رامي عبد الرازق يكتب: جماليات النص وتجليات الواقع في عروض المسرح المصري

 

على سبيل المثال وليس الحصر نستطيع بنظرة عين طائر يمر سريعا فوق خشبات المسرح خلال الفترة الماضية أن نلاحظ انطلاق عدد لا بأس به من العروض الهامة من واقع أرضيات نصية شهيرة ومتباينة الأزمنة والتوجهات والسياقات الفكرية والشعرية على حد سواء.

فالمتابع أو المتفرج الحريص يستطيع أن يعدد أسماء عروض مثل ..”رئيس جمهورية نفسه”إعداد وإخراج سامح بسيوني عن نص”الدخان”لميخائيل رومان،لفرقة المسرح الحديث،”المحاكمة”إعداد وإخراج طارق الدويري عن نص”ميراث الريح”تأليف جيرون لورانس،لفرقة المسرح القومي،”فراجيل”إعداد محمد فهيم وأمير صلاح الدين ،وإخراج أمير صلاح الدين، عن لوحات من النص الفرنسي”لوحات معفرته” لرولان ديبيار،لفرقة مركز الإبداع الفني، و”محصلش”معالجة ياسر أبو العينين، وإخراج عمرو قابيل عن النص الكوميدي الشهير”سجاناريل”لموليير،لفرقة المسرح الكوميدي،”اللي بنى #مصر”إعداد وإخراج إسلام إمام،عن نص الكاتب د. محسن مصيلحي،لفرقة مسرح الشباب،وجميعها من إنتاج فرق تابعة لمسرح الدولة.

من واقع تلك العروض التي تتباين في مستواها الفني في أغلب العناصر المسرحية بداية من الإعداد والإخراج ومرورا بالديكورات والملابس والإضاءة، ووصولا إلى التمثيل والغناء والموسيقى، تتحرك التقييمات ما بين النضج الشديد، والحساسية البصرية والإيقاعية الراقية، وبين الضحالة الكاملة ، وخسوف النص على الخشبة.

ولكن لا يتوقف الرصد هنا عند حدود المقارنات التقليدية ما بين النص والعرض، أو ما بين عرض وآخر، على اعتبار إن كلاهما ينطلق من مساحة نص كلاسيكي أو شهير، ولكننا عبر السياق التالي نحاول أن نطرح تساؤلا لا يبحث عن إجابة بقدر ما يهتم بتأطير بعض ملامح عملية الأقتباس أو الاستلهام التي أفرزت هذه العروض خلال الشهور المسرحية الأخيرة.

والتساؤل الذي نطرحه باختصار.. هو أيهم يمنح للآخر قيمته؟! .. فهل يضيف النص سواء في متنه الأصلي، أو في شكله المسرحي بما يحتويه من تفاصيل متطابقة-مع الواقع-إلى هذا الواقع ومعطياته!  ،..أم يكتسب النص من الواقع الحالي قيمته الفكرية والمعنوية وعمقه النفسي والذهني المطلوب!

الأجابة ليست بديهية كما يظن البعض، فالعلاقة بين جماليات النص وتجليات الواقع هي علاقة جدلية مركبة، والمسرحي ذو الحساسية الدرامية هو فقط الذي يستطيع توظيف هذه العلاقة لا أن يقع أسيرا لشكلانيتها فيغلبه أحد الطرفين، فقد يعلو عليه صوت النص فلا يتيح لأفكاره الظهور وقد يستدرجه صخب الواقع فيبدو شاذا أو خطابيا دخيلا على جينات النص الأصلية.

لا توجد بالطبع قواعد حاكمة للاقتباس أو الريبرتوار أو الاستلهام،  ولكن بدون أن يعيد المسرحي إنتاج النص مضافا إليه ثراء الواقع الحالي وتماسه الشعوري والفكري مع المتلقي من خلال التفاصيل المعاشة والأزمات الحاصلة فأنه يظل مستترا عن الإجابة المنطقية التي يبحث عنها المتلقي حين يقرر الأستغراق في مشاهدة عرض مأخوذ عن نص شهير مسرحي كان أو روائي أو حتى سينمائي.

كذلك فأن من الظلم اعتبار لجوء المسرحيين إلى النصوص المعروفة مجرد إرتكان على عناصر درامية او قوالب سابقة التجهيز كل ما تحتاجه هو ممثلين وديكورات فوق الخشبة، ولكن يمكن الجزم بأنه لو لم يعثر المسرحي في كل نص يقدمه على المفارقة التاريخية التي تصلح للتعبير عن وجهة نظرة فيما هو”هنا والآن” ،فإنه لا يفعل سوى إنه يفسر الماء بعد الجهد بالماء.

نستطيع أن نطابق تلك الآراء النظرية على أرضية عروض مثل”المحاكمة” للدويري و”اللي بني #مصر”لإسلام أمام، وبعضا منها في”رئيس جمهورية نفسه”لبسيوني، بينما يعتبر عرض”محصلش”النموذج العكسي تماما لها، حيث مع كل ما توافر له من إمكانيات النص الأصلي وعناصر الصورة الجيدة، لم يتمكن من أجتياز عتبة الواقع في مفهومه الأشمل بما يعني واقع الجمهور النفسي والفكري والمعنوي، وتحول إلى مجرد ثرثرة سخيفة تعنى بالعابر من الإفيهات، بدلا من تركيزها على المقيم من الأفكار الإنسانية عابرة الأزمنة، والتي كان موليير حريصا عليها عبر أسلوبه المعروف بكوميديا سوء الفهم، وكم من نصوص قوية أفسدتها المعالجات الهشة والركيكة.

ويقودنا الحديث عن”محصلش” إلى أزمة المعالجة الحوارية السوقية للنص بحجة أنها جسر التمصير ما بين النص والعرض، حيث إنها تعاملت بخفة زائدة مع السياق الفكري والدرامي لموليير، فأضرت بالأساس المسرحي للعمل، فدراما موليير التي تعتمد على مواقف سوء الفهم والخلط والشك والتصور الخاطئ-وعلى عكس ما يتصور البعض إنها مفتعلة-تحتاج إلى معالجة جادة ولا نقصد متجهمة ولكن دقيقة ومحكمة ورصينة مهما كانت طريفة حتى لا تبدو المواقف هزلية أكثر من اللازم، وتافهة تدعو المتفرج للنفور وليس التفكر وتدبر ما يعكسه النص عليه من انفعالات.

هنا لا يمكن إغفال عنصر هام، وهو التأكيد على أن الشكل هو المسئول عن تحديد مدى قوة المضمون، وهو الذي يبرز الملامح الأساسية لهذا المضمون من الزواية التي يرى صانع العرض إنها الأنسب لفكره ومشاعره ،وما يقدمه للجمهور من مساحة للانفعال والتلقي، وعندما ينهض عرض ما على أكتاف نص مسرحي معروف فإن التحدي الأساسي بالنسبة لصناعه هو الانطلاق من ميزات النص الأصلي إلى أفق أكثر أتساعا في الرؤية والطرح، حتى لو حافظ العرض على نفس تفاصيل أو أحداث النص الأصلي.

وهو ما نراه متجليا في عرض”المحاكمة”للدويري حيث أختار المخرج شكلا بصريا يعتمد على أساليب سينمائية واضحة منها ما قام به المخرج من استغلال لعنصر المساحة الدائرة الواسعة التي تمثل بدن الخشبة الأساسي بمحاولة استحضار روح اللقطة السينمائية متعددة الزوايا من أجل أن يجعلنا نفكر في أكثر من زاوية للموضوع طالما إن فكرة النص بالأساس قائمة على الدافع عن التفكير الإنساني الحر من كل الزاويا مقابل الجمود الروحي الذي يختصر افق العالم الواسع في نصوص مقدسة لا يؤخذ ولا يرد عليها.

هنا لا يصبح مستغربا أن يرد ذكر تفاصيل قريبة الشبة بل ومتطابقة بين النص والواقع، ولو أن المخرج ليس لديه وجهة نظر في تقديم النص عبر سياقات الواقع المعاش لما تصدى له من الأساس.

الميزة الأخرى التي نراها حاضرة في مجموعة العروض الأخيرة تلك باستثناء “محصلش” هو أن الكثير من المسرحيين الجادين يحاولان استكمال”النص”بالواقع والمتلقي عبر”العرض”وهو أحد الميزات التي يولدها الاعتماد على نصوص شهيرة، فالنص الحي لا يكتمل بالعرض ولكن بالمتلقي في لحظته التاريخية والواقعية الخاصة والتي تجعله في سياق فكري ووجداني واحد مع كل المتلقين الذين شاهدوا العمل منذ خروجه للنور في المرة الأولى، سواء قبل سنوات أو قبل قرون ،كل على اختلاف زمنه ومجتمعه، وتلك هي أحد ميزات الفن بجدارة فهو لا يجمع البشر في حزمة المشاعر والأذهان فقط ولكن في سلة التاريخ أيضا، فالفن نشاط إنساني عابر للقارات والأزمنة.

وهو ما يحضرنا بوضوح في”اللي بنى #مصر” و”رئيس جمهورية نفسه” فالأول يتحرك فيه “طلعت حرب”، عبر شوارع المحروسة ما بعد يناير 2011 والثاني يختصر أربعين عاما من الانهيار الاجتماعي في عملية قص ولزق زمنية اعتبارية تجعلنا نشعر أن دخان ميخائيل رومان الستيناتي ،حيث قدم النص لأول مرة، ينطلق من سيجارة حشيش لشاب يسمع أغنية مهرجانات في حي عشوائي عقب انتهاء العقد الأول من الألفية الجديدة.

وهي من أكثر المفارقات وضوحا والتي أبرزها إعادة تقديم النصوص الكلاسيكية، فالأوضاع على سوئها في الماضي-كما تتجلى في النصوص-لم تتغير، بل ربما ذادت سوءا من ذي قبل، وهذا معناه أن المجتمع في تراجع مستمر نحو الطرف الأسفل من منحنى الجرس الذي يقيم به الفلاسفة وعلماء الاقتصاد مستويات علو وانحدار المجتمعات الإنسانية.

ومن هنا يمكن أن نجيب على تساؤل تقليدي جدا .. وهو ما الذي يشجع أي مخرج على إعادة تقديم نص كلاسيكي؟

باختصار فأنه أحيانا كثيرة يكون النص المكتوب قبل سنوات عديدة والذي يقدم نقد اجتماعي أوسياسي أو فلسفي للعصر”البائد”،يمكن ببساطة تقديمه الآن بنفس آليات الانتقاد والسخرية ،مع اختلاف بعض التفاصيل ليس لأن التاريخ يعيد نفسه ،بل لأن النظم السياسية والحضارية الحاكمة لم تتغير في آلياتها وبعضها لم”يبيد”، بل تغير لونه فقط أو أسماء رموزه.

فحجم الفشل والفساد والتردي الذي شاهده طلعت حرب في #مصر عند كتابة مصيلحي للنص في المرة الأولى لم يختلف بل ذاد عما شاهده الباشا في عرض إسلام امام بعد ثورة يناير، وعندما كتب “جيرون لورانس” نصه الشهير منتقدا العلاقة ما بين الفكر الحر واحتكار الرب، لم يكن في باله جماعات الإسلام السياسي، والأمر بالمعروف ولكن تجليات الواقع هي التي أعادت إفراز جماليات تلك النصوص عبر وجدان المتلقي في سياق العروض التي وفق صناعها في العثور على شفرة الحاضر المخبأة في داخلها.

وبالمناسبة فمن السهل على المخرج أن يقدم لنا النص في شكله الكلاسيكي المعتاد طالما أن الفكرة قوية بما فيه الكفاية والحاجة المجتمعية والسياسية لمثل هذه العروض ،الكفيلة بأن تجعل شرائح من الجمهور يصفقون لمجرد اختيار نص كهذا في توقيت سياسي حرج ودقيق كالذي نعيشه، ولكنه الواقع المعاش الذي يفرض نفسه على روح النص مما يجعل أصالته الحقيقية تبرز من سياق الآني خاصة على المستوى البصري ونقصد به عناصر الملابس والديكور والموسيقى، التي بالطبع تأتي مخالفة لأزياء، وديكورات ،وتيمات الحقبة، أو الحقب التي قدم خلالها النص من قبل.

http://www.misrday.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.