لطيفة أحرار تمسرح الشعر بجمالية الجسد

 

 

 

ما زالت الفنانة المغربية لطيفة أحرار قادرة على إثارة الدهشة بعرضها الفاتن والمثير للجدل، «كفر ناعوم أوتو – صراط»، على رغم مرور ثلاثة أعوام على تقديمه للمرة الأولى في المغرب. تمكنت أحرار من تطوير عرضها، مضيفة بعض المشاهد والمقاطع الشعرية التي أثرت العمل. وكشف العرض أيضاً عن المهارات والخبرات التي راكمتها أحرار خلال عملها في المسرح على مدى هذه السنوات والتي أكسبتها نضجاً واضحاً.

أثبتت لطيفة أحرار صلابتها وقدرتها على خوض المعارك والدفاع عن نفسها وفنها، بخاصة مع التيارات الدينية المتشددة التي اتهمتها بالكفر وأهدرت دمها من دون حتى أن تشاهد العرض، وهو أمر مثير للسخرية حقاً. هكذا، قررت الفنانة المغربية الموهوبة، إمعاناً في التحدي، أن تتنقل بالعرض في جولة أوروبية، أتبعتها بأخرى عربية بدأت من بيروت، وانتهت قبل أيام في مسرح «الفلكي»، التابع للجامعة الأميركية في القاهرة. وشهد العرض حضوراً لافتاً، خصوصاً من طلاب الجامعة الذين التفوا حول لطيفة والتقطوا معها صوراً تذكارية.

معروف أن مسرحية «كفر ناعوم – أوتو صراط» تستند إلى ديوان «رصيف القيامة» للشاعر المغربي ياسين عدنان (دار «المدى» – 2003). ولم تكن هذه المرة الأولى التي تُقدم فيها هذه الفنانة المثقفة على مسرحة الشعر – وهو أمر ليس سهلاً بالمرة – فقد سبق لها أن مسرحت قصائد للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش وقدمتها في عنوان «درويشيات» عام 2003. وواظبت لطيفة كذلك سنوياً على تقديم قصائد لشعراء مغاربة وإسبان وألمانيين في اليوم العالمي للشعر.

ولكن، علينا الالتفات إلى أن مسرحة عمل شعري مثل ديوان «رصيف القيامة»، وهو نص شائك ومربك بامتياز عند متلقي الشعر، حيث يتراوح بين الواقعي والأسطوري والميتافيزيقي، سيضاعف من صعوبة إمكان تقديمه على المسرح.

من هنا، كان الاختبار الحقيقي لقدرات لطيفة أحرار التي تمكنت بحكم موهبتها وخبرتها الطويلة أن تقدم النص الشعري من خلال رؤيتها الخاصة، وأن تقيم اشتباكاً واضحاً وعلى مقدار عال من التكافؤ بين النص الشعري وبين نصها المسرحي الذي يتميز بالتعددية في الخطاب. وظفت لطيفة في العرض عناصر كثيرة أخرى كلغة الجسد والرقص والشعر والموسيقي والملابس وغيرها. فكشفت بعمق عن موهبة حقيقية كممثلة ومخرجة في الوقت نفسه.

ولعل لغة الجسد كانت أكثر العناصر حضوراً وفاعلية في هذا العرض، حيث بدا الجسد كما لو أنه بُعِث لتوّه من القبر، يتجول بين مشاهد قيامته الافتراضية، مغترباً عن نفسه وعن روحه التي يحاول أن يلملم شتاتها. قد تزداد متاهته وعزلته كلما استغرق أكثر في أسئلته الوجودية العنيفة. من هنا، لا يمكننا النظر إلى الجسد على المسرح في المشهد الذي هاجمه بعضهم إلّا بصفته مجازاً يصور به ضياعه وحيرته إزاء حقيقة الموت والحياة. لكأن الجسد على هذا النحو يكتب شعراً ويصوغ جمالياته الرهيفة.

ولعلنا بعد أن نشاهد عرض «كفر ناعوم»، سنجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف للطيفة أحرار بالجرأة الفنية وبحساسيتها الخاصة في التعامل مع الجمهور، فقد حرصت في بعض المشاهد مثلاً على كسر فكرة المنصة، إذ يصبح المتفرج في لحظة ما جزءاً من العرض.

 

نجاة علي

http://alhayat.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.