أخبار عاجلة

مسرح – “زنود الست” كوميديا ساخرة راقصة من وحي أحلام المرأة وخيباتها كوريغرافيا وإدارة فنية لشادي زين على “مسرح مونو”

 

في بال كل صبية، حلمٌ جميل منسوخ من أفلام الحب وصور النجوم وأخبارهم. تصل إلى الزواج وفي فستانها الأبيض زهو ما رصّعته عليه من أوهام جميلة. حبيبة عريسها ومعشوقته، ما إن تعبر عتبة البيت حتى تتخذ الحياة معنى آخر. زوجة في ريعان العمر تسعى أن تنال رضى الذكر بحسن إدارة البيت ومعاملتها له، إلى أن تكشف لها سن اليأس عما وصلت إليه من خيبات وفراغ.

“زنود الست”، كوميديا ساخرة، راقصة، خفيفة في ظاهرها، ماهرة في استدراج خيبات الحياة الملتفة بغشاوة الحلم إلى واقع عار من الأوهام. هي تلك المرأة التي تلتقي بها نساء من كل الأزمنة، بينهن بوح مرّ واعترافات مستترة حين يتحرر القلب السجين بعد زمن من الاحتراق والانتظار، ويهفو إلى علاقة ممنوعة خارج قضبان المنزل، حيث خيبات أخرى تتلقّفها. فهذا الذكر الذي لم يشف غليلها في الحياة الزوجية، ستجد فيه نسخة شاهدة على آمالها الضائعة.
“إمرأة وحدانية” للكاتب الأيطالي داريو فو، هي المسرحية التي قدّمت على خشبة “مسرح مونو” منذ أيام، أداء الممثلة الرائعة خلدون ناصر، تحت عنوان “مرا لوحدا”، بمناخها الدرامي، الفج، القاسي، عادت تتكرر على المسرح نفسه، برؤية مسرحية مختلفة، لابسة خفة الكوميديا ووهج المواقف الساخرة، الظريفة، بقلم كاتبتين لامعتين استخرجتا من المرأة الوحدانية عالماً من الظرافة والمواقف الطريفة على إيقاع الموسيقى وكوريغرافيا وإدارة فنية لشادي زين، تبرز محاسن الأنثى وتطور مسارها القدري في ثلاث نساء لامرأة واحدة، هي أمال.
صبية حالمة تختار الزواج من فادي، حبيبها، المشخّص في ثلاثة رجال. فوفاء حلاوي ومروة خليل أطلقتا للخشبة ضحكة عالية، تضعف من أسى الواقع الأنثوي، من خلال قوة زنود هذه الست التي ترفض قدرها المكتوب منذ سفر التكوين وتسعى إلى التحرر منه بشتى الوسائل. إمرأة داريو فو قتلت لتستريح من صراعاتها اليومية مع قدرها، بينما المرأة في هذه الكوميديا الموسومة بالطرافة، تتمنى لو تقتله من دون التجرؤ على الفعل. لهذه المرأة صوت يكلم جارة وهمية، وجسدا يتفقد جاذبيته وانحلاله مع الزمن في مسرحية “زنود الست”، هذه الحلوى اللذيذة التي تحمل معنى آخر حين نرى في المشهد الأول من المسرحية، زنود هذا الثالوث، يزول عنها القطر والقشدة حالما تصبح زوجة خاضعة له بحسب قوانين الزواج في السرّاء والضرّاء.
على الخشبة ثلاث نساء جميلات، محترفات في التنقل بين مراحل العمر على إيقاع كوريغرافي يتناسق بما شاءته هذه الكوميديا من خفة ومشاهد هزلية تشي على الواقع الأليم أحيانا بسلاسة الحركة وكاريكاتورية التعابير.
مروة خليل، وفاء حلاوي، وباتريسيا نمور، كلمةً واحدة وجسداً واحداً في خدمة أمال بفستان أحمر على قياس حلمها. اما فادي الحبيب الذي يصبح زوجاً، فهو الصامت في المسرحية مجسداً بثلاثة شبان، نعيم رزق وريان أبي فرج وجوني جبور، دعموا الحركة الكوريغرافية بوسامتهم، وأكثر من ذلك، كانوا في الظل يغيّرون الديكور في نقل الكراسي والطاولات من مكان إلى آخر فكيف لا نعترف بفوائد هذا الرجل الذي أرسى وجوده في حياة المرأة فاستندت إليه في الأوقات الحرجة؟
السيناريو قسمته الكاتبتان بلباقة وسرعة البديهة، جملة واحدة تنتقل من أمال رقم واحد إلى أمال رقم إثنين، فثلاثة؛ كأننا نسمع صدى المرأة يتوزّع في أرجاء البيت، حميماً، مسلوخاً من المشاعر الجوّانية فيما لا نعي من الرجل سوى حركته. ألم تُكتب المسرحية لامرأة وحدانية؟
هذا الثالوث النسائي لم يتربع في حميميات فكر أمال وأحلامها الضائعة فحسب، بل كان مشوّقا في إظهار علني للمرأة المثيرة، الفاتنة، نسخة عن راقصات الاستعراض العالميات. بكساء يبرز محاسنهن كانت الموسيقى ترافق غزلهن الأنيق لأجسادهن؛ لوحة تثير فضول كل أنثى، حالمة بأن تكون نجمة وراقصة وعشيقة وصبية فاتنة تعصى أوامر الطبيعة الفتّاكة.
في مرحلة أخرى يكلّمن الجارة الوهمية عن حملهن وآفات الحمل والرضاعة على أجسادهن. الرجل صامت، غير آبه، يحرس البيت عن كثب. فمن غاويات بالحياة، حالمات بالسعادة من خلال إسعاد أزواجهن، بالطبخ والنفخ وإعادة مقادير زنود الست مرات ومرات، إلى الفوز بها كعلامة جيدة من الحماة، التانت روز، هي الحياة تترصّد لأمنيات أمال. الأولاد يكبرون ويرحلون؛ الزوج غائب خارج البيت وداخله؛ والفتاة التي صاغت من الوهم سعادة تستيقظ في سن اليأس على ما ضاع منها، حيث الزهو واللعب بالأوهام ينفجر غضباً وحقداً. لكن المشهد الأخير عناق وقبول بقواعد الحياة القاسية. كل امرأة تغلّ في رجلها؛ صورة تقليدية لزوجين يعبران أمواج الحياة ليلتقيا على شاطئ واحد. صورة معلّقة على جدران الناس.

 

مي منسى

http://newspaper.annahar.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *