“البورجوازي الشريف” لموليير على مسرح جان بيا في كفرسما فاليري فنسان شيّدت مسرحاً للأولاد فتفوّقوا إلقاءً وتعبيراً

 

 

 

كفرسما، القرية الإنجيلية التي ولدت من كتاب للأب منصور لبكي على علو أمتار من دير القديس شربل، خصصت للفن والثقافة مكانا محاذيا لأماكن العبادة واستراحة المعوزين إلى التأمل والصلاة. التمثال النصفي لرجل المسرح جان بيا يستقبل الوافدين إلى مسرح يحمل إسمه وعلى منصته جاء مدشناً مسرحاً في الهواء الطلق، في قلب الصخور والأشجار البرية، ليتحف جمهورا اشتاقه منذ مهرجانات بعلبك بفنه الأصيل. كان ذلك منذ سنوات لكن صوته في هذه الليلة المقمرة، والمسرح جاهز لمسرحية “البورجوازي النبيل” لموليير بأداء مواهب مسرحية مبرعمة من نتاج مدرسة “لغة وتعبير” الفرنكوفونية لمؤسستها فاليري فنسان، انطلق في سماء كفرسما كما عشقناه، ساحرا، يوزّع رقيات على الجموع. لقد شاء أن يكون حاضرا بهذه الكلمة التي أرسلها عبر الأثير: “كان الجو رائعا في بعلبك في ذلك الصيف من العام 1964. الكوميدي فرانسيز جاءت بدعوة من مهرجانات بعلبك الدولية وقدمت “البورجوازي الشريف”. كانت لي مناسبة لاكتشاف لبنان، جماله وروحه… ومضت الأعوام إلى أن وجدت نفسي في مسرح قريب من القديس شربل يحمل إسمي، شاء به الأب منصور لبكي لقاء بين الثقافة والصلاة، والليلة ها أنا مع فاليري فنسان بالقلب، هي التي تبث مواهبها المسرحية وثقافتها في تلامذتها الصغار، ومن الزرع تنبت مواهب لدى هؤلاء وينمو عشق للدور الملقى على عاتقهم. الليلة ها هو موليير بعد نصف قرن ينطق بلغة فرنسية صافية من أفواه الصغار”.

غائبان عن هذه الأمسية ، الأب منصور لبكي وجان بيا، لكن جو كفرسما كان عابقا بهما، فكيف لا تسيل الدمعة في غياب الذي حفر بالمعول كنيسة وأقام من الصخر مسرحاً؟ وكيف لا نحن إلى تلك الليلة التي شاء جان بيا بشعلته التي لا تنوص أن يمد لنا بساطا سحريا بين بعلبك وكفرسما؟
هذه النسخة المقتبسة من “البورجوازي الشريف” أرادت بها فاليري فنسان إطارا احترافيا لممثلين أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة. محاصيل هذا العمل الدؤوب، النابع من فنّانة جعلت من المسرح قدرها، بارزة في ممثلين في سن البراعم أدهشونا ليس بإلقائهم السليم وحسب بل في إحياء الخشبة وفي استقرارها في لبنان، مدرسة تلقن الولد النطق الصحيح والتعبير.
فإذا فن الكوميديا يتطلّب، حسب موليير، دراماتورجيا تتحلى بالمنطق وحلاوة الروح والطرافة، فما قامت به هذه الضليعة بالمسرح الكلاسيكي والمعاصر هو تدريب إثني عشر فتى وفتاة على الصيغة المولييرية التي تثير فضول المشاهد منذ البداية وصولا إلى الحبكة التي بها تنجلي الأمور والتي باتت على مر الزمان شعار موليير: السيد جوردان المهووس بالترقي إلى مصاف النبلاء يقف عثرة أمام حب ابنته لشاب لم ير فيه الصهر الذي يوازيه قيمة.
جوليان زكنون، الولد المولود من عجينة المسرح، وجدت له فاليري فنسان هنري تيان توأما يجاريه موهبة وتألّقا، يقاسمه دور السيد جوردان في القسم الثاني من المسرحية. صبيان في دمهما الفتي بذور مسرح، لبسا الدور واحداً تلو الآخر بروح مولييرية وهما على بيّنة أن الشخصية الكاريكاتورية المولود منها هذا البورجوازي الطموح إلى العلى هي على عاتقهما في تحريك الوحدات المسرحية الثلاث، الحركة والزمان والمكان، فلا يعود العمل على سائر الممثلين سوى متابعة بعين ساخرة طبيعة السيد جوردان الهزلية. وفازا في الرهان.
الأدوار وزّعتها فاليري فنسان على الأكثر بروزا في موهبة التمثيل في مدرستها. فمن جوليان زكنون وهنري تيان إلى ألكسندرا كورديان في دور مدام جوردان وماريا عريسي لوسيل إبنة البورجوازي الشريف وساريا مجدلاني في دور نيكول خادمة جوردان وأمين عريسي في دور كليونت حبيب لوسيل وكارل لونغو في دور كوفيال وبيار ترك في دور الكونت المحتال دورانت وكلوي قطيط في دور المركيزة دوريمان، ومعلّم الرقص نديم مجدلاني ومعلّم الموسيقى ماتيو لونغو ومعلّم السيف صوفيا قطيط ومعلم الفلسفة كميل تيان، في ديكور واحد، سماء لبنان وصخور كفرسما واشجارها.
مسرح جان بيا استقبل في سحر هذا المكان فرقة مسرحية واعدة تفجّر ينابيعها الجوفية سيدة مسرح شاءت، من الملبس إلى المنطق، ومن المونولوغ إلى الحوارات المتبادلة بسرعة بديهية طريفة، أن تكون هذه المدرسة الرفيعة بمستواها اللغوي والتمثيلي طريقاً إلى احتراف فني واسع الأرجاء.

 

مي منسى

http://newspaper.annahar.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.