أخبار عاجلة

مسرحية «بلاك ووتش» البريطانية تعود إلى أميركا للمرة الثالثة

بدأ عرض مسرحية «بلاك ووتش» (مراقبة سوداء) الاسكتلندية عن حرب العراق في واشنطن، واشتكي متفرجون أميركيون بأن الاسكتلنديين يتكلمون بصوت خافت، واشتكوا من اللكنة الاسكتلندية. لكن، يبدو أيضا أن الأميركيين لا يزالون غير مرتاحين لأي نقد لحرب العراق، لأنهم هم الذين قادوها، وضغطوا على البريطانيين ليحاربوا معهم.

 

 

كتب بيتر ماركز، الناقد المسرحي في صحيفة «واشنطن بوست»: «رغم حوار جزء منه غير مسموع وجزء منه مسموع لكنه غير مفهوم، كان محتوى الحوار واضحا جدا. ويخرج الشخص بعد نهاية المسرحية وقد انتقلت إليه الحالة النفسية للجنود البريطانيين».

هذه ثالث مرة تأتي فيها المسرحية إلى واشنطن، وكانت قد عرضت ثلاث مرات في نيويورك، ومرتين في شيكاغو، ومرتين في لوس أنجليس. ويبدو أن خليطا من حب وكراهية الأميركيين لها سيجعلها تعود مرات ومرات. ربما مئات المرات لمئات السنوات المقبلة. وذلك لأن حرب العراق في أعماق الأميركيين تظل خليطا من خطأ وصواب. تظل «عقدة».

عقدة حرب فيتنام:

بعد أربعين سنة من نهاية حرب فيتنام، تظل «عقدة فيتنام» في أعماق الأميركيين (أو هل هي عقدة الذنب؟). في الأسبوع الماضي، في معرض الكتاب السنوي الذي يقام في «ناشيونال مول» (الميدان الرئيسي أمام مبنى الكونغرس)، كان أكثر كتاب أثار الانتباه هو «حرب هانوي» الذي كتبته لين نغوين، أستاذة جامعية أميركية من أصل فيتنامي. واعتبر أهم كتاب عن رأي الجيل الجديد من الفيتناميين، أبناء وبنات الذين لجأوا إلى الولايات المتحدة بعد هزيمة القوات الأميركية هناك (سنة 1974). وهكذا، يظل أي كتاب أو مسرحية عن حرب فيتنام يلقى اهتماما خاصا من الأميركيين (وأيضا، الوثائق التي ربما ستدرس وتعاد دراستها إلى الأبد).

لم تعرض مسرحية «مراقبة سوداء» البريطانية في الشارع «أي» في واشنطن، حيث يوجد أشهر مسرحين: «ناشيونال» و«وورنار». لكنها عرضت في مسرح جانبي في الشارع «إف»، هو مسرح «هارمان».

وفي نيويورك، لم تعرض في «برودواي» (شارع المسارح). ولم تعرض حتى في «أوف برودواي» (شوارع جانبية قريبة). عرضت في مسرح مغمور في ضاحية بروكلين الشعبية (التي لا تشتهر بالنشاطات المسرحية والثقافية والأدبية).

وهكذا، يظل رأي الأميركيين في حرب العراق (وكل حروب الإرهاب) خليطا من خطأ وصواب، من حب وكراهية.

مسرحية «غوانتانامو»:

في سنة 2003، قبيل غزو العراق، فاجأ مليون بريطاني «الحلفاء» الأميركيين عندما تظاهروا في شوارع لندن ضد الغزو. وفي سنة 2004، فاجأت الأميركيين مسرحية بريطانية هي: «غوانتانامو: الشرف للدفاع عن الحرية». وهي عن أربعة مسلمين بريطانيين اعتقلهم الأميركيون، ونقلوهم إلى غوانتانامو: جمال الدين، بشرى الراوي، معظم بيق، روح الرحمن أحمد.

في ذلك الوقت، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» في تردد (أو خجل): «صعب تجاهل معاناة الذين يعتقلون ظلما». وبنفس النغمة، كتبت صحيفة «نيويورك تايمز»: «شئ حزين، وغير مفهوم». وانتقدت المسرحية لأنها «تبدو أحيانا وكأنها وعظ وإرشاد، لا مسرحية دراماتيكية».

غير أن صحيفة «واشنطن تايمز» اليمينية انتقدت المسرحية نقدا مباشرا، ودافعت عن اعتقال «الإرهابيين» في غوانتانامو، وأيدت الحرب ضد الإرهاب التي كان يقودها في ذلك الوقت الرئيس بوش الابن. وكتبت: «أشياء مثل تسقط أميركا مكانها شعارات في مظاهرات، لا مسرحيات يدفع الناس عشرات الدولارات لرؤيتها».

«نمر البنغال»:

في السنة الماضية، وبعد عشر سنوات من هجوم 11 سبتمبر (أيلول)، وبعد سلسلة مسرحيات بريطانية جاءت إلى أميركا، ظهرت أول مسرحية أميركية عن حرب العراق. كتبها جوزيف رجيف، أمه أميركية وأبوه مهاجر من الهند. ومثل لين نغوين، الأميركية الفيتنامية (من الجيل الثاني) التي وجدت الشجاعة لتكتب عن التدخل الأميركي في فيتنام من زاوية جديدة، وجد هذا الأميركي الهندي (من الجيل الثاني) الشجاعة ليكتب عن التدخل الأميركي في العراق من زاوية جديدة.

كتب مسرحية: «نمر بنغالي في حديقة حيوانات بغداد». وفيها خليط من شخصيات مثل: جندي أميركي، مترجم عراقي، طباخ من باكستان، نمر من البنغال، وعدي ابن صدام حسين. وملخص الرواية التي صارت مسرحية هي أن نمرا من البنغال كان في حديقة حيوانات بغداد، وخرج إلى شوارع بغداد بعد غزو العراق وخلال المذابح والدمار والفوضى. وبدأ يتجول وكأنه حكيم إغريقي قديم، يبحث عن الحقيقة، ويسأل الذين يقابلهم. غير أن جنديا أميركيا قتل النمر، بمسدس ذهبي استولى عليه من منزل عدي ابن صدام حسين، وسرق المسدس معه عندما عاد إلى أميركا.

ربما لأن المسرحية أميركية، عرضت في مسرح في شارع «برودواي» الرئيسي في نيويورك. وقام بدور البطولة الممثل الليبرالي روبن ويليامز، بطل فيلم «صباح الخير يا فيتنام».

حتى هذه المسرحية، لم يرق لها المزاج الأميركي. وكما كتبت صحيفة «لوس أنجليس تايمز»: «لولا روبن ويليامز، ما كانت المسرحية ستعرض في برودواي». وأضافت: «على الأقل، تتحدى مزاج الأميركيين، وربما ستؤثر على العاطفيين وسطهم» (أي أن العقلانيين يظلون يرفضون انتقاد الغزو الأميركي للعراق).

نسيان الحروب:

كتب الكساندر أولتار، ناقد فني في صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن سبب نفور الأميركيين من المسرحيات والأفلام والكتب والتقارير التي تنتقد حروب العراق وأفغانستان والإرهاب هو «رغبة الأميركيين في نسيان كل هذه الحروب».

لكنه فرق بين شيئين: أولا: الأفلام والمسلسلات التلفزيونية تميل نحو الإثارة. «في حالة الحرب ضد الإرهاب، تميل نحو استغلال الغضب الأميركي على الإرهابيين بصورة خاصة، وعلى المسلمين بصورة عامة».

ثانيا: المسرحيات تميل نحو مخاطبة المتفرجين عقلانيا. «في حالة الحرب ضد الإرهاب، تميل نحو إشراك المتفرجين».

مثلا: في مسرحية «بلاك ووتش» البريطانية، يوجد المسرح في منتصف القاعة ويحيط به المتفرجون. وفي مسرحية «غوانتانامو»، توزع ملابس السجن الصفراء على متفرجين. وفي مسرحية «سريندار» (استسلام)، توزع على متفرجين ملابس عسكرية، ويخاطبهم الممثلون وكأنهم جنود.

مسرحية «بلاك ووتش»:

خلال مسرحية «بلاك ووتش» البريطانية، يهتز المكان بأصوات القذائف، والبنادق، والمدافع، والصواريخ، وأزير الطائرات، وصكيك الدبابات. وتصور المسرحية أحداث محاصرة الفلوجة.

وكانت القوات الأميركية حاصرت الفلوجة بعد أن قتل عراقيون أميركيين، وحرقوا جثثهم، وعلقوا الجثث المحترقة على كوبري فوق نهر الفرات. تولى الأميركيون الهجوم، ووضعوا الفرقة البريطانية في خط الهجوم الثاني. لهذا، كما صورت المسرحية، صفقت الفرقة البريطانية تأييدا للأميركيين أكثر من اشتراكهم في القتال معهم. وقضت وقتا كثيرا تنتظر، وتشاهد التلفزيونات، وتنتظر خطابات من الأهل، والأحباب، والأصدقاء في اسكتلندا.

وقال جون تيفاني، مدير إنتاج المسرحية، إن الهدف ليس تصوير بطولات، ولكن تصوير ما حدث. وليس اعتبار الجنود أبطالا، ولكن ضحايا مجندين (اختاروهم من حانات ومقاهي مدن وريف اسكتلندا).

في نهاية المسرحية، يستدعي القائد البريطاني «كامي»، بطل المسرحية، ويقول له إن قيادة قوات صاحبة الجلالة قررت منحه «وسام البطولة البريطاني»، ويرد «كامي»: «عن ماذا؟» وكان «كامي» انتهى من تنظيف القاعدة من دماء ودمار هجوم انتحاري قام به عراقي ضد القاعدة البريطانية.

الفرقة الاسكتلندية:

لماذا سميت «مراقبة سوداء؟» تأسست الفرقة بهذا الاسم سنة 1667، في عهد الملك شارلز الثاني الذي كان يواجه تمردا في اسكتلندا. وجند جنودا اسكتلنديين لمحاربة متمردين اسكتلنديين. وليسهل تصنيفهم، ارتدوا أزياء سوداء. وكان شعارهم: «نيمو مي لاسيسيت امبيون» (لا أحد يؤذيني دون أن أعاقبه). وبعد إخضاع الاسكتلنديين، وفي القرن التاسع عشر، أرسلت الفرقة لمواجهة تمردات شعوب الإمبراطورية البريطانية، خاصة في دول العالم الثالث:

في سنة 1801، أرسلت إلى مصر لمنع القوات الفرنسية (بقيادة نابليون بونابرت) احتلال مصر.

وفي سنة 1858، أرسلت إلى الهند لمساعدة شركة الهند الشرقية البريطانية. واحتلت لاكنو، عاصمة الإمبراطورية الإسلامية في الهند.

وفي سنة 1882، أرسلت إلى مصر ثانية، لضرب الثورة («التمرد» حسب التفسير البريطاني) ضد الاحتلال البريطاني، في معركة التل الكبير. (على الزي الأسود، كان كل جندي في الفرقة يضع رمز أبو الهول على صدره).

وفي سنة 1898، اشتركت في غزو («استرجاع» حسب التفسير البريطاني) السودان، وهزيمة حكومة المهدي التي طردت البريطانيين والأتراك قبل ذلك بثمانية عشرة سنة. وانضمت موقعة «كربكان» (على نهر النيل في شمال السودان) إلى المواقع التي انتصرت فيها، والتي تسجلها قيادة الفرقة في متحفها في اسكتلندا.

وخلال الحرب العالمية الأولي، اشتركت في الحروب العربية لهزيمة الخلافة الإسلامية التركية. ثم في احتلال بعض الدول العربية، ومنها العراق وفلسطين.

وخلال الحرب العالمية الثانية، حاربت في فلسطين والعلمين (لوقف زحف قوات هتلر نحو مصر).

وخلال الخمسينات، اشتركت في قمع «التمرد» (الثورة) ضد الاستعمار البريطاني في كينيا الذي قاده ثوار «ماو ماو»، وفي ماليزيا «كانت تسمى (الملايو)». وفي سنة 2003، اشتركت في غزو واحتلال البصرة.

وبعد سنتين، عندما حاصرت القوات الأميركية الفلوجة، طلبت من القوات البريطانية المشاركة في القتال. لكن، القائد البريطاني في العراق رفض ، ووصل الموضوع إلى لندن، وصوت البرلمان ضد ذلك. وكحل وسط، بقيت الفرقة البريطانية في خط الهجوم الثاني على الفلوجة.

وهناك دارت أحداث مسرحية «بلاك ووتش».

شبه ترحيب أميركي:

هذه المرة الثالثة التي تعرض فيها المسرحية في واشنطن، ووجدت شبه ترحيب (وليس ترحيبا).

وكتب بيتر ماركز في صحيفة «واشنطن بوست»: «يبدو أن المسرحية (مراقبة سوداء) صارت من أهم صادرات اسكتلندا. هذه مسرحية تحرك الأحاسيس. هؤلاء جنود يحاربون في حرب لا يعرفون تفاصيل دور السياسة فيها». وأضاف: «في حرب قادها الأميركيون، وجد هؤلاء الجنود البريطانيون أنفسهم محتجزين في قاعدة عسكرية، ويتعرضون للهجوم أكثر من قيامهم بهجوم. وعادوا إلى وطنهم غاضبين وقلقين لأنهم لم يقدروا على فهم أبعاد ما حدث، والصورة الكبيرة للحرب».

وأيضا، هذه المرة الأخيرة، وجدت المسرحية شبه ترحيب في صحيفة «نيويورك تايمز». وكتب بين برانتلي، الناقد المسرحي للصحيفة، بعد أن شاهد المسرحية تعود إلى نيويورك مرة ثالثة: «لم تتغير القصة. كيف تتغير؟ صارت تاريخا، من نوع التاريخ الذي يعيد نفسه، إلى ما لا نهاية».

الصحف البريطانية:

مثل جرأة البريطانيين في إخراج مسرحيات تنتقد حرب العراق، تجرأت صحف بريطانية وأشادت بمسرحية «مراقبة سوداء»: كتبت «فاينانشيال تايمز»: «هذه المسرحية عن الصراع الذي يواجهه جنودنا في العراق وأفغانستان، والطبيعة المتغيرة للحرب، وأخلاقيات الحرب». وكتبت «صنداي تايمز»: «هذه المسرحية عن الحرب في العراق، التي كانت حربا مشوشرة، وسيئة التخطيط، وقادها سياسيون ساذجون، إن لم يكونوا غير شرفاء».

وكتبت «صنداي تلغراف»: «هل عند توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا الذي قاد التدخل البريطاني في العراق) الشجاعة ليشاهد هذه المسرحية؟ وهل عند غوردن براون (رئيس الوزراء بعده) الشجاعة؟» حرب سنة 1842:

في سنة 1929، أنتجت هوليوود مسرحية «بلاك ووتش» عن اشتراك الفرقة الاسكتلندية في حرب أفغانستان في القرن التاسع عشر، التي انتهت بهزيمة بريطانيا في خيبر سنة 1842. وقعت أحداثها عند ممر «خيبر» الذي صار رمزا لتلك الهزيمة. واعتمد الفيلم على قصة بريطانية هي: «ملك بنادق ممر خيبر».

في الفيلم المأخوذ عن المسرحية الكولونيل لامسدين يخاطب الجنود بأنهم يدافعون «عن قيم الحضارة الغربية» و«العرش البريطاني». وفيه نقاشات واشتباكات بين الجنود البريطانيين حول أخلاقية التدخل البريطاني في أفغانستان (والهند وباكستان)، وعلاقات مثلية وسط الضباط، وغرام الضابط البريطاني كينغ للأفغانية «ياسمين» التي سماها «اورينتال جين» (جين الشرقية)، وقال إن دينها «محمدي» (الاسم الغربي القديم للمسلمين).

وأخيرا، بعد مائة وخمسين سنة والفرقة الاسكتلندية تعود لتحارب الآن في أفغانستان (بعد أن تركت العراق). هناك تطورات إيجابية: هناك بريطانيون كثيرون ينتقدون التدخلات العسكرية في الدول العربية والإسلامية. حتى جنود الفرقة الاسكتلندية أنفسهم ينتقدون. في نهاية مسرحية «مراقبة سوداء» التي تعرض الآن في واشنطن، يقول جندي لزميله: «هل سمعت الأوامر (بالانتقال من العراق إلى أفغانستان)؟ لن يكون هناك فرق».

بواسطة واشنطن: محمد علي صالح | الشرق الأوسط

http://aawsat.com

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.