“التكامل الفني في العرض المسرحي”..المفاهيم الجمالية في المسرح الروسي(1-2)

 

تنتمي هذه الدراسة إلى تلك المجموعة الكبيرة من المؤلفات المسرحية التي تعنى بالعرض المسرحي وكيفية عمل المخرج ، ذلك المؤلف (ألكسي بوبوف) هو مخرج روسي معروف يمتلك العديد من التجارب المسرحية  التي يشير إليها في هذا الكتاب ، مستفيدا من تجربته العملية لتكون نماذج تطبيقية لآرائه النظرية ، فضلا عن إفادته من تجارب أبرز المخرجين في روسيا ابتداءً من (ستانسلافسكي ، دانشنكو، فاختانكوف ، شولوخوف .. وآخرين ) .وتكمن أهمية كتاب (التكامل الفني في العرض المسرحي) في أن المؤلف لم يعمل على تناول تجارب المخرجين وآليات عمل كل منهم ، بل اتجه في صياغة أفكاره إلى تبني أبرز العناصر التي يعتمد العرض المسرحي عليها من أجل تحقيق التكامل الفني ، وعلى الرغم من أن هذه الدراسة تناولت الكثير من التفصيلات الضرورية للمشتغلين في حقل التجربة الإخراجية ، إلا أن المؤلف اختار الكشف عن أبرز المعوقات التي تصادف المخرج في عمله ، وتقديم  الحلول الناجعة لها ، وبذلك يمكن أن نطلق تسمية (تجريبي) على هذا الكتاب ، بمعنى أن هذه الدراسة تتناول أبرز المعوقات التي تصادف المخرج في عمله وتقدم مقترحات يمكن للمخرج أن يكتشف من خلالها حلوله الخاصة التي قد تختلف عن طروحات المؤلف إلا أنها في النهاية تكون خارجة من رحمها ، وفي إشارة ذكية من المترجم إلى خصوصية الإخراج عند بوبوف  يقول (شريف شاكر ) ” يتميز أسلوب الإخراج لدى بوبوف بالاهتمام الشديد بالإنسان وما ينبثق عن هذا الاهتمام من اعتراف بأهمية الممثل الرئيسية في العرض المسرحي فالممثل في رأي بوبوف هو الذي يوصل المضمون الأصيل للمؤلف الدرامي وبدونه يفرغ كل شيء على خشبة المسرح” (1) .
ويعد الممثل في مسرح  (بوبوف)  عنصراً فاعلاً حتى أنه كان يعمل على نقل الاهتمام بالممثل إلى طلبته من المخرجين الشباب قائلاً لأحدهم ” لقد انطلقت في لوحاتك التحضيرية من المنصة والألواح الخشبية ، أما الإنسان – الممثل فقد نسيته.. في حين أن الإنسان هو الذي سوف يعطي صداه في هذا الوضع ، فإما أن ينسجم أو يدخل في تضاد معه ، لاوجود للعبقرية بعيداً عن حب الإنسان ” (2), فضلا عن ذلك فإن (بوبوف) كان معتمداً على نحو واضح على أسلوب ستانسلافسكي ، وربما لايبدو ذلك اكتشافا بما ان الكتاب يعتمد على دراسة  تجارب المسرح الروسي فحسب ، وقد اعتبر (بوبوف) ” أن المعاناة النفسية شرط حتمي في الفن ، (إن مدرستنا خاصة بنا ، إنها تقمص الممثل للشخصية على أساس المعاناة ) ثم يضيف (ويالها من مدرسة صعبة تتطلب احتراقا دائماً وتضلعاً بالتكنيك الأكثر صعوبة) “(3).
لقد اختار (بوبوف) الغوص في تلك التصنيفات التي قد تبدو مألوفة للقارئ  والمعني بالفن المسرحي ، والعمل على تفكيك تلك العناصر التي تؤسس فن العرض المسرحي ابتداء من الفكر الذي يتشكل في وعي المخرج وانتهاء بالجمهور الذي هو مصدر الفاعلية الأساسي في الإنتاج المسرحي ، وفي قراءته للمخرج فإنه لا يغادر المنطقة الأكثر أهمية في المسرح الروسي إلا وهي تجربة (ستانسلافسكي) ومعه (دانشنكو) الذي يبدو ان التأريخ الفني قد ظلمه ، وأضفى عليه صفة التابع للموهبة الكبيرة (ستانسلافسكي) .. وقد تكون هذه الفرضية مقتصرة على المسرح الناطق باللغة العربية فحسب ، ذلك أن هذا المسرح يعتمد على مايبوح به المترجمون ، لذلك فإن الأهمية ترتبط بما يصل إلينا من معارف وليس كما هي عليه ، لذلك فإن (بوبوف)  يكشف في كتابه هذا عن إمكانات (دانشنكو) الإخراجية ، لاسيما في تصنيفه الثلاثي الذي يؤكد فيه على أن ” للمخرج وجوه  ثلاث – المخرج المفسر ، وهو عندما يري المخرج الممثل كيفية أداء الدور ، لهذا يمكن أن نطلق عليه أسم المخرج – الممثل ، أو المخرج المربي ، و- المخرج – المرآة – العاكسة لسمات الممثل الشخصية ، و – المخرج المنظم – ينظم العرض المسرحي”(4).
إن الوجوه الثلاثة التي يؤطرها (دانشنكو) والتي يجب ان يكون المخرج منسجماً مع احدها أو اكثر ، تجعلنا نتذكر طروحات المخرج الروسي (تفستناغوف) حول خصوصية المؤلف الدرامي الذي قسمه إلى ثلاث فئات، الأولى: وفيها من يكتب نصوصاً تعالج الظواهر والأحداث التأريخية الكبيرة وتصور حياة الشخصيات المشهورة، والثانية: وفيها من يكتب نصوصاً بهدف زيادة رصيد الشباك ورواج السوق وغالباً ماتخلو تلك النصوص من المعايير الفنية، والثالثة : وفيها من يكتب نصوصاً مفرطة في التعليمية أو مفرطة في التأدب النخبوي وهي نصوص خاسرة.
ويعطي (بوبوف) خصوصية لكل شكل من أشكال المخرج الثلاث التي قدمها (دانشنكو) والتي يؤكد فيها على علاقة المخرج بالممثل وفي إحدى العبارات التي يحب (دانشنكو) أن يذكرها دائما   يقول “على المخرج أن يموت في الممثل”(5), الأمر الذي يجعل من الممثل في كثير من الأحيان نسخة عن المخرج ، وبالطبع فإن تلك الطريقة تمتلك عناصر إيجابية وأخرى سلبية ، كشفت عنها التجارب اللاحقة  التي جاءت في عروض (ستانسلافسكي) الاندماجية .
وفي إشارة إلى المخرج الآخر ألا وهو (المخرج المرآة) ، فإن (بوبوف ) يقول ” إن اهم ما يجب أن يتمتع به المخرج – المرآة هو الإحساس بشخصية الممثل الذاتية ، كي يتابع باستمرار مقدار انعكاس خطة الكاتب والمخرج فيه، ولمعرفة مايلائمه  منها وما لايلائمه ، وفي أي اتجاه ينزع إليه خياله الإبداعي، وإلى أي حد يمكن الإصرار على هذه أو تلك من المهمات التمثيلية”(6) ، وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من المخرجين في التعامل مع الممثل إلا انه في النهاية يقتص من حرية الممثل الإبداعية في اكتشاف الشخصية ، ذلك ان المخرج يضع الممثل في إطار هلامي يقيد قدرته التي تتحدد بخيال المؤلف والمخرج ، ولا تخرج عنها.
أما النوع الثالث من الإخراج هو(المخرج المنظم) “و يدخل في اختصاص المخرج المنظم جميع عناصر العرض المسرحي ، وفي مقدمة هذه العناصر إبداع الممثل ، الذي يجب ان ينسجم مع بقية العناصر في كل واحد متكامل “(7) وأعتقد ان هذا النوع من الإخراج هو الأكثر تفاعلا مع العرض المسرحي الذي يشمل منظومة متكاملة من العناصر التي يكون الممثل احدها وليس  بمعزل عنها .
فضلا عن ذلك فإن (بوبوف) يقدم مفهومين يعتقد أنهما ” يقضيان على إبداع الفنان، هما الطبيعية والشكلية، إن الفنان الطبيعي يصور ما يطوف على السطح ، محررا نفسه من عبء التعمق في مادة الحياة(…) أما الفنان الشكلي فهو يتبع مبدأ الفن للفن منحرفاً عن مبادئ الواقعية الخلاقة بطرق ولأسباب مختلفة”(8) .
ينطلق (بوبوف) من مفهوم الواقعية التي تبناها (ستانسلافسكي) التي سنلاحظ حضورها بشكل واضح في تضاعيف هذا الكتاب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، الأمر الذي يبدو فيه (بوبوف) منسجماً مع (الواقعية النفسية) دون غيرها من الأساليب الإخراجية ، وسوف نلاحظ على سبيل المثال لا الحصر عدم ورود أي إشارة إلى تجارب (مايرخولد) في الإخراج ، ويعود ذلك إلى تعارضه مع واقعية (ستانسلافسكي) ، ونزوحه نحو مفهوم مختلف في المسرح .
ومن هذا المنطلق فإن جميع الآراء التي يطلقها (بوبوف) تكون منسجمة مع طروحات (ستانسلافسكي) ، كما في الجزء المتعلق (بالهدف الأعلى وخط الفعل المتصل )  الذي اعتمد فيه على مقولات (ستانسلافسكي) حصراً بقوله : ” إن المخرج الكبير يرى في الهدف الأعلى قدرة خاصة على استقطاب مختلف القوى والأهداف والأفعال في المسرحية، وان كل مالا يرتبط بهذا الهدف الرئيسي هو زائد ومعيق للفعل الدرامي”(9).
وفي موضع آخر فإن (بوبوف)  يعمد إلى طرح  واحد  من الأسئلة التي طالما شغلت المعنيين بالعرض المسرحي ” بماذا تختلف شاعرية المخرج عن شاعرية الكاتب المسرحي؟”(10) ونعتقد ان الاختلاف يكمن في آليات اشتغال كل منهما ،ذلك ان العناصر التي يعمل المؤلف عليها  من أجل إنجاز فكرته إلى المتلقي أو القارئ تختلف عن تلك التي يعمل المخرج على توظيفها في العرض المسرحي .
أما (بوبوف)  فإنه يقدم إجابة مغايرة ” إن الاختلاف الجوهري يكمن في أن خيال الكاتب المسرحي الخالق للمسرحية إنما ينطلق من أحداث وشخصيات الواقع نفسه ، أما خيال المخرج والممثل الإبداعي فيلتهب عن التقاء انطباعين اثنين ، المسرحية المقروءة من جهة ، والذكريات الانفعالية المعيشة من جهة أخرى، إن الباعث لهذه الذكريات  والمشاعر هو المسرحية التي نقرؤها ، بيد ان المخرج يرى عرضه المسرحي المقبل أيضاً كما يرى المؤلف مسرحيته من قبل ان تكتب”(11)، وبذلك فإن كلاً من المخرج والمؤلف يتوافقان في أنهما يشاهدان المسرحية قبل ان تكتب أو تقدم بوصفها عرضاً مسرحياً، إلا أن تلك الإجابة تقتصر على نوع محدد من أنواع التعاطي مع النص الدرامي ألا وهو المحافظة على أفكار المؤلف، ولم يعد المسرح يتكئ عليه ،حيث جاءت الرؤية الإخراجية لتكون بديلاً فكرياً وجمالياً عن أفكار المؤلف التي سطرها في النص الدرامي ، وإلا لماذا يبقى شكسبير حيا حتى اليوم ؟

 

صميم حسب الله

http://www.almadapaper.net/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.