‘الأشياء تتداعى’… ولعنة المسرح

 

خشبة المسرح مكان له حرمته، قداسته، وجاذبيته. خاب من لم يرمقه بهذه النظرة، ويموضعه تحت وطأة هذا القدر الجليل، معتبرا إياه متنفس لحواديت لا تتلاءم معه، ولا تواكب حيويته، غير متفقة مع نضارة يمنحها طواعية لممثليه، إن وهبوه هم في البداية ما يوقد توهجه، ويحل شفراته وأحاجيه.
حينها، تنلقب خشبة المسرح إلى لعنة، توئد تحتها صناع العمل، ومن قبلهم حكايتهم منزوعة الروح والحياة، والتي اقتحمت المسرح عنوة، بغير الوجاهة والهندمة الكافية التي يتطلبها هذا المكان، إنه العدل الذي يتأتى في وقته وحينه، وبغير أي تدخل آدمي يتطوع ليُفسد المعطوب من الأساس.
وهكذا تعاملت خشبة المسرح مع عرض ‘الأشياء تتداعى’، العرض الذي سبق وعرض في مهرجان ساقية الصاوي العاشر، وقد تم عرضه حاليا ضمن عروض مهرجان المسرح العربي في مركز الهناجر للفنون في دار الأوبرا المصرية. ‘الأشياء تتداعى’ مستوحى من رواية للكاتب النيجيري ‘تشينو كينو اتشي’ والتي تنتمي إلى الأدب الأفريقي المعاصر، واختارت فرقة أفريكان أن تُعيد تقديمها من خلال عرض مسرحي.

إشكالية الفكرة

تدور فكرة عرض ‘الأشياء تتداعى’ حول قرية أموفيا التي تتعرض لهجوم القوات البريطانية، كواحدة من القبائل الأفريقية المهددة بالإبادة كسابقتها، ويبقى الصراع الذي يجيش في صدر أهلها حوال التسليم والإذعان أو المقاومة حتى الموت. هذا الصراع على وجه الخصوص، يعد قالبا رمزيا قويا، له مشروعيته في التناول والمعالجة أكثر من مرة، ومنه تأتي قوة الفكرة بأكملها، بخلاف مفرادتها وأجوائها المختلفة والتي كان من الممكن أن تعد من مصادر أهمية العرض، ولكن وفقا للطريقة التي تم تقديمه بها، إنقلبت هذه الميزة إلى نقطة ضعف واضحة، احتسبت ضد الحكاية التي قُدمت على خشبة المسرح ولم تجيئ في صف دعمها ومساندتها.
مشكلة عرض ‘الأشياء تتداعى’، أنه لم يطلق لهذه الفكرة التي اختار أن يُقدمها عنوانها، بل أصر على تقديمها في شكلها الأفريقي الأصلي البحت، ويتجاهل لبّ مضمونها لحساب شكلياتها، ولأنه من المستحيل أن يتم طرح صورتها بالأناقة الكافية التي تليق، تأرجح العرض بأكمله على سلم الخيبة، فلم ينل إطراء يمكنه من رمزية الحدوتة، ولم يتحصل على الإشادة بإتقانه تنفيذها حرفيا بكل ما تحويه من مظهر .

سقطات المعالجة

ثمة الكثير مما يمكن قوله حول إخفاق هذه المعالجة المسرحية، فهي في تشبثها بضرورة نقل الأجواء الأفريقية كما جاءت في الرواية، بدت كرتونية تدعو للرثاء، فعلى سبيل المثال نجد الإصرار على اللجوء إلى اللهجة الأفريقية، على الرغم من أنه في النهاية اكتفى ببعض الجمل منها ومن ثم استمرأ في استخدام اللهجة العامية، والحقيقة وعلى الرغم من اختيار المخرج أحمد عصام وتصميمه على معايشة بيئة الرواية بنفس مفرداتها، إلا أنه قد سمح لممثليه ارتجال بعض الإيفيهات التي تسخر من اللكنة الأفريقية التي استخدمت في بعض المواضع في العرض. إذا، فهو الهزل بعينه، الهزل في صورته القميئة المخزية، فمن أين (دوشت) جمهورك باصطناع الجدّ المفرط في التماس هذه الأجواء ببدائيتها ومن أين تسمح بسخافات مماثلة.
وتعددت السقطات النابعة من النقطة ذاتها، والتي تتمحور حول إشكالية الفقر في تصوير هذه البيئة كما هي، فجاءت الإستعراضات على نفس المنوال، الملابس، الديكور، حتى استخدام الموسيقى.
نحن لسنا بصدد صناعة فيلم أمريكي، سيقوم شطر لا يتجزأ منه لحساب إبهار جمهوره بمحاكاة عصر تاريخي آخر. 
وفي المسرح بالذات، يذيع صيت اللجوء لهذه المعالجات الآتية من أزمنة أخرى، بينما تلحق بها المعالجة لتقدم توازنا بديلا، يوجه الأنظار نحو المضمون والمراد قوله، يبقى الحدث هو موضع الإهتمام، ولا يتبدى المجهود الخارق في الحفاظ على الشكليات كما برز في أفق هذا العرض البائس، الذي في حرصه الواضح صوب هذه النقطة، حوّل أنظار جمهوره إليها ولفت انتباههم إلى مدى فقرها وعدميتها.
سقطة أخرى ألمّت بالمعالجة، على مبعدة من النقطة السابقة، وهي الكيفية التي تم تقديم بها السيدة المسنة الوحيدة التي تبقت من شعب أومفيا بعد المذبحة القديمة، والتي ظهرت فيها هذه الجدة العجوز وحفيدها في بداية العرض بصورة كوميدية لا تتماشى أبدا مع هيبة الحكاية بأكملها، مما يدعو المتفرج مع بدء سرد الحدوتة القديمة للتصادم بشكل سلبي بين هذه الحالة القاتمة المغايرة التي ينقله إليها العرض فجأة بعدما استمات منذ دقائق قليلة في إضحاكه بشكل مبتذل.

مشهد خارج السياق

في غمار هذه الفوضوية التي أغرقت العرض، جاء أحد المشاهد على مستوى مختلف تماما من التنفيذ، هو الوحيد الذي احترم هيبة المكان، وعمل وفقا لقداسته، فخرج بصورة متميزة، وكأنه حالة مستقلة مثلت في حدّ ذاتها إطلالة مكثفة. 
وهو المشهد الذي تم فيه تصويرالإحتدام بين قائد القوات البريطانية والأب في الكنيسة، بالتوازي مع مناقشة كبير القبيلة وأخيه حينما كان يعرض عليه التسليم والإذعان، وفيه انقسم المسرح إلى جهتين فاعلتين، إحداهما أقصى اليمين (الأب، ورئيس القوات) والأخرى أقصى اليسار (كبير القبيلة وأخوه)..
وعلى درجة ملفتة من الوعي، أجاد المخرج أحمد عصام تفعيل كل العناصر المسرحية في إطار هذا الطرح المختصر، فأتقن مزج الحوار مع تكنيك الحركة بالتبادل بين المناقشتين في الوقت ذاته، ليقطتع جملة حوار أحدهم مسكتملا إياها بجملة أخرى تجاريها في القيمة والمعنى من النقاش الموازي، لتلتئم الفكرة ويحتد وقع المناظرة، أثناء لحظات أخرى، يتواجه فيها شكليا وجماليا كل من كبير القبيلة ورئيس القوات ـ وهما القوى الفاعلة في المناقشة في الناحيتين ـ أمام بعضهما من دون رؤية كل منهما الفعلية للآخر.
ولو كان مستوى العمل على تناول العرض بأكمله، بقدر الجهد الذي ترائى للمتفرج في هذا المشهد، لانتقل هذا العرض إلى منزلة أخرى تماما، تضعه في موضع خاص وسط الإنتاج المسرحي بشكل عام.

لعنة المسرح

اللعنة التي قابل بها المسرح الإخفاقات التي قدمها عرض ‘الأشياء تتداعى’ فوق خشبته، لم تكن فقط في عدم توفيق تقنيات الصوت والإضاءة بشكل يدعو للنفور والتأفف، وإنما تصاعد إلى حالة أعمّ وأشمل، بدت فيها الكادرات المسرحية مفككة، مقبضة، وقاتمة. لا تملك أي حضور، وتبقى غير ذات فاعلية وأثر، وكأن كل ممثل انغلق على نفسه، وكل ديالوج لا يرتبط بما سبقه ولا ما يليه بأي صلة. حينها ينفصل الجمهور ذاته عن المتابعة، ويصبح على مسافة واسعة من هذه الحكاية التي لم تملك هوية، والتي اختار أصحابها لها هذا المصير القاسي.
ونهاية، القسوة في الكلمة مطلوبة، ولا علاقة لها بإنكار نيّة جديّة في تقديم ماهو يستحق الإشادة.

‘ كاتبة مصرية

 

 

إسراء إمام

http://www.alquds.co.uk/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *