‘مأساة اندوجينيديا’ لروميو كاستلوتشي: الكتابة المباشرة على خشبة المسرح لمخاطبة حواس الجمهور

 

عندما نقول، إن الكتابة الركحية، وريثة لمسرح ما بعد الدرامي، بمعنى أن النص هو جزء من العملية المسرحية كلها ولكنه لا يسبقها. فالكتابة الركحية تمتد وتنتشر في أشكال يكاد النص فيها أن يكون غائبا تقريبا، مثلما في مسرحيات روميو كاستلوتشي، الذي يقترح عروضا خالية من الأدب، معتمدا على حرفة المسرح والتكنولوجيا الجديدة.
إنه يعتبر واحدا من مخرجي الجيل الجديد الذين يكتبون عروضهم فوق الخشبة مباشرة، تاركين النص في مكانه، أي كمادة أولية لا تكون اساسا رئيسيا لمسرحهم. والغرض من ذلك هو ملامسة حساسية الجمهور العريض مثلما كان ينادي به (أنتوان آرتو) في بيانات (مسرح القسوة). نلاحظ في عروض كاستلوتشي تأثير القصة، هذه القصة التي لا وجود لها قبل الممثل الذي يتوجب عليه اكتشاف كل لحظة واختراع كل شيء إلا الحدث الخيالي المستقل عن الخشبة، والذي بالإمكان تقليده باستخدام أدوات الممثل، والمسرحة.

 

الارتجال ومخاطبة الحواس

يقول أرتو في موضوع (المسرح- الصالة): (سنلغي خشبة المسرح، ونستبدلها بمكان واحد، بلا حواجز من أي نوع، يصبح مسرح الأحداث، ونعيد الاتصال المباشر بين المتفرج والعرض، والممثل والمتفرج)(المسرح وقرينه، ص 85).) إن هذه المقولة وحدها تلقي بنا مباشرة في بحث وانشغالات كتاب الركح، في جعل كل ما هو غير مرئي مرئيا، مثلما يقول بيتر بروك في كتاب (الفضاء الخالي) ، لأن هؤلاء الكتاب، لا يحتاجون إلى تمثيل الواقع من أجل إثارة العاطفة. لأن بإمكان المسرح، من وجهة نظرهم، أن يخلق لغته الحساسة من أصطناعيته. إنه، أي المسرح، يخلق اللغة التي تتجاوز الحدود عن طريق أي شكل من الأشكال التحتية له. ومن خلال هذه اللغة الحساسة يقوم المسرح بدغدغة حواس المشاهد وليس عقله فحسب، ويخاطب قدرته على الشعور في الأشياء من خلال فورية العرض. وعندما ينظر المشاهد هذا النوع من العروض، يكون حرا في تفسيره لما يريد تفسيره. وهذا ما يقوله ويؤكده واحد من أهم مخرجي كتاب الركح، روميو كاستلوتشي: (ليس لدي أي قصة تستحق أن تروى. وإن المعنى يجب أن يعطيه كل مشاهد من المشاهدين، من خلال ما يشعر به أثناء العرض).
إن هذا المسرح الجديد، إن صح القول، على مقربة من الأداء ذي التخصصات العديدة، فهو يمكن أن (يهجر صالات العرض الحالية)، مثلما يقول أرتو، و(ننتقل به إلى مخزن أو حضيرة، نعيد بناءهما وفقا للأساليب التي أدت إلى إنشاء بعض الكنائس والأماكن المقدسة) أو فوق جسر، وهكذا يصبح مسرح الأحداث ذاته، الذي ليس له أي قلق آخر سوى إثارة إحداث تؤدي إلى خلق اثر فني مرتجل من خلال الاشتراك الفعلي للجمهور. إن هذا ينقلنا إلى معمارية المكان التي هي أيضا تثير الذكريات والأحاسيس وتشكل جزءا لا يتجزأ من العناصر الفعالة التي تساهم في تطور العرض. وعندما قدم روميو كاستلوتشي في ورشة مسرح الأوديون الفرنسي مسرحية (Tragedia endogonidia) ، كان المسرح من الاسمنت وليس الخشب، وهذا ما أوحى له بفكرة لامعة، جعلته يعلق سيارة مملوءة بالماء بأحزمة يمكن أن تقع في أي لحظة من لحظات العرض. إن هذه الفكرة أو اللحظة المسرحية لا زالت تشكل واحدة من أهم الذكريات الحية لهذا المخرج وتجربته مع الجمهور. ثم أليس هذا ما نبحث عنه عند حضورنا إلى المسرح: الزعزعة والقلق الذي يثير الحواس؟
إذن، عن طريق الكتابة المباشرة على خشبة المسرح، يستوحون شعراء الخشبة العوالم المادية للمكان في إبداعاتهم. إنهم يلعبون ويستوحون كل إمكانيات المكان من أجل خلق مساحة أخرى في الفضاء وليس الديكور، وإن الهندسة المعمارية، هي نفسها التي تقودهم لخلق هذا الفضاء الآخر، مثلما يطلق عليه أرتو، الفضاء الذي يفجر كل التوقعات الجمالية، وزوال الحدود المكانية. إذن، ينبغي الاعتماد من الآن فصاعدا في مسرح اليوم، على تعدد التخصصات والتصورات. وهذا بحد ذاته ما يؤجج العديد من الأسئلة، مثل: هل ان ما نشاهده هو مسرح ؟ هل هو رقص ؟ أم سينما أم تحقيقات صحفية أم هو تيار جديد ؟ إن فناني هذا الاتجاه، إن صح الاصطلاح، يبحثون بشكل مستمر عن لغة حميمة وجديدة، وهذا سر انفتاحهم أكثر فأكثر على الفنون الأخرى.

دمج الحياة بالموت

بالرغم من أن مسرح ما بعد الدراما ليس ضد الدراما، لكن دراميته تكاد تكون مشتتة بين العناصر المكونة للنص المسرحي، وخارج إطار الدراما التقليدية، ونصوصه تختلف عن النصوص الدرامية كونها لا تعتمد على الحبكة، ولا تعير انتباهاً للشخصيات وتاريخها، وتضع جانباً سمات التمثيل التقليدي وتلجأ إلى نظم درامية أخرى تستخدم الوسائطية أساسا لها. إن (تراجيديا endigondia )، لروميو كاستلوتشي، على سبيل المثال، بمثابة نظام درامي، الهدف منه تقديم المأساة الآن وهنا ومن جديد، أي في الزمن والفضاء الذي نتموضع نحن فيه. وقد تألف هذا العرض على مدى ثلاث سنوات وتطور في عشر مدن أوروبية مختلفة، حيث تقدم في كل مدينة حلقة، يتشكل اسمها من الحروف الأولى من أسم المدينة ورقم تسلسلها، كما في العصور القديمة، ولكن هذا العمل يوفر فرصة إضافية من خلال انغلاقه وتكراره المتوالي، وانفتاحه وتوسعه وانتشاره خارج المسرح. ولقد كتبت هذه الحلقات بوصفها عملية درامية في حالة تطور وتكونت ونضجت من خلال مراحل تغييرها وانتقالها من مكان لآخر. يجمع هذا العمل بين فترتين متناقضتين. من جهة، إن (Endognoidia)، تشير إلى حياة البشر البسطاء، التي تضم في ثناياها تعايش الغدد التناسلية، التي تسمح لهم بالتكاثر إلى ما لا نهاية، وفقا لمبدأ الخلود الذي يتطلب التكرار والإنتاج الذاتي المستمر، وبالمقابل، فإن (التراجيديا)، تعني نهاية وموت (البطل)، الذي كان منذ البداية يدمج الموت بالحياة. في اليونان القديمة، كانت الحلقات، جزءا من المأساة التي لا تمثل سوى الوقائع، ومن دون التعليق (الذي كانت تقوم به الجوقة). لقد تخيل المخرج روميو كاستلوتشي في هذا العمل، مأساة دون جوقة، ودون تفسير، أو تعليق على الكلام. وهكذا جاءت حلقات العرض الإحدى عشرة مثل صور نقية، وكذلك الكلام، والخطابات أيضا، وغير منطقية. وهنا يكمن كل المنطق، في الحركة والتغيير، الموجه نحو المستقبل،’وإلى خلق الفكرة وإبداعها. 
ولكن الحلقات هنا، في عمل روميو كاستلوتشي، لا تستلهم نفسها من أسطورة يمكن التعرف عليها. وإن التاريخ والماضي فيه يدخلان حيز المسرح من خلال علاقات غامضة، ومن دون ضمان يحتاج إلى تفسير أو شرح مسبق. في هذا العرض، نحن في مواجهة بداية جديدة، حيث كل شيء يجب أن يعاد اختراعه بطريقة متناسقة. الحلقات غالبا ما تكون مليئة بالشخصيات الأساسية التي تتكرر؛ مليئة بالموضوعات والمفاهيم التراجيدية التي تغذي وعي الجمهور مثلما هو. في العادة، إن النصوص الدرامية تتوقع من المتفرجين سد الفجوات التي تحدثها بين المشاهد واللوحات في المسرح الملحمي، في حين أن نص كلوديا كاستلوتشي أخت روميو كاستلوتشي، يحتفي بهذه الفجوات ويعمل على إلغاء أي عملية إنتاج المعنى في اتجاه واحد.

الماضي على قيد الحياة

إن مرحلة باريس، تمثل الحلقة السادسة لهذا العمل الذي يتوزع في إحدى عشرة حلقة. ولقد شهدنا فيها نوعا من الاستمرار والقطيعة فيما يخص انتظام الشخصيات التي تسكنها والتي من خلالهم نحن كجمهور، بدأنا نرسي ونشكل أفكارنا ولو بشكل قليل. ولكن هذا لم يتحقق أو بالأحرى لم يستمر، لأن الأمر قد بدا لنا كما لو أن تراجيديا Endongonidia، لا تريد ذلك، وتعتزم وضع نهاية للتفكير بمجرد ما نبدأ بتثبيت أقدامنا على شيء ما، مثلما لو أنها تصر على الهرب وبشكل مباغت من المعنى والاتجاه، أو إنها، في نهاية المطاف، تشعر بالحاجة إلى الابتعاد وتجنيب نفسها مبدأ التقليد الأدنى والأكثر صغرا. لهذا السبب، نشاهد في هذه الحلقة، كل ما يحدث من عنف وتسارع، في قوة دافعة تؤدي إلى الصدام، مع صدى الأفعال اللانهائية التي لا تلد سوى الأفكار فقط. نرى صدى الماضي وهو لازال على قيد الحياة، الذي يطالب بمعرفة المعنى الصحيح لهذه الأفكار. إن مرحلة باريس، تفتح أبوابها على شخصيات التاريخ والأسطورة. هذه الشخصيات التي لها اسم واستمرارية وملاحقة خاصة. وقد منح الإخراج في هذا العرض/الحلقة، من خلال اللقطات الكبيرة، ولادة للصوت وجذر اللغة. وإن جميع الشخصيات فيه مجسدة تقريبا، بصورة الأجسام المجروحة، والتعبة، والمعذبة، مثلما نراها تائهة وهائمة على وجهها في عالم دمره فراغ الكلام السياسي، من خلال تفكيك اللغة ودفعها إلى ابعد ما يكون، وتقسيمها وتجزئتها وإحالتها إلى عناصر صوتية- إيقاع، صخب، تشويش، واختراعات صوتية، يتدفق من خلالها المعنى. نلاحظ، إن مشروع روميو كاستلوتشي وفريق عمله يتطور من خلال وحول مسرح الصورة والأحاسيس ويسعى الى تجربة مسرحية مكثفة تتحدى هيمنة النص، وتدمير قواعد المسرح التقليدي. إنه يسعى إلى خلق شكل جديد من أشكال الكتابة المسرحية، حيث المسرح لا يقوم إلا بفعل وإنتاج (الصورة) بانفصاله عن النص. إنه يقدم على الخشبة سلسلة من اللوحات والصور القوية المؤثرة، التي تعتبر مثل مفاتيح، وذلك من خلال استخدامه السرد المجزأ الذي يقدم للمتفرج الكثير حول كيفية الشعور وفك التشفير. إن هذه الحلقة، تبدأ: بمشهد قديم: طفل، غرفة مظلمة، وأم تهمس في أذن طفل صغير قصة رائعة ومرعبة في آن واحد. وهنا، في الظلام، وأثناء دقائق طويلة، تحاول عيون المتفرجين ثقب واختراق ظلال الخشبة، في نفس الوقت الذي تهب فيه رياح قوية، تبدو وكأنها تريد محاكاة وقوع كارثة غير مرئية.

اعادة انتاج العالم

بعد ذلك، تتابع اللوحات بشكل مكثف، فتكشف عن: دخول حصان أبيض على الخشبة بصمت مطبق، وشراشف حمراء وضعت على سرير طفل، ورجل عاري جرد من ملابسه وهو يركع أما الحيوان، رجال يرتدون السواد يقتحمون الغرفة فجأة، يخرجون مباشرة من فيلم أسود. في هذا المعنى، لم يعد المسرح يقلد الواقع، وإن الفن لا يعيد إنتاج وعرض العالم وإنما يعيد خلقه. إن مشروع روميو كاستلوتشي وفريق عمله يجعل اختيارات المسرح الجمالية وفن المحاكاة، في تناقض، بامتياز. وإذا كان عنوان الحلقات (tragedia endogonidia)، الذي يشير ويفسر صراحة، مرجعيته إلى النوع المأساوي، فإنه يجسد إفلاس المجتمع كما يتضح ذلك من غياب وجود الجوقة، التي كانت تقوم في التراجيديات القديمة بوظيفة التعليق على الأحداث وتجميع الناس حول الأمور المهمة، فإنه يترك المتفرج وحده لكي يعطي للصورة المعنى. لقد ذكر برينو تاكيل في الكتاب، الذي كرسه حول عمل روميو كاستلوتشي: (إن ممثلي وفريق عمل روميو كاستلوتشي، قد جسدوا برنامج المنظرين المخرجين الذين كانوا يحلمون بأن يروا على المسرح: كيف يمكن وضع حد للعرض)، مثلما يقول تاكيل برينو. 
إن أعمال روميو كاستلوتشي وفريق عمله المسرحي، في الحقيقة، تطرح العديد من القضايا والتساؤلات الخاصة بالفن المعاصر، من خلال إشاراتها إلى تاريخ الفن، والإيماءات التي يعتمدها الممثلون، وباعتمادهم على مواقف وحالات شخصيات اللوحات، والتكيف مع شكل الخشبة وحدودها الذي يقدم المشاهد المسرحية مثل نوع من الكاميرا المظلمة، ونافذة مفتوحة على العالم الذي يعيد كتابته المخرج.
هذا بالإضافة إلى السينما أيضا، بحيث تبدو بعض الصور وكأنها قد أخذت من أفلام سوداء، وإن المتفرج قد قطع من هذا الذي يشاهد من على الشاشة، كما في الجزء الثاني الذي يدور في سينما قديمة. إن الموضوعات والقضايا التي يتناولها روميو كاستلوتشي والاستخدام التكنولوجي، بمثابة بحوث يقوم بها في مجال النفوذية بين الفنون وتأثيرها وتأثرها ببعضها البعض. وهكذا يصبح المسرح مكانا لالتقاء مختلف الأشكال الفنية التي تعبر عن الاتصال الذي يصيب ويستهدف كل الحواس.

 

 

محمد سيف:

http://www.alquds.co.uk/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *