المسرح التاريخي الخليجي «إقامة جبرية» في المناسبات

 

 

 

يبدو المسرح الخليجي سائراً في طريق مواكبة وتطور عصريين لا تكبلهما معوقات أو تحديات من أي نوع كانت. لكن الصحيح، أيضاً، أن حقلاً حيوياً ضمنه، هو المسرح التاريخي، نادر الحضور ولا تتهيأ للناس فرصة التعرف إلى مكنوناته وملامسة جمالياته، سوى عبر نافذتي المهرجانات والأعياد.

ما جعله غريباً لا لقاء معه إلا في مواعيد سنوية، وكأننا به مدان حُكم عليه بـ«الإقامة الجبرية» الدائمة في حي المناسبات.

وطبعاً، ليس هذا بالأمر البسيط أو السهل، فمهما تكثفت وتعددت جوانب المعالجات المسرحية الأخرى.. أو حتى صنوف المعرفة والفرجة والتشويق، حداثية الطابع، تبقى للأبعاد التاريخية في المسرح، مكانة ودور، لا ينوب عنه فيهما أي منها.

إنه باختصار، بوابة استحضار تاريخنا بصيغ شائقة وملهمة بمقدورنا أن نكسوها ثوب الواقع فنحملها جملة إسقاطات ذكية، لنعيد التذكير معها بماضينا.. ثم نقرأ في حاضرنا ونستشرف مستقبلنا.

إذاً، ما مبرر هذا القصور في مجال مسرحي مهم.. ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل تتوافر آفاق حلول سهلة مقدور عليها، أم ان العملية معقدة تحتاج تدخلاً رسمياً يمهد الدرب ويقدم الدعم والرعاية؟

«المسرح التاريخي ليس كغيره. إنه حقل دقيق يحتاج مُخرجاً وكاتباً، متخصصين ومتعمقين، يتقنان عكس التاريخ مسرحياً، بمحمولات وإسقاطات ذكية، من غير الوقوع في مطب السرد التاريخي». ذلك هو التوصيف الشامل، الذي أراده نايف البقمي، مسرحي س عودي، استهلالاً لحديثه عن أسباب محدودية الأعمال التاريخية خليجياً في الوقت الحالي.

وتابع: «أود الاستشهاد بنموذج مهم، وهو أعمال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، في حقل المسرح التاريخي.

فمؤكد أن قراءتنا لها وتحليلنا مضمونها وآليات اشتغالها، تمدنا بفهم جوهر هذا النوع المسرحي، القائم على الحرفية والدقة والمنهجية بالنسبة للكاتب والمخرج معا».

يطرح البقمي تصوراً للحلول الممكنة: «من بين تفاصيل العلاج الاجدى الذي أجده فاعلاً في الخصوص: تنظيم مهرجان مسرحي يعنى في الجانب التاريخي، مسابقة للتأليف في المجال، دورات وورش تدريبية».

معالجات مختلفة

لا تظن سعداء الدعاس، كاتبة وناقدة مسرحية كويتية، أن الاعمال التاريخية في المسرح الخليجي، غائبة تماما. بل إنها تحضر على نحو أو بآخر.. وربما انها تُطرق بشكل مغاير. إذ يكون مضمون العمل، أحياناً، غنياً بالموضوعية التاريخية، لكن المعالجة تجعله بعيدا عن الحكاية المحفوظة، التقليدية.

وتضيف: «البعد التاريخي، في اعتقادي، ليس قصياً عن مسرحنا، إلا أن مسرحة العمل ببنيتها العصرية، تحوّله إلى مساق إبداعي لا يمت للتاريخ بصلة.

وهناك جانب ثان علينا التنبه إليه. فهذا العصر المزدحم بالأحداث، وسريع الايقاع، أوقعنا، مسرحيا، في مطب عدم الالتفات الى التاريخ في عمليات النهل والتجسيد والاستلهام».

وفي النهاية، لا سلبية كبيرة لهذا الامر، بتصور سعداء، على المسرح والثقافة في الخليج العربي، كون الاول، راهنا، ليس النافذة الوحيدة للمعرفة.

ظاهرة في منظومة

تراجع الاهتمام بالابعاد التاريخية ضمن المسرح الخليجي، مسألة لا تنفصل، طبقا لرأي يوسف الحمدان، مسرحي بحريني، عن منظومة التغير المتكاملة التي تقلق الحالة الثقافية عامة، وتتهددها، في الظروف الحالية. والساحة بطلها المسرح التجاري المماشي لرغبات واحتياجات استــهلاكية الطابع، الذي يوفر مردودا ماديا.

ولكن هذا الأساس في المشكلة، تتممه جوانب متنوعة، برأي الحمدان، والذي يحدد باقة ركائز لحضور المسرح التاريخي بوجهة فاعلة: «.. الاشتغال على المسرح التاريخي شرطه الجوهري وجود كاتب متبحر في التاريخ، دقيق في الاسقاط والقراءة والتوثيق، كما فعل صاحب السمو حاكم الشارقة في مسرحيات عديدة.

ولا شك انه يتوجب علينا إقرار مناهج عمل لتحفيز ظهور كتاب حرفيين في هذا الحقل، بموازاة تأهيل مخرجين على مستوى عال، قادرين على أن يخوضوا غمار هذه التجارب.. وخير المبادرات وأسلمها، لتحل القضية، معالجة خلل كبير يتمثل في افتقار المؤسسات المسرحية الى خطوط واضحة تجعلها تلج هذا التخصص بمنوال علمي.

وهناك، أيضا، جملة مبادرات وأعمال ضرورية، منها: توفر قراءات ونقاد عديدين، ان تفرد المجلات المسرحية مساحة مهمة لهذا النوع المسرحي، تواصل المسرحيين مع الجمعيات المهتمة بالحقل التراثي والتاريخي في الخليج العربي».

فن حساس

ليس هذا الغياب، مبعثا للقلق، ثقافياً وفنياً، من وجهة نظر خالد البناي، مسرحي إماراتي، فالأعمال التاريخية، بطبيعتها، ليست القاعدة والمعادل الرئيس، وإنما هي ترتبط دوما بمناسبة (مهرجان.. عيد ما.. ذكرى). ويستطرد البناي: «تحول متطلبات القدرات المادية الضخمة والكوادر البشرية رفيعة التأهيل، دون إمكانية الحضور الجماهيري لهذه المسرحيات.

إنها أعمال تستلزم ميزانيات هائلة وتستغرق وقتا طويلا. وهذا الفن المسرحي حساس ودقيق، لا يصلح القياس في الحديث عنه، على نحو ما نفعل مع رواية تاريخية أفقها السرد وخامتها سكب الجرعات الحكائية التأريخية.

ففيه تتكثف الاستحضارات وتشف الصور وتبرز احتياجات التقيد بالدقة والموضوعية، بموازاة حاجة توظيف فنيات محكمة وصور عالية التقنية وحواريات جاذبة.

وأي استهتار بهذه الدعائم سيحيلنا الى الوقوع في فخ المنتج الهزيل، الذي يطابق عروضا سابقة ممجوجة، اختصرت نوعية هذا المسرح بخروج راو على الخشبة يسرد ويحكي الواقعة المرادة».

مسرحيات سلطان القاسمي جديرة بالاقتداء

تتفق آراء النقاد والمسرحيين على أن ما يقدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من أعمال مسرحية تاريخية رافعة انتشلت المسرح التاريخي العربي، لا الخليجي فقط، من الغياب التام المتمخض عن الإغراق في المسرح الدرامي والكوميدي.

وتبرز أهمية أعمال سموه بفضل حرفية كاتبها المسرحي ودقته التاريخية، لقراءتها المعمقة للأحداث السابقة والعصرية بالاعتماد على منهج تفكيكي واستقرائي، يقابل ويقارن بانسيابية بين ما كان وما يحدث، غاية استخلاص العبر والدروس.

ومن بين أبرز تلك المسرحيات: «النمرود»، «عودة هولاكو»، «الإسكندر الأكبر».

ويوضح متخصصون في هذا الصدد أن مسرح سلطان القاسمي التاريخي، سمته الركيزية كونه ينهل من التاريخ من غير أن ينفصل عن دقائق المجريات الحاصلة في عصرنا وضمن مجتمعاتنا.

فهو مسرح يلتصق بالواقع المعاش ويستثمر الحقائق التاريخية ليوظفها في صيغ درامية وتراجيدية ملحمية، تعالج ما يعتمل في حياتنا ومن حولنا، بوجهة قصية عن الطابع الاحتفالي أو الروائي السردي.

وفي هذا السياق، يجد المسرحي الدكتور أكرم اليوسف، أن صاحب السمو حاكم الشارقة يسعى في مسرحياته إلى إعادة بناء تراجيديا التاريخ العربي وماهية الزمن لمحاورة هذا التاريخ والحياة المعاصرة درامياً.

إذ يريد سموه أن ينبش المسكوت عنه ليجعل منه مرآة للعالم المعاصر.

وتخلص دراسات عديدة في هذا الشأن، إلى أن المسرح التاريخي الذي جسدته أعمال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، يعد نموذجاً متكاملاً، وهو جدير بالتمثل والأخذ به، ليس خليجياً فحسب، وإنما على الصعيد العربي، لدقة معاييره وتميزه فناً وفكرةً وإمتاعاً.

أساس

هناك جملة عوامل مؤثرة، يؤكد عباس قاسم مراد، مسرحي كويتي، أنها تلعب الدور الكبير في تغيّب المسرح التاريخي في الخليج العربي، وفي مقدمها، أن حضور المسرح التاريخي بوجهة مؤثرة وجماهيرية الطابع، ليس قابلا للتحقق الا مع وجود داعم قوي، كهيئة حكومية او مجموعة جهات.

ويتابع مراد: «لا ننسى، أيضا، دور الظروف الاجتماعية الحالية وما تحدثه وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ومواقعه، من تغيرات.

وكذلك نوعية تفضيلات الجمهور في الوقت المعاصر، جوهر أساس في مسار القضية. فأفراد المجتمع باتوا لا يتقبلون الا الفرجة المشوقة والضاجة، المحاكية لسمات وآليات عمل وسائل التواصل الاجتماعي (العروض التي تبتعد عن الاغراق في الاسقاطات والرمزية)، أي: اللاتاريخية.

وبالمجمل، فإن الواقع السائد ينبئ ان الأعمال التاريخية أصبحت نخبوية مرتبطة بالمهرجانات ومحكومة بتوفر الامكانات المادية».

 

 

دبي – رفعت أبو عساف

 

http://www.albayan.ae/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.