحاجتها إلى الحرية. في المقابل هناك مارتيريو، الغيورة والمحبطة. إننا أمام نساء رهينات بين عالمين، عالم قديم يحميهن، لكنه يطالبهن بالتضحيات المؤلمة، واحتمال عالم جديد كثير الوعود، لكنه مجهول غير معروف، ولا يشجعهن على اتخاذ القرار. فهن لا ينسقن وراء امهن، ولا وراء تمرد اختهن الصغيرة أديلا. التردد يصنع منهن شخصيات رمزية في دراما تتحدث عن جيل، أغلبه قد ترك نفسه منقادا وراء الطغاة. مارتيريو ذات شخصية عاجزة وجبانة وسلبية، حتى وإن كان سلوكها قانونيا، لا يشير إلى ذنب من الذنوب. هناك ماجدولينا، ذات الطبيعة السافلة، المتعددة الوجوه والجوانب، التي تميل إلى الهرب نحو الحنين. أولغا، شخصية جديدة على عوالم المسرحية، عاملة البيت البولونية الأصل، التي تعاملها الأم مثل خادمة، في حين ان بناتها الأربع يعاملنها مثل أختهن الصغيرة المتبناة. وأخيرا، هناك أوغستيا، التي تستوعب جيدا قواعد اللعبة. انتهازية تتكيف سريعا مع ما تفرضه امها من حصار على مخلوقات البيت جميعا.
نعتقد ان مسرحية “بيت برناردا ألبا”، ليست دراما ريفية فحسب، وإنما دراما رمزية، أو قصة رمزية، حيث جعل لوركا، بدراية فريدة من نوعها، من الهدير المهدد للعالم الخارجي، يرن بقوة، ويكون له صدى مدوٍّ، من خلال الاصوات الذكورية، الغائبة جسديا عن خشبة المسرح، ولا يراها الجمهور، إلا مثل خيال، أو شبح يحوم حول الرغبات الظامئة لفتيات لا حول لهن ولا قوة، ومن خلال حرمان أم شابة تدعى أديلا، وأجراس الكنيسة التي تقرع بكل قوة. حاولت المخرجة كارول روانغ أن تضيء مناطق معتمة في المسرحية، وتمنحها المنطق الذي يجعلها مسموعة اليوم. هكذا انتجت عرضا ذا نوعية عالية، بحيث انه إذا كان هناك تفسير شخصي للمخرجة، فإنه ينتمي إلى التحليل المعقول ذي الصدقية. ولقد سلطت الضوء على الشخصيات، بتوجيهها أداء الممثلين بشكل مدروس، مما أظهر الفروق الدقيقة المختلفة التي تعيشها، بحيث جعلتنا نشعر، نحن المتفرجين، بالاختناق الذي تعاني منه الشخصيات، والرغبة المكبوتة، وكذلك المسيرة البطيئة نحو نهايتهن المحتمة.

 

محمد سيف

http://newspaper.annahar.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.