{الغناء النجدي» لمحمد العثيم تجربة الأغنية للمسرح وتطبيقاتها

 

يؤكد العثيم من خلال قراءته للغناء النجدي أنه لم يكن بالأمر السهل إدخال الشعر النجدي إلى المسرح، وجاءت بداية هذا المشوار من شرارة قديمة انطلقت من حوار بينه وبين صديقه الكاتب محمد الرطيان، الذي أشار إليه بفكرة إعداد عمل مسرحي يحوي الموروث الغنائي، فقدم محاولات لعرضه {أوبريتياً}، من بينها مسرحية {سوق قبة رشيد} في إحدى دورات مهرجان {الجنادرية}. وعدّد مراحل تنفيذ العمل، بداية بتأليف مسرحيات وإقامة منحنياتها وصورها، ثم كتابة أغانٍ نجدية تتواءم معها وتضفي عليها طابعاً فريداً، مستعيناً بذاكرته في ذلك وبما يحفل به الوجدان من اللهجة النجدية والتراث الشعبي.
يعتبر العثيم أن هذا الكتاب تجربة مقرونة بالتطبيق لكتابة المسرح الغنائي وأشعار من التراث، بلغة المسرح وطقوسه الغنائية التي ترفع الحدث. ووجهة نظر العثيم في هذه التجربة مقرونة بأعمال تطبيقية  مفادها أن الكاتب المسرحي بحاجة إلى قراءة تجارب كتّاب قبله، فكثير من هؤلاء يقتبسون الأغاني جزافاً، فتظهر نشازاً في العمل المسرحي، مع أن بإمكانهم تأليف أغانيهم المسرحية، وتعشيقها بالحدث ليكون بناؤهم المسرحي أكثر تماسكاً، وهذا، وإن كان قليلاً في كتابنا العرب، إلا أنه شائع في كتابات غربية. الخطأ الثاني أن البعض يظن الأوبريت رص أغانٍ مع بعضها، في حين أنه لا حاجة لأغانٍ مكتملة، بل لمقاطع غنائية تنقل حدث الأوبريت، وتعزز المشهد المسرحي الطقسي وتدهش الجمهور.
تجربة شخصية

تتناول إحدى أوراق الكتاب {أسئلة النص المسرحي من تجربة شخصية}، أسئلة اعتبرها الكاتب مهمة في ثقافة النص المسرحي، وقد كتب الجدلية إما من بعض المراجع النقدية العربية والعالمية، أو صيغت من التجربة الخاصة به، وهو استيحاء من حال كاتب بلا مسرح. ولا تحاول الورقة، بأي حال، الإجابة عن أسئلتها، بإصرار مسبق من الكاتب، ولسبب آخر أن طبيعة الورقة بحث علمي. يأتي أول هذه الأسئلة للكاتب من واقع انعدام العلاقة (فرضاً) بين النص الأدبي الثقافي المحلي، وهي فرضية يؤكدها تراكم الإبداع الأدبي النخبوي، البعيد عن التواصل الاجتماعي، كما تبرز الورقة أسئلة أخرى قلقة من جوانب العلاقة بين الشعر والقصة والأغنية كإبداع فردي، أو شبه فردي، لأنها في الحقيقة تمثل ضرورة قاعدية للفن النصي المسرحي بكل ما تعنيه العبارة، وبنفس إشكالية البعد عن النص المسرحي. إذن لماذا لم يستطع النص المسرحي أن يكون رابطاً قوياً بين المعطيات الأدبية الفردية، من خلال أرضية صالحة، لاستيعاب المعطى الإبداعي المحلي في الشعر والقصة، وهو عطاء متفوق في مقاييس النقد العربي؟ وهل ذلك لبعد المعطى الأدبي عن أرض الواقع الاجتماعي في كثير من مقولاته وإيحاءاته، حتى وإن ادعى المبدعون غير ذلك؟ ثم هل العائق في التعاشق بين الأنواع الأدبية السائدة وبين المسرح جاء بفعل ثقافي نخبوي مفروض، أو مفترض على أرض الواقع؟ أم بعائق ثقافي تحكمه خصوصية التواصل، وعدم إمكانية البوح الشخصي الإنساني في مرجعية بيئية لها خصوصيتها الاجتماعية المحافظة؟ أم بعائق لغوي مصطنع يصعب تفعيله في حال الدراما، ومن أمثلته الوزن والقافية أحياناً، أو الإفراط الشديد بغرائب المنبهات السردية الإيجابية والتأويلية، مثل القصة الشاعرية، وبعض شعر التفعيلة الحديث، أو المنشور بصنعة تحكمه كثافة الأداء، ومفردات وجمل الشعر الحر الكثيفة، ثم الإغراق في تكثيف الحدث في القصة القصيرة اعتسافاً على السرد؟
يضيف المؤلف، أنه قد يكون العيب في المسرح نفسه من واقع فقدان الأرضية الثقافية للعرض، حيث لا توجد تجربة تراكمية طويلة، وهو أمر خلق فراغاً في المفاهيم والمصطلحات، وبالتالي أعاق النقد وقيده في دراسة الحالة، ففصل المسرحية كحالة. كذلك ثمة أسئلة أخرى تتعلق بالبيئة ومعطياتها التي لا تخلق استقراراً تنمو فيه الفنون الجماعية، وتصخب في مثل هذه البيئات، أم أن ثقافتنا ثقافة فرسانية وفردية بغرض إثبات الهوية في بحر القبيلة، أو العشيرة؟ وتأتي أسئلة أخرى عن القيم الاجتماعية في علاقة المرأة والرجل، لتثري حوار أدبيات لغة المسرح الإنسانية، مع التأكيد على فارق هام في نظرية المسرح، بصفته طقساً مفعلاً خارج حالات السرد الدرامي التي اختطها المحدثون، لإرضاء نزعة الدراما التلفزيونية والإذاعية.

تحليل وتطبيق

الكتاب الذي بين أيدينا قسمه العثيم إلى ثلاثة فصول، في الفصل الأول يتناول تحليل تاريخ المسرح السعودي والحديث عن نشأته وأهم المحطات التي تخللت هذه النشأة، وأسئلة في النص المسرحي يطرحها العثيم من خلال تجربته الشخصية، وتجربته المسرحية، ويتحدث عن تفاصيلها ومراحلها ومنهجه في التجربة المسرحية، وعن نصوصه المسرحية. ويتناول العثيم في هذا الفصل أيضاً مفهوم تجربته: ما هو النص المسرحي؟
أما الفصل الثاني فجاء تحت عنوان {تطبيقات المسرح الغنائي}، وضمنه لوحتين مسرحيتين: الأولى أوبريت {من أين جاء الوطن}، والثاني {سوق قبة رشيد}. الفصل الثالث وضع فيه العثيم بعض أغانيه التطبيقية، من بينها: المسرى، محلكم بالقلب، ذكرتك والقمر بادي، مرحوم، تزهى على سنيني، سرى الليل، حب وصداقة وغيرها. كذلك تضمن مسرحية {السهل والجبل} لمحمد العثيم، وأغاني التطبيق للمسرحية، ومسرحية {ليالي في الربع الخالي}، وأغاني تطبيقية لها.

{محلكم بالقلب}

إحدى أغاني العثيم يقول فيها:

محلكم بالقلب يا شاكي الحال                      حالي عقب فرقاك تصعب على القول
ودي أقول اللي عن الحب ينقال                  من طاوي الأشواق حول عقب حول
شفت الهوى بالعين يا من على البال            وأظن بعيوني من الشوق مجدول
وأشوف علتنا عليها الدهر طال                 نخفي تباريحه وبنا خوف مجهول

{ذكرتك والقمر بادي}

أغنية من الكتاب جاء فيها:

ذكرتك والقمر بادي وليل الحب له حادي             وقلت للزين ما يدري ولو يدري شكى وأشتاق
على درب الرجى حادي هوانا يالغضي غادي      ومن يرجع على درب الهوى يلقى هوى وأشواق
تعيد نجومنا السيرة لأيام على الوادي           زهى فيها الربيع وأشرقت شمس الضحى باشعاق
نسينا الهم يوم الله سقانا وارتوى الصادي      وينسى الهم من يلقى لعلة خاطرة ترياق

 

 

عبدالله أحمد

 

http://www.aljarida.com/


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.