مسرحية بيتي توتل في متاهة الحرب والهوية

 

كيف يحمي اللبنانيّ نفسه من الوضع السياسي المتأزم بعد كلّ تفجير؟ هل الهجرة هي الحلّ؟ تعالج مسرحية «جواز سفر رقم 10452» لبيتي توتل (تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً) التي قُدّمت على خشبة مسرح مونو، مسألة ثبات الهوية، وما يطرأ عليها من تبدّلات مع التطور المتلاحق للأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في لبنان، البلد الذي تمرّس الانعتاق من الألم والموت بعد حروب طويلة عاشها. ويبدو أن الموضوع المُلِحّ في هذا العرض، هو «الانتماء» في لبنان، حيث تعاني أُمّ (الممثلة بيتي توتل) من إلحاح ابنها ذي السنوات التسع، ورغبته في الحصول على جنسية أخرى كبقية أصدقائه في المدرسة، إذ إنّ نسيج المجتمع اللبناني، وعبر خوضه حروباً طويلة، قد وجد المنفذ الذي يُخرِجُه من أزمات لبنان السياسية، وهو إيجاد وطن بديل يُلجَأ إليه عند الضرورة أو اقتراب خطر الموت، وبهذا يحمي اللبنانيون أبناءهم، وإن كانت غالبيتهم تعود بحنين لا يُحتمَل.

اعتمدت المسرحية على تضخيم الجانب المظلم في الواقع، إذ يمكن القول إنّ عرض «جواز سفر رقم 10452» هو عرض كوميديّ فقط، لولا المونولوغات القاتمة التي أدلت بها الممثلة – الأم، ويبدو أن الشخصية الأخرى، وهي الأب (هاغوب ديرغوغاسيان)، قد وُضِعت تكلّفاً، لا سيما مع غياب الشخصية الثالثة، وهي الابن عمر، عن الخشبة، إذ عمدت الممثلة إلى مخاطبة الغائب، والدخول في إيماءات وجوده أمامها، لكنّ الطفل يظهر في نهاية العرض، في مشهد سينمائيّ قصير، عندما يتقرّر أن العائلة ستهاجر أخيراً إلى كندا، ويدور الصراع لدى الأم، حول رغبتها الدفينة في الهجرة والحصول على الجنسية الكندية، وإقناع الزوج بهذا الخيار.

وكان يمكن العرض أن يكون مونودراما ناجحة، إلا أن توتل قرّرت وضْع شخصية الزوج كمراقب رصين لهواجس الأم، وكقامع صارم لمشاعر الضجر والخوف التي تعانيها الشخصية الأنثوية بعد كل تفجير. يبدو الزوج الصامت، الذي يشاهد التلفاز على نحوٍ هستيري، مؤمناً بحتمية الرحيل المادي على نحو مختلف، أي أنه يرى أن ما من ضرورة للانتقال، فالأعمار بيد مانحها، وعلى رغم أن هذه النقطة لا تتوضح في الحوار، إلا أنها تخرج مُبطّنة، ومُلتحِقة بالعجز الاقتصادي الذي يلاحق الزوج، عجز يُبرّره بإنجازات قليلة أمام الزوجة، كما يظهر، عندما يشتري لها سيارة جديدة، في حين تحلم هي بدراجة هوائية تقودها في صقيع المكان الكندي.

ساعة ونصف الساعة من المشاهد الكوميدية المحبوكة بخفة، تَخللها تَرهّل ما، عندما تستطرد الأم في التفاصيل الحياتية، ومشاعر الحسرة على ما آل إليه وطنها. وكان يمكن تقليص مدة العرض، وإعادة بناء النص دراماتورجياً لتُجلَى خاتمتُه بتضارُب المشاعر بين الانتماء، والرغبة في التحرر من الخوف. ويظهر مناخ النص الذي قُدِّم في مهرجان «العالم العربي» في مونتريال، كما لو أنه مُرتهَن بتوقف التصاعد الدراميّ كلما بدأ، عندما تصرخ الأم مطالبة بحل يُخرِج ابنها عمر من مأزق المستقبل الضبابي، إذ تسكت الأم أو يتمّ إسكاتها من المحيط الواقعي، فخيار الهجرة ليس سهلاً تنفيذه قانونياً. وتعرض المخرجة على الشاشة التي وُضِعتْ في منتصف المسرح، حالات من الخداع قامت بها بعض الجهات مُستغلة تَوْق الجميع إلى الهجرة، إذ تظهر مذيعة الأخبار بمظهر جِدي، لكنه مُخيّب، عندما تستأنف نشرتها بخبر العثور على قردة صغيرة ضجّ الغرب عليها حينما ضاعت. وتعرض المخرجة أيضاً مشاهدَ من انفجار الأشرفية المُروِّع الذي حدث العام الماضي، في ساعة من ساعات الذروة والتحرُّك البشري، وترافق مع وقت خروج المدارس، إنه القاتل الذي يحوم بثقل يده على عنق بريئة، لا ذنب لها، سوى أنها كانت في مكان التفجير.

أضحكت توتل جمهورها، إلا أنها لم تستطع أن تختتم بما يريحه مسرحياً، لا سيما أنها تعالج قضية تُؤرّق الجمهور ذاته، فسؤالها: أين من الممكن أن يقع الانفجار التالي؟ وكم هو قريبٌ الموت؟ يعني أن الخطر قريب، وهو خطر زمنيّ مُركَّب، ومدموج بين الخوف اللحظي الواقعي، والخوف المسرحي المُفترَض، والمُتّكئ على شكله التوثيقي المسرحي. إنّ النهاية كانت في مكان ذاتي، من صراع الأم الداخلي، إذ لم ينتقل هذا الصراع إلى شكله العام، لينتج مقولة صادمة، وربما حدث ذلك بسبب كون زمن المسرحية هو زمن حدوث مآسي التفجيرات نفسه، ولكنْ كان على المشهد الأخير أن يكون رشيقاً في جُمَلِه، وحاسماً، ليمنح قليلاً من المعالجة السيكودرامية، حتى لو كانت كوميدية فقط

 

بيروت – رنا زيد

http://alhayat.com/


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.