«الواوية».. صرخة أم في وجه الحــروب

 

 

 

كما كانت مسرحية «الأم شجاعة» معبرة تماما عن المرحلة التي كتبت فيها، والتي كتبها وترلود بريشت بعد الحرب، تأتي مسرحية «الواوية» المأخوذة عنها للمخرج ناجي صوراتي، كمرآة للمرحلة الراهنة. هذا العمل المسرحي الذي عرض، أول من أمس، على مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون في دبي، يمثل صرخة في وجه الحرب والانتهازيين المدافعين عنها، فالواوية، التي لعبت دورها نضال الاشقر، امرأة شجاعة تجر عربتها وسط الخراب والحروب لجني الاموال وكي تعيل أولادها. تحمل هذه المرأة اللازمنية هموم أوطاننا العربية بطريقة غير مباشرة، فتقودنا عبر أسماء أولادها، «القدس» و«دمشق» و«بغداد»، إلى بقعة جغرافية يصبغها لون الدم والحروب الطائفية.

إخراج معاصر

يحمل المخرج اللبناني ناجي صوراتي رؤية جديدة في الإخراج، تقوم على جعل المسرح معاصراً وبعيداً عن الكلاسيكية، وتعرف تجربته المسرحية بما يسمه «مسرح الهاوية»، كونه يعتمد الديكورات التي تظهر الممثل وكأنه يصل الى الهاوية،وعلى الممثل أن يتدرب جيداً على الأداء. يحاضر في الفنون والإخراج في الجامعة اللبنانية الاميركية، وقدم مجموعة من الأعمال المسرحية، كان أبرزها، «ذرة رمل في عين الشمس»، للكاتب ايتيل عدنان، و«تقاسيم عراكية».

 

تتعزز الحبكة الخاصة بالمسرحية والدهشة التي تثيرها من خلال التجول عبر الأزمنة في الفضاء المسرحي، وبين الضوء والظلمة، والحرب والسلم، والفرح والحزن. تعيدنا «الواوية» إلى ماضيها حين تروي كيف انجبت اولادها، وكيف أطلقت عليهم اسماء المدن، ثم تبدو مثقلة بالهموم الشخصية.

تصعد نضال الأشقر على المسرح مع تاريخها العريق، تأخذك بصوتها الجهوري، وحضورها المتألق إلى عالم الناس الذين يقودهم الجشع الى المتاجرة بكل ما يتاح لهم، حتى الأوطان، فالمتاجرة بالحرب متاجرة بالوطن. الجملة الأولى في المسرحية هي مفتاح الأحداث، وهي الرسالة الحقيقية للعمل، تصرخ الواوية وهي تتحدث مع ابنها دمشق، الذي لعب دوره خالد العبدالله «وقتها الآن تنتهي الحرب، وقته الآن يقع السلم». هذه المرأة ترى أن الحرب وحدها يمكنها أن تولد النظام، فهي تعيش من الخراب ومن خلاله تجمع أموالها، تشترى البضائع بأسعار رخيصة، ثم تبيعها بأسعار عالية. المسرحية لا تبرز الجانب الحقيقي لتجارة الواوية، فهي تتاجر بأي شيء وبكل شيء، تنادي «معنا صحون وأكواب وفناجين»، في حين نجد أحدهم يفاصلها على قمصان الجنود والرصاص والأسلحة.

المقارنة بين مسرحية «الأم شجاعة» ومسرحية «الواوية» لن تكون منصفة، فالأولى قدمها بريشت لـ27 شخصية، ومدتها ساعتان ونصف الساعة، في حين اتت «الواوية» مختلفة تماماً، حيث اكتفى صوراتي بخمس شخصيات على المسرح، الام وأولادها إلى جانب محرك الدمى الذي تحدث باسم الشخصيات الأخرى. وكان حضور خالد العبدالله، الذي لعب دور دمشق، لافتاً في الغناء والحكم التي يقولها، والذي جمع كلامه بين ما قدم في «الأم شجاعة» ونصوص ابن عربي. في حين تمحور دورا عبد قبيسي وعلي الحوت على العزف الموسيقي، وعبرا من خلال عزفهما عن الحرف التي تفقد المنطقية لكل الامور، فحتى الآلات الموسيقية تصدر أصواتاً غير اصواتها، بينما كان هادي دعيبس يحرك الدمى ويقدم كلام الشخصيات جميعا. هذه الاستعانة بالدمى في مسرح الكبار، أكسبت العمل صبغة معاصرة، جعل صوراتي متمكناً من الامساك بعناصر العمل الذي لا يتمحور حول الممثل فحسب.

تتعزز الحبكة الخاصة بالمسرحية والدهشة التي تثيرها من خلال التجول عبر الازمنة في الفضاء المسرحي، وبين الضوء والظلمة، والحرب والسلم، والفرح والحزن. تعيدنا الواوية الى ماضيها حين تروي كيف أنجبت أولادها، وكيف أطلقت عليهم اسماء المدن، ثم تبدو مثقلة بالهموم الشخصية، لا تلتفت كثيراً إلى الهموم الوطنية والقضايا الملحة، فهي تبتعد عن الشعارات الرنانة. المرأة التي تحمل اسم الواوية تدلل على القوة، لكنها في حقيقة الامر قوة هشة تتعرض للانكسار أكثر من مرة، فالحرب التي تدافع عن ديمومتها تسلبها أمومتها حينما تأخذ منها اولادها، فيخطف ولدها القدس اولا، ثم حين تحاول إنقاذه بالمساومة على عربتها، تأخذها المساومة التي لا تريدها أن تسبب لها الخسائر ويقضى على ولدها، ثم يؤخذ ولدها بغداد إلى الحرب، ويقتل في الحرب، وبعدها لا يبقى لها سوى دمشق الابن، الذي رافق امه تمثيلياً في المسرحية، فهو الضرير الذي يتمكن من رؤية ما لا يراه الناس، وجدناه يمسك يدي امه ويسير إلأى الأمام وهي خلفه، تخسره الواوية بعد أن يدق ناقوس الحرب بصوته. هذا الموت الذي أحاط الواوية ليس إلا الموت المتفاقم في مجتمعنا وواقعنا، لكنها اكتفت بالصمت عليه قليلاً ثم العودة الى متابعة حياتها.

يكسر العرض كلاسيكية المسرح من خلال عوامل عدة، بدءاً من الديكور القائم على السلالم لتجسيد السكة والعربة، ثم الاضاءة، في حين تأتي الموسيقى الركيزة الاساسية للعمل، لاسيما من خلال دمج المقامات الشرقية لتبدو أقرب إلى الاوبرالية، لاسيما مع العزف المباشر، ما جعلنا امام سينوغرافيا حية. هذه الموسيقى التي استخدمت المقامات الشرقية بأسلوب جديد، ظهرت مع مجموعة من الأغاني التي قدمها خالد العبدالله، لاسيما أغنية «سلمى يا سلامة»، فقد أضحت أغنية جديدة ومختلفة، هذا الغناء الذي ميز دور خالد، قدم نضال الأشقر مغنية أيضاً، فقدمت بعض الاغنيات مع ابنها، ومنها «البنت الشلبية»، و«طليلك طلة»، إلى جانب أغنية «بلاد العرب أوطاني» التي رددتها أكثر من مرة. وقد أدت نضال الاغنيات بصوت مسرحي، ثم قامت بالرقص، هذا الجمع بين التمثيل والرقص والغناء، جعلها تثبت أنها ليست رقماً عادياً في العمل المسرحي. هذا العرض الذي أعاد نضال الاشقر إلى المسرح كممثلة يختتم بعد أن تقوم بإزاحة كل السلالم لإعادة تشكيل مسارها، لتختم كل ما راكمته الحرب بداخلها عبر السنوات.

كتابة الواقع

 

كتب نص مسرحية «الأم شجاعة» الكاتب الالماني برتولد بريشت، وهو أهم كتب المسرح العالمي في القرن الـ20. وقد عمل على كتابة نص الواوية الكاتب ايلي أضباشي، الذي انتقل من خلال هذا العمل من عالم الصورة السينمائية والتصوير الى الكتابة. وقد أعلن أن هذا العمل كان من بين الأعمال التي وضعها على جدوله منذ زمن بعيد. وعمل اضباشي على كتابة النص بعدما قدم صوراتي النص المقتضب له والمقطع بطريقة جديدة، فأتى شديد الالتصاق بالواقع الراهن، كما أن الكتابة أتت متشابكة مع الاخراج، فوضعت الكثير من العناصر الاخراجية قبل أن يكتب النص.

 

 

  • ديانا أيوب – دبي

http://www.emaratalyoum.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *