أخبار عاجلة

المسرح اليمني.. رهين المحبسين

 

يبدو الحديث عن المسرح ومشكلاته في اليمن ضرباً من الفانتازيا والعبث، في بلدٍ تسوء أحواله الأمنية ويزداد الفقر فيه، ويرتهن لصراعات عديدة تهشّم مجتمعه، وتتحكّم بتطوره الأعراف الاجتماعية والدينية المتشددة، كيف سيكون مسرحه؟ وما هي أحوال مسرحييه؟

يُجمع الكثير من المسرحيين على أنّ اهتمام صانع القرار السياسي والمؤسسة الثقافية الرسمية بالمسرح ضعيفٌ جداً، ولا يرقى إلى أهمية هذا الفن في المجتمع، ومن هنا فإن الميزانية المرصودة له ضعيفة جداً. ورغم أن النشاط المسرحي شبه محصور بالعاصمة صنعاء، حيث المركزية الإدارية، إلا أنه لا توجد صالة واحدة مخصّصة للمسرح، بل هي صالات احتفالات وطنية وخطابات سياسية لا تتوفّر فيها مواصفات الخشبة المسرحية، كما يقول مبخوت النويرة، مخرج مسرحي ونائب مدير “المسرح القومي في صنعاء”.

وأكثر ما يزعج المسرحيين اليمنيين هو فترات الانقطاع في العروض المسرحية، حيث لا يحظى المسرح باستمرارية تسمح بتدريب وجذب الجمهور، ويكاد ينحصر النشاط المسرحي بموسم واحد يتزامن مع احتفالية “يوم المسرح العالمي” في 27 آذار/ مارس ويستمر حوالي الشهر، تُقدّم خلاله قرابة عشرة عروض، أو أكثر بقليل- قُدّم هذا العام 15 عرضاً. لكن المسرحيات “تُعرض مرة واحدة، وفي هذا الموسم نبدأ بكسب جمهور يزداد تدريجياً، ثم يضيع بعد انتهائه، ويدخل المسرح في سباته لنقوم بتجميع الجمهور في الموسم القادم من جديد” كما يشير النويرة.

وحتى المؤسسات غير المسرحية فيأتي المسرح في آخر اهتماماتها، فالمسرح العسكري “لديه ميزانية تفوق ميزانية وزارة الثقافة، لا يقدم إلا عملاً أو عملين خلال العام، والمسرح الجامعي متوقف هذا العام، أما المدرسي فينجز عملاً للمشاركة به في مهرجان خارج البلد”، يتحدث الكاتب المسرحي منير طلال، صاحب نص “التغريبة السبئيّة”.

يكاد تأثير المسرح في المجتمع يكون غائباً، بسبب غياب المسرح نفسه عن معظم المدن اليمنية، والسبب كما يراه طلال “صانع القرار السياسي في اليمن لا يدرك أهمية الثقافة، والمسرح بالتحديد، في حل المشكلات التي تعاني منها البلاد، مثل مشكلة الحوثيين والقاعدة والتعصب القبلي والمذهبي، كلها مشكلات ثقافية وفكرية. ولا يرى أهميته في التأكيد على الوحدة الوطنية والتعايش ونبذ التعصب المناطقي والمذهبي”.

يحاول المسرحيون القيام بدور ترفيهي متصل مع الدور التوعوي والثقافي، كطرح المشكلات المحلية “زواج الصغيرات، وغلاء المهور، والثأر، وانتشار السلاح، وتعاطي القات، والتطرف الديني والإرهاب” يقول النويرة مخرج “رحلة حنظلة”، إلى جانب الهموم العربية كالقضية الفلسطينية، والقمع الذي يتعرّض له المواطن العربي من قبل السلطات السياسية، وصولاً إلى الاحتجاجات والانتفاضات ضد الأنظمة. وغالباً ما تكون النصوص لكتّاب يمنيين أو عرب، أو مترجمة ومعدّة لتتناسب مع الأعراف الاجتماعية.

رغم تركّز المسرح في العاصمة بشكل موسمي، إلا أن له جمهوره الذي يحضر في بقية المدن فيما لو زارتها العروض في المناسبات. كما تحضر النساء أيضاً، مما يشكل متنفساً في ظل غياب أماكن الترفيه العائلية. “لكنه جمهورٌ اعتاد مجانية الحضور، وهذا له دوره السلبي حيث لم يظهر المسرح التجاري والخاص” حسب طلال.

ومع أنه توجد قوانين لحماية المواطن وحريته في الرأي والتعبير، لكنها حبر على ورق، هكذا يؤكد منير طلال “من الضروري أن يكون المبدع الذي يريد أن ينتقد محمياً من قبل حزب أو قبيلة، ولا يمكن للقوانين أن تحمي المبدع إذا قام بنقد شيخ قبيلة، أو زعيم طائفة، أو شيخ دين، أو سواهم من المتنفذين”.

تؤدي لجان مثل “لجنة قراءة النصوص” بدور رقابي يقوم على التأويلات الشخصية والأهواء والكيد، فالكاتب طلال مُنع نصه “التغريبة السبئية” من قبل هذه اللجنة قبل عامين، لأنه يتناول الأسباب التي دفعت الشعوب العربية إلى الاحتجاجات ضد الأنظمة السياسية. كما أن الفرص والهوامش المسرحية “رهينة للصراعات والتنافسات بين المبدعين من جهة وبين الإداريين الذين يتحكمون بالمشهد الثقافي والمتحزّبين وأصحاب الرؤى الدينية والقبلية المحافظة” كما يرى طلال.

ورغم أنه في داخل كل مبدع وعامل في الوسط المسرحي رقيبٌ، يعرف الأعراف والخطوط الحمراء السياسية والدينية بشكل خاص، فإن المؤسسة المسرحية نفسها تقوم بدور رقابي من خلال لجانها التي تنظر في النصوص المسرحية، ولن يفلت أي عرض تعتقد اللجنة أنه يمس المحظورات.

وثمة وقائع عديدة في هذا الإطار، فالمخرج النويرة عندما كُلف بتقديم نص “ناتان الحكيم” لصالح “البيت الألماني”، وهو نص يحكي عن التعايش والتسامح بين أتباع الأديان السماوية، قام بإعداده بما يتناسب مع المجتمع اليمني، إذ جعل من الشخصية المسلمة هي التي تحتوي بقية الأديان، مع ذلك تعرض نويرة إلى المساءلة من قبل “وزارة الثقافة” بتهمة الإساءة إلى الدين، وتم تشكيل لجنة للنظر في الأمر ومشاهدة العرض، وعلى أساسها تمت تبرئته.

يقول الكاتب منير طلال: “ظهرت أحزاب دينية قدّمت مسرحها الخاص القائم علي التهريج والسخرية من الآخر، وعلى خطاب الإرشاد الديني، ولم تظهر المرأة فيه لاعتبارها فتنة ومثيرة للغرائز، وتم استبدالها بشباب يؤدون دورها، وطال الأمر الدراما التلفزيونية. عادة ما يقوم بعض المتزمتين بمضايقة العروض المسرحية، وصولاً إلي توجيهها بما يناسب خطابهم السياسي، ويزداد تأثير أصحاب هذا الاتجاه الديني إذا أصبحوا طرفاً في الحكومة عندها يعرقلون أي نشاط مسرحي”.

لم يحظَ الواقع المسرحي كما الثقافي بتغييرات بعد الحراك اليمني، فلا يزال يُنظر إليه بشكل ثانوي وغير ضروري للمجتمع، حسب النويرة.

بل إن المسرح ازداد تدهوراً، كما يرى منير طلال، إذ يقول متأسفاً: “ثورة الربيع العربي في اليمن وُئِدت من قبل الأحزاب السياسية التي تاجرت بالشباب وبأحلامهم في التغيير والحرية والانعتاق من قيم التخلف والولاءات الضيقة، وارتهنت للولاءات الإقليمية”.

 

صنعاء – مايا جاموس

http://www.alaraby.co.uk/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.