مسرح ما بعد الدراما: إهمال النص والتركيز على التفاعل بين الممثلين والجمهور لصياغة حس جمالي جديد

 

إن تعريف مسرح ما بعد الدرامي، مثلما عرفه بعض المنظرين المسرحيين المعاصرين من أمثال هانز تيز ليمان، في سنوات التسعينيات، يتميز بالتشكيك بأولوية سلطة النص والدراما، وبالمعنى المقصود للحدث، ويحدد معالم الفن الذي هو عكس الدراما، والذي لا يقوم على مبدأ الفعل والقصة وإنما يعرض وضعا أو حالة كبديل لهما.
إنه مثلما يشرحه ليمان، لم يعد يبحث عن وحدة المكونات الجمالية، ويأخذ شكله وطبيعته من التشذر وكل ما هو متجزئ؛ وهو يكشف في هذه الطريقة وعبرها عن قارة جديدة لفن الأداء، وحضورا متميزا له، وعلى وعن وسائل التعبير المتنوعة، وليس الصراع. مثلما تشكل فيه الزمكانية عنصرا أساسيا في عكسه للحالة والموقف من أجل (صياغة حس جمالي للمسرح الجديد). أسس هانز – تيز ليمان عند نشر كتابه «مسرح ما بعد الدرامي» بالألمانية لأول مرة عام 1999 المفهوم المسرح ما بعد الدرامي، كما قام بتلخيص عدد من الخصائص والسمات الأسلوبية التي امتاز بها المسرح الطليعي منذ أواخر الستينيات من القرن الفائت، إن هذا المسرح الذي أطلق عليه ليمان، المسرح ما بعد الدرامي، لا يركز على الدراما نفسها، بقدر ما يسلط الضوء على تطور الجماليات الأدائية التي تخلق علاقة خاصة بين النص الدرامي، وموقف الأداء المادي وخشبة المسرح، وبالتالي الهدف منه، خلق تأثير لدى المشاهدين أكثر من التزامه بالنص، وتختفي فيه الحبكة تماما، ويركز كليا في أكثر أشكاله أو صوره راديكالية، على التفاعل بين الممثلين والجمهور.
لقد تحرر المسرح، في مطلع القرن العشرين، من قرون الاتفاقيات القديمة، بعد أن تخلى عن الوهم الواقعي، وصار المسرح المعاصر يركز على أصول التمثيل الدراماتيكي، ويشدد على مسرحة الصورة والأجساد على حساب المعنى، والفعل الذي كان يعرض فيما مضى بواسطة المحاكاة. وقد تطلبت ثقافة الأداء الجديدة، مشاركة أكبر من المشاهد، كما دعته لمساءلة تصوره وإدراكه بنفسه، بينما ثابر الإخراج المعاصر على جعل كل عرض بمثابة تجربة مشتركة. 
لقد دخل المسرح، في القرن العشرين، عصر الشك، شأنه شأن باقي أنواع فنون العرض. فكيف لا يُفهم، والحالة هذه، الاضطراب، ومشهد رؤية تراجع المتفرج أمام تباين وتنافر الأشكال، ونتائج التشويش التي كثرت عندما زالت الحدود بين الرواية، المسرح، السينما، والتمثيل الإيمائي أو الرقص؟ ظل المسرح ولفترة طويلة لا يُعرف إلا كنص. ولقد وضعه أرسطو، منذ نشأته في أوربا، في كتابه «فن الشعر» في خانة (الفن الذي لا يخدم إلا الخطاب فقط، سواء كان شعرا أو نثرا). ويضيف قائلا أيضا: (إن هذا الفن لا يحمل اسما حتى الآن). منذ ذلك الحين، ونحن نطلق عليه تسمية أدب، ونستمر في تحليله ودراسته، في اغلب المرات، على أساس أنه مادة أدبيه بسيطة. وكذلك فعل هيغل أيضا، عندما جعل الدراما، تابعة للشعر الملحمي والشعر الغنائي، وصنفها من بين (أنواع الفنون الشفوية) التي تستعمل (الكلام، واللغة، والخطاب (الذي) يبني العنصر الوحيد القادر على خدمة التعبير الخيالي) – هيغل، علم الجمال، الجزء الثاني، الفنون الرومانسية-. كذلك علم الجمال الكلاسيكي وبشكل خاص الفرنسي منه، الذي عالج المسرح ضمن حقل (الشعر الدرامي). بلا شك أن أرسطو مثل هيغل لا يجهل، بأن هذا العمل الفني (المسرح) الذي من أجل أن يكون (حيا بشكل حقيقي) يحتاج إلى العرض المسرحي الكامل. لكن النص كان هو السَّباق، أي هو الأول، ومن أجل عرضه وتقديمه يحتاج إلى أداة، والأداة هنا وفي هذا الموضع كانت الخشبة: المكان والواسطة الخارجية لتنفيذ العمل الفني الدرامي.
في الحقيقة، أن هذا التقليد، الذي جعل الخشبة تابعة أو أقل شأنا من النص يعود إلى عصر أرسطو. وهو لا ينطبق بالضرورة أو يتماشى مع جميع التطبيقات المسرحية، التي نطلق عليها تسمية الفنون الشعبية (الفارس، والعروض المتنوعة) التي تتجاهل النظام الأرسطي بطبيعتها، هذا بالإضافة إلى أن النص في جميع التقاليد المسرحية غير الأوربية كان خاضعا للخشبة ومتطلباتها.
وقد عرف ّ (كوردن كريك) في مطلع القرن العشرين، خصوصية فن المسرح بقوله: (إن المسرح ليس هو بلعب الممثل، ولا هو بالنص المسرحي، ولا الإخراج، ولا هو بالرقص، ولا هو أيضا نتيجة بسيطة لاجتماع هذه الإضافات التقنية. إن المسرح هو شكل وصورة العناصر التي تكونه: الحركة التي هي روح التمثيل؛ والكلمات التي هي جسد النص؛ الخطوط والألوان التي هي وجود الديكور نفسه؛ والإيقاع الذي هو جوهر الرقص) . إن هذا الفن مستقل بحق وحقيقة، وأنه مُؤسس على الخشبة وليس على النص مثلما كان شائعا. وهكذا، فإنه بدلا من أن يعيد بناء وتقديم الشعر الدرامي أصبح مسرحا بشكل كلي، أي أنه خلق شكلا جديدا خاصا به. 
وقد حدثت الثورة في نهاية القرن العشرين، عندما تحول دور مدير المسرح إلى دور المخرج، الذي غير بدوره وظيفة مدير المسرح تغيرا جذريا، مثلما غير علاقة النص بالخشبة. كان مدير المسرح وفقا لزمانه وعصره، يحترم النص ويكتفي بلعب الممثل الذي يعتمد بالأساس على التمثيل، والسرد والإلقاء. وكان عمله ينحصر في المراقبة والربط بين عناصر العرض، أي انه حامي لبعض الأنظمة المثبتة مسبقا والتي ليس له فيها أية علاقة شخصية. في حين أن المخرج يتصرف عكس ذلك تماما إذ يقوم بتنسيق هذه العناصر ويأمرها وفقا لتصوره، ولكن في نفس الوقت، وخاصة يقوم بالتنبؤ بها وتنظيمها من بداية العمل حتى إبداع وخلق العرض بصورته النهائية والذي يكون فيها النص مجرد عنصر من بين العناصر الأخرى. أي أن المخرج لا يعيد إنتاج النص وإنما هو منتج العرض وخالقه مثلما هو مؤلفه. . بلا شك، إن عمل ودور وقوة المخرج هو أعظم اختراع في هذا القرن، إنه ظاهرة جديدة وكارثية في آن واحد، لم يسبق لها مثيل، لأنها أعطت للمسرح لونا جديدا، لم يكن موجودا من قبل. إن المخرج غيرّ رؤيتنا للأشياء مثلما فعل الرسام فان كوخ عندما رسم الشمس وحقول عباد الشمس، والرسام سيزان، عندما صور الجبال بحيث لم نعد نراها مثلما كنا نراها من قبل، علما، إنها هي نفسها منذ الأزل، ولم يطرأ عليها أي تغير ، ولكن رؤيتنا هي التي تغيرت بفضل اللمسات الفنية التي وضعها هذان الرسامان فوق سطوح لوحاتهما. نفس الشيء ينطبق على الممثل، فمنذ إن ظهر المخرج، ونحن لم نعد نراه مثلما كنا نراه سابقا، ومع ذلك وعلى الرغم من كل شيء، يبقى دائما وابدأ جسدا للكلمات والأنفاس التي تكشف لنا الرؤيا. إنه جسد العالم، هذا العالم الذي يزعجه ويخترعه، في آن، إنه قلب المسرح السحري الذي لا يمكن المساس به.
نفهم مما تقدم، أن العرض يُعد ويجهز من قبل المخرج، ويأخذ صورته الأخيرة وليس النهائية الثابتة، بعيدا ومستقلا عن النص. وهناك بعض المخرجين يقومون قبل مباشرتهم بالتمارين الأولى بتجهيز مشروع تفصيلي مليء بالملاحظات والإشارات الخاصة بتصوراتهم الإخراجية التي تساوي في قيمتها النص الأصلي. ومثال على ذلك، المخرج البولوني تاديوز كانتور، عندما أخرج مسرحية (دجاجة الماء) لـ Witkiewicz، إذ يقول في هذا الصدد: (أنا لا أمثل أو أقدم نص Witkiewicz)، لأنه لم يحتفظ من نص هذا الأخير إلا ببعض المقتطفات الصغيرة، ويواصل كانتور: (إن النص الدرامي، بحصر المعنى، يجد نفسه في هذا العرض، قد حلّ محله آخر أو بالأحرى زُرع محله نص مسرحي جديد.
ما هي المسرحة ؟ 
إن التاريخ وأصل كلمة مسرح وعلم الاشتقاق يعطي الحق إلى كوردن كريك في مطالبته بـ (فن مستقل بحق) يتأسس على خشبة المسرح وليس النص. إن أصل كلمة مسرح متأتية من الفعل الإغريقي théaomai، الذي يعني: النظر بتركيز، وامتلاك رؤية. إذن، أن مفهوم النظر هذا يعتبر جوهريا وأساسيا في تحديد ماهيات المسرح والمسرحة. ومن أجل أن يوجد مسرح، يكفي أن يتوفر ناظر ينظر لمنظور. ويبدو أن هذه المعادلة، هي التي تكّون علاقة (قاعدية) بين الأفعال اليومية المتنوعة التي تشكل (الحضور الواقعي). وهكذا، فإن هذه الأفعال المتنوعة هي التي تُقدم وتنتج بشكل ظاهري وعلني متفرجا في فضاء يكون فيه محاطا ومؤطرا، يمكن أن نقول عليه (ممسرحا) مسبقا.
في الحقيقة، إن الذي يحيل الأفعال الواقعية اليومية المتنوعة إلى مسرح، هو : تداخل وتراكب الخيال (الموجودة في غالب الأحيان في النص، ولكن يمكن أن يوجد أيضا – تكوين حركي، إيمائي، في الرقص، في تكوين تشكيلي تمثيلي مجازي- في زمكانية حقيقية محددة من قبل مقابلة، الهنا والآن بين الناظر والمنظور إليه)، جوزيت فيفال، فن الشعر، رقم 75، صفحة 358، أيلول/سبتمبر 1988. 
إن مسرح القرن العشرين حاول إعادة الاتصال مع الأصول المسرحية المزالة منها الصفة البرجوازية، والعودة إلى الأساس، انطلاقا من الثورة التي قام بها الرمزيون والسرياليون، واكتشاف الأشكال الدرامية الغريبة التي سوف تساعد على تطوير الأبحاث المسرحية، وقيادتها نحو أشكال جديدة ذات جماليات متنوعة عالية، مثل، وضع جسد الممثل على المسرح الذي صار يشبه إلى حد كبير جسد الراقص، بفضل اللعب بالإنارة الذي أعطى قيمة إلى الحركات التي يقوم بها، أثناء انتقالاته، وتعبير وجهه، وعمل المخرج الذي أصبح متفوقا، سواء في قيادة الممثل، أوفي بحثه عن (تطابق الهوية)، وفقا لمنهج ستانسلانفسكي، أوفي تنظيم الفضاء، والإضاءة، والصوت. وبمواجهة أندري أنطوان، تبنى جاك كوبو، أفكار(Luguné-Po)، مستوحيا في ذات الوقت نظريات كوردن كريك، وأدولف أبيا في محاكاتهما للبساطة، والتجريد، والأسلبة. ومع اكتشاف المسرح الشرقي من خلال قدوم فرقة مسرح بالي في عام 1931 إلى باريس، التي أثرت كثيرا على أنتونين أرتو وتركت انطباعا قويا عليه، وكذلك مسرح النو الياباني، ومسرح خيال الظل في الدراما السنسكريتية، اكتشف المسرحيون الأوربيون لغة جديدة دعتهم لأن يعيدوا التفكير في مسرحهم وفي الوهم المستخدم فيه. وقد ابدى هنري ميشوا، انبهاره في أعاجيب وثراء المسرح الصيني، في كتابه (البربري في أسيا) ، في حين كتب جان جينية، في نص (كيف يمكن تمثيل مسرحية الخادمتان) : لا نستطيع إلا أن نحلم بفن يتشكل من مجموعة متشابكة من الرموز العميقة النشطة، القادرة على التحدث علنا إلى الجمهور، بلغة لا تكون بالضرورة مسموعة، ولكن أن يكون فيها كل شيء حاضرا). وقارن أنتونين أرتو من جانبه، ممثلي مسرح بالي بالطلاسم الهيروغليفية الكبيرة، عندما جمع كتاباته التي كتبها في عام 1932، في كتاب (المسرح وقرينة) الصادر في عام 1938. متأثرا بالجانب الميتافيزيقي للمسرح الشرقي، مفتتنا بالدم والمأساة. مناديا بمسرح القسوة الميتافيزيقية القادرة على جرح الروح، التي بفضلها قد يستعيد البشر أصولهم المقدسة. وإذا شاء المسرح أن يصبح حفلا، وفقا لأرتو، فيقتضي عليه أن يكون قاسيا مع نفسه. ودعا إلى تعزيز الإخراج والحركة، ورفض المسرح السيكولوجي والمسرح الذي يقص قصة. وطالب بالعودة إلى الأساطير وسحر الشرق للتعبير عن أعمق النزعات المعتملة في العمل البشري. وهو ما يسميه (بمسرح القسوة) وطالب بأن يكون التمثيل متطرفا، فلا قائمة للمسرح إلا منذ اللحظة التي يبدأ فيها المستحيل. وطالب بخلق الوسائل الضرورية واللازمة لحدوث (ردود الأفعال) لدى المتفرج، لانتزاعه من خوفه الكبير ومن سكونيته وسلبيته. ورغم أن أرتو قد وضع اللبنة الأولى لكثير من الأسس التي قام عليها مسرح اللامعقول إلا أنه لم تتح له الفرصة المناسبة ليضع نظرياته موضع التنفيذ. ولكن يبقى فضل أرتو كبيرا على معظم الكتاب المسرحيين المعاصرين، الذين طوروا بدورهم ذوقهم باتجاه مسرح الصورة، كرسالة بصرية أساسية، بإعطائهم الكلمة مكانة ثانوية.

محمد سيف

 

http://www.alquds.co.uk/

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *