أخبار عاجلة

مريم سلطان: «أبـو الفنون» لا يؤمـن خبزاً لأبنائه

36 عاماً على خشبة المسرح، ولاتزال الفنانة مريم سلطان تصعد إليها، وتؤدي أدواراً تسند إليها بتفان وإخلاص تامين، تستجيب لتوجيهات مخرجين شباب بمهنية شديدة، ودقة متناهية، تأتي قبل الجميع إلى المسرح في التمارين وقبل العروض، وفي كل مرة يبدو كأنها لأول مرة تصعد إليه، من فرط تركيزها وسعيها إلى التألق، لكن كل هذا لا يوازي قلقها الإيجابي عندما تكون بصدد عمل يمثل الدولة في المشاركات الخارجية، سواء كانت مشاركة فيه، أو داعمة له.

 

 

نجلاء الشحي: دليلة الخطوة الأولى

بشكل تلقائي اقتربت الكاتبة الإماراتية نجلاء الشحي بدفء من الفنانة القديرة مريم سلطان، أثناء التقاط صورة تجمعهما في كواليس مهرجان دبي لمسرح الشباب، الذي يكرّم سلطان على مجمل عطائها للخشبة الإماراتية باختيارها شخصية العام.

الشحي استعادت ذكرياتها مع «أم المسرحيين»، محيلة إلى أكثر من مرحلة من مراحل حياتها، مضيفة «صادفت أم المسرحيين للمرة الأولى في أول احتكاك لي بعالم الدراما التلفزيونية، لتكون دليلة الخطوة الأولى لطالبة متدربة في كواليس مسلسل من إنتاج تلفزيون دبي وإخراج نجدت انزور هو (مرمر زماني)، وعندما انتهيت من دراسة الفنون المسرحية في القاهرة وعدت إلى الإمارات كان أول مشروع أقوم به هو عملي مساعد مخرج مع الفنان حبيب غلوم في أوبريت (الأم)، الذي لم تكن تؤديه سوى الفنانة التي هي بالفعل أم للمسرحيين الإماراتيين».

«جدايل الدر» كان محطة أخرى للقاء الشحي بسلطان، وتضيف نجلاء «مريم سلطان ليست فقط أماً للمسرحيين، بل هي عطاء فني خصب، وقيمة فنية تؤشر إلى أصالة الانتماء للخشبة الإماراتية، لذلك لم أتردد ككاتبة سيناريو في ترشيحها لمسلسل (فريج) الذي أخرجه على مدار أجزاء متعددة محمد سعيد حارب، وبالفعل شكل وجودها في العمل إضافة فنية ومعنوية كبيرة».

اختيار مهرجان دبي للشباب في دورته السادسة، التي اختتمت مساء أول من أمس بحفل إعلان الجوائز، مريم سلطان شخصية العام يمثل بالنسبة لها رمزية شديدة الأهمية، فهؤلاء الصاعدون إلى المسرح هم جيل الأحفاد بالنسبة لسلطان، التي لايزال يناديها مسرحيون معروفون على الساحة بلقب «أمي»، ما يعني أن بذور العطاء التي لاتزال تزرعها منذ بداية ارتباطها بالمسرح عام 1976 لاتزال تؤتي ثمارها، لأنه على حد تعبيرها «صنائع المعروف على الخشبة لا يضيعها واقع الحياة».

القريب من مريم سلطان التي ترى أن امتهان «أبوالفنون» في الإمارات لا يؤمن الخبز لأبنائه، يدرك أنها ليست في أحسن حالاتها النفسية خلال السنوات الأخيرة، فيظن أنها تعيش إحباط الفنان حينما يشعر بأن عطاءه الفني ربما يبقى غير مقدر خارج الخشبة، بمعنى غياب التكريم المعنوي على الأقل، لكن الأمر بالنسبة لمريم مختلف تماماً، ويبقى مرهوناً لديها كلما علمت أن ثمة من ينازعها في اللقب، ورغم أنها تنأى بنفسها عن حصر الأمر في اسم بعينه، إلا أن الأمر لا يتعلق بغير فنانة وحيدة هنا هي الفنانة القديرة موزة المزروعي.

عطاء

رغم أن مريم سلطان تؤكد أنها ليست هي أولى الصاعدات إلى خشبة المسرح الإماراتي من السيدات، وأن التاريخ يسجل هذا الشرف للفنانة موزة المزروعي، لكنها تؤكد أن عطاءها للخشبة، وارتباطها بالفنانين الإماراتيين، وتواترهم على مخاطبتها بـ«أمي»، مدفوعين بمشاعر حقيقية، هو ما منحها هذا اللقب، فضلاً عن اختيارها منذ عقود من قبل الراحل صقر الرشود بالفعل لمنحها هذا الشرف.

وتقول «هناك حرج وصعوبة بالغان في أن أتحدث أو أدافع عن واقع يسجله التاريخ، لكن على الأقل اسألوا المسرحيين الإماراتيين أنفسهم، فالأبناء البارون لا يجحدون أو يجاملون، اسألوهم من هي أم المسرحيين، قبل أن يقوم أشخاص بعد كل هذه العقود بسلبي لقب هو أهم وأغلى ما منحتني إياه الخشبة الإماراتية».

ومع أن الفنانة التي تجاوزت عامها الـ،63 قد سبق لها منذ سنوات قليلة اتخاذ قرار اعتزال الخشبة بناء على نصيحة الأطباء، إلا أن الحنين إليها جعلها لا تقف طويلاً عند تلك النصيحة، وعادت إليها بنشاط ملحوظ، بل إنها كانت مرافقة دائمة للكثير من الفرق المسرحية خلال مشاركاتها الخارجية لتمثيل الإمارات، وهو ما تعقب بصدده لـ«الإمارات اليوم»: «كما جذبني ألق الخشبة منذ 36 عاماً فإن هذا الألق لايزال يجذبني بعد كل تلك السنوات، حتى وإن كان الأمر مرهوناً بعدم سلامة الجسد».

عودة الروح

تضيف سلطان «أشعر بأن صراعاً كئيباً بداخلي عندما أبتعد عن الخشبة، صراع ليس بنّاء كصراع الشخصيات المتألق الذي نعرفه في المسرح، وعندما أعود إليها أشعر بأن هناك انسجاماً غريباً بين أعضائي، وكأن الروح عادت لتسري في أوصالي من جديد».

لا تهم أي معاناة مادية مع جماليات هذه المسيرة التي ستجد فيها بكل تأكيد كثيراً من الحب، حتى لو قل الخبز، على حد تعبير سلطان، التي لاتزال تنصح الفنانين من الأجيال الصاعدة بألا يهجروا الخشبة في لحظة يصلون فيها إلى حقيقة أنها غير كفيلة بأن تؤمّن لهم ولأسرهم حياة كريمة على الصعيد المادي، وتتابع «الخشبة الإماراتية بالفعل لا تؤمن الخبز لأبنائها، لكنها أفرزت فناً حقيقياً مرتبطاً بواقعه ومجتمعه، وعلاقة العشق الشديدة التي ربطت بين الفنان وخشبته هنا أفرزت حباً وعطاء يستحقان أن يبذل الفنان من أجلهما الكثير من دون أن يظن أن ثمة عمراً أو حياة تمر هنا من دون مقابل».

الفنانة المسرحية القديرة التي يلقبها القريبون منها أيضاً بـ«أم عادل» تتذكر مرحلة مبكرة من تاريخ المسرح الإماراتي في السبعينات من القرن الماضي، فتقول «المسرح المحلي في بداياته كان يقوم بالأساس على الجهد التطوعي، لذلك كنا في كثير من الأحيان نعتمد على مواردنا الذاتية المحدودة للخروج بعمل جيد، ففي الوقت الذي كان يوكل إليّ فريق المسرحية تدبير الاكسسوارات والملابس التي كنت أقوم بخياطتها على مدار أيام طويلة قبل بدء التمارين المسرحية، كان كثير من المخرجين يجمعون بين فنون الإضاءة والديكور، وهو ما أفرز تالياً مجموعة من المخرجين شديدي التمكن من أدواتهم على المسرح، كما أنني لم أكن أخجل من أن أقوم بشكل متواتر بإعداد الطعام في منزلي وجلبه إلى زملائي في المسرح، في ظل عدم وجود ميزانية إنتاجية لهذا الأمر، مدفوعة هنا بمشاعر أمومة في المقام الأول».

مريم سلطان التي برزت في العشرات من الأعمال المسرحية، منها «هارون الرشيد في القرن العشرين» و«شمس النهار» و«الفخ» و«درس من الزمن» و«هالشكل يا زعفران» و«مأساة أبوالفضل» و«رأس المملوك جابر» و«بدون عنوان» و«عرسان عرايس»، وغيرها، وشاركت في الكثير من الأعمال التلفزيونية القديمة والحديثة، ترى أن التلفزيون غير قادر على التقاط وتحليل الحقائق إلا عبر زاوية فنية وحيدة، في حين أن المسرح ينقل إلى المشاهد عالماً كاملاً يحمل الحياة والصراع والأمل في آن واحد».


لا عتاب

بسؤال مريم سلطان عن همسة عتاب تهمس بها في أذن شباب المسرح الإماراتي، في هذا المرحلة، بعد أن شاهدت عروض المهرجان كاملة، قالت «أم المسرحيين»، التي تحرص على متابعة كل الندوات التطبيقية بعد العرض بتركيز شديد، إن «الشباب في 2012 لهم ظروفهم، وأمامهم تحديدات كثيرة، فهم يتحملون الكثير من الانتقاد، رغم أنهم يعملون في ظروف صعبة، لذلك هم بحاجة الآن إلى المساندة والدعم، أكثر من العتاب والإحباط». وطالبت من يتصدون لانتقاد الأعمال الشبابية بالابتعاد عن النقد الهدام الذي قد يؤدي إلى الاحباط، أو الدفع إلى هجر المسرح، مضيفة «كم من مواهب هجرت الخشبة بسبب تثبيط الهمم، وغياب المحفزات، لذلك فدعوتي هي مزيد من المراهنة على هذا الجيل الذي يمتلك بالفعل الكثير من المقومات، والقادر على التعبير عن قضاياه وقضايا المجتمع، لأنه الأكثر التصاقاً بها».


عبدالله صالح: حنونة وصارمة

في حين ذكرت الفنانة مريم سلطان الفنان عبدالله صالح بمحبته الدائمة للطرب والموسيقى، وإلحاحه على أنه مطرب أكثر منه ممثلاً، عاد هو لتذكيرها بحزمها الشديد في دفع من حولها إلى الالتزام على المسرح، والوفاء بمقتضيات مهام كل شخص، سواء كان فني صوت، أو فني إضاءة، أو ممثلا، وغير ذلك.

وأضاف صالح «مريم سلطان مزيج نادر في الجمع بين دفء مشاعر الأم والشقيقة الكبرى، وبين الفنانة الغيورة على العمل المسرحي، لكن اللافت أن عطاء مريم سلطان لم يكن ليقف عند أفراد أو حتى فرقة مسرحية بعينها، لذلك فهي أم المسرحيين».


سالم باليوحة: عطاؤها ممتد

قال مدير المشروعات في هيئة دبي للثقافة والفنون سالم باليوحة، إن «المهرجان يسعى دائماً لتقديم شهادة شكر وعرفان لكل من أسهم في إثراء المسرح الإماراتي عموماً، ومد يد العون لجيل الشباب خصوصاً»، مشيراً إلى قيمة عطاء الفنانة مريم سلطان الممتد على مدار عقود وإخلاصها للخشبة».

يذكر أن الفنانة مريم سلطان التي تم منحها درعاً تقديرية قام بتسليمها إياها سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون في مستهل المهرجان، مشغولة حالياً بالإعداد لعرض مسرحية «بومحيوس في المجلس الوطني»، في دبا الفجيرة، كما أنها مرتبطة بتصوير عدد من المسلسلات، والأفلام القصيرة التي قام بإعدادها مخرجون شباب، بعد أن شاركت خلال المرحلة الأخيرة في مسلسلات عدة، منها «الداية»، و«حظ يا نصيب»، و«ريح الشمال»، وغيرها.

المصدر:

    محمد عبدالمقصود – دبي

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.