الإضاءة المسرحية .. ذاكرة لا تنام

على خشبة المسرح الدائري، في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، لطالما وقف فنان الإضاءة ماهر هربش يدرس كلّ زواياها، ليرسم بتصميماته فضاءات مضيئة تلائم بأبعادها وألوانها ما تمّ تقديمه من مسرحيات لأسماء برزت في المسرح السوري في الآونة الأخيرة، حتى

بات واحداً من أشهر مصممي الإضاءة المسرحية في سوريا، ولعله الوحيد الذي درسها دراسةً أكاديمية إلى جانب دراسته للدراما المسرحية.

 

من خلال مسيرته المهنية كمصمم إضاءة ورئيس قسم التقنيات المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، أثبت ماهر هربش أن الإضاءة المسرحية فن بحدّ ذاته، يمكنها أن تقول ما لا يستطيع الممثل قوله على الخشبة. فقد أبدع بابتكاره رؤية ضوئية تساوت مع الحركة والكلمة في مسرحيات درامية وأخرى راقصة، وحتى في افتتاح مهرجانات المسرح والسينما وغيرها، وأصبح للظلمة على خشبته وقعٌ دراميّ يعبّر عن مشهدٍ ما، يجسّد حدثاً ما.

إلا أنه يؤكّد: “في رأيي، لا يمكن لأي عنصر في العمل المسرحي أن يكون بطلاً. فالمسرح هو عمل جماعي، تعمل عناصره مع بعضها البعض في تفاعل هارموني، ليصبح العرض هو ذاته البطل”.

• دراسة أكاديمية

نبدأ الحديث عن ماهر هربش منذ أن كان طالباً يدرس في قسم النقد المسرحي في المعهد، عندما عمل كمنفذ إضاءة في إحدى العروض المسرحية، وبعد ما أنهى دراسته في السنة الرابعة، توجّه بناءً على معدله، إلى فرنسا حاصلاً على منحة دراسية في اختصاص الإضاءة المسرحية لمدة سنة، ركّزت على تعليمه الجانب التقني أكثر من الجانب الفني، الشيء الذي جعله دائم البحث والتفكير، يحاول أن يربط المعلومات التقنية بالرؤى الدرامية التي درسها مسبقاً، إذ رأى أن لا شيء على خشبة المسرح يمكن أن يكون مجانياً.

ويقول: “كنت باللاشعور أتساءل وقتها: لماذا نضع هذا اللون؟ لماذا نختار هذه الزاوية كمصدرٍ للضوء؟.. وهكذا ومن دون قصد ربطت دراستي للدراما بالضوء”.

بعد العودة إلى دمشق مباشرةً عام 1996، يبيّن لنا هربش مدى قلقه من كونه لم يعرف أن يحدّد إذا ما كان قادراً، لوحده، على تصميم إضاءة عرض مسرحي، من الألف إلى الياء، إلا أنه اكتشف قدرته فعلاً في حفل مدرسة الباليه السنوي “كسارة البندق”.

“أقول الآن بصراحة أن الخوف وقتها كان كبيراً. لكنه لم يمنعني من البدء بالعمل.. فقمت بتصميم إضاءة العرض من دون أية فذلكة معتمداً أولاً وأخيراً على إحساسي الجمالي بالمشاهد المقدّمة، حيث أنه عرض راقص لا يعتمد بشكلٍ واسع على الدراما. وقد فوجئت بعد انتهاء العرض بآراء الجمهور الذين أعجبوا بالإضاءة، خاصةً من الاختصاصيين الدراسين للمسرح والممارسين له، ما فتح لي المجال لاكتشاف قدرتي على تناول عرض درامي خالص، كان بعنوان (جنكيز خان) من إخراج مانويل جيجي وتمثيل غسان مسعود”.

• للإضاءة المسرحية وظائف

مع مرور الوقت، ارتبط اسم ماهر هربش بافتتاح عدة مهرجانات على المستوى المحلي والعربي، فمن ملتقى أطفال العرب التاسع، إلى مهرجان دمشق السينمائي إلى مهرجان الفجيرة للمونودراما، الشيء الذي جعلنا نسأله عن الفرق بين تصميم الإضاءة لعمل درامي وتصميمه لآخر له طابع احتفالي استعراضي، من وجهة نظره كفنان إضاءة، ويجيب:

“افتتاح المهرجانات هي عروض تعتمد على الفرجة وإبهار الجمهور، من هنا فإن المصمم يعتمد على الوظيفة الجمالية للإضاءة، ويغنيها على مستوى اللون وتوزيع مصادر الضوء. أما العروض الدرامية، فتحتاج منا لدراسة مغايرة، حيث ترتبط معايير اللون والحركات الضوئية فيها، ارتباطاً عضوياً بالدراما. أي أن للإضاءة فيها وظيفة درامية تستوجب أن تكون موظفة بشكل دلالي ومنطقي إلى جانب كونها جميلة ودلالية”.

• خبرة في كتاب

يحاول هربش، أن يضع ثقافته في فن إضاءة المسرحيات الدرامية، إلى جانب خبرته العملية ودراسته الأكاديمية لها، في كتابٍ لا يزال يعمل على إنجازه حتى اللحظة، وهو بعنوان “الإضاءة المسرحية” يشير إلى أنه يتضمن عدة محاور تستعرض عملية التصميم من النص إلى العرض مع دراسة الألوان. أولها تاريخي يتحدث عن تاريخ الاضاءة في المسرح من اليونان وحتى العصر الحديث بكل ما مر على هذا العنصر من تطور إن كان على المستوى الصناعي والاكتشافات الخاصة بالكهرباء والمصابيح إلى التطور الذي رافق هذه الاكتشافات على مستوى الكتابة، فقد صرنا نلاحظ أن الكتاب صاروا يتأثرون في نصوصهم بالتقنيات الحديثة، ما جعلهم أكثر حرية في تعدد الأمكنة والأزمنة.

في حين يتناول المحور الثاني الجانب التقني المختص بشرح كل المفردات التقنية التي تنتج الإضاءة، مثل استعراض الأجهزة وآلية عملها، بالإضافة إلى الشبكات المسرحية، يصوّر المحور الثالث الجانب الفني لعملية تصميم الإضاءة وعلاقة المصمم مع العناصر الأخرى من أزياء وديكور وممثلين وحتى علاقته مع مخرج العرض.

• علاقة إشكالية

بالحديث عن هذه العلاقة، وباعتبار أنها إشكالية، إذ تربط المصمم بالمخرج ضمن صلاحيات غير واضحة الحدود، يبدو من الطبيعي أن ثمة مشاكل ستحدث نتيجة لاختلاف في بعض الآراء والتصميمات، وعندما سألنا ماهر هربش عن الحل من خلال رؤيته المهنية ومسيرته العملية، أجاب: “أحاول أن أقنعه بوجهة نظري وإن لم يقتنع أقوم بتنفيذ الرؤيتين على الخشبة ـ أي رؤيتي ورؤيته ـ ليختار واحدة، وفي الحقيقية غالباً ما يكون الحق معي وباعترافه لأني أفهم أن الإضاءة لا يمكن أن تشرح وإنما تشاهد بالعين”.

ويضيف: “هي فعلا علاقة إشكالية إلا أن هذه الإشكالية تنتهي عندما يكون المخرج واعياً لدوره ولدور فريقه، أما عندما يكون جاهلاً فثمة مأزق حتماً، ستنعكس أبعاده بشكلٍ سلبي على العرض”.

• بعيداً عن دمشق

يعيش ماهر هربش اليوم في إمارة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، ومن خلال موقعه أشرف على عدة ورشات مسرحية مختصة بفن الإضاءة، آخرها ورشة “جماليات الإضاءة المسرحية” في معهد الشارقة للفنون المسرحية. كما أنهى منذ أيام تصميمه لأوبريت “لؤلؤة الشرق” في افتتاح مهرجان المونودراما الدولي 2014.

ولعلّ ارتباطه الروحي والحميمي بدمشق، وبالتحديد بتلك الخشبة المستديرة في المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث كان دائم التدريب والابتكار هناك، دفعنا إلى سؤاله: أليس في ذاكرتك من حنين إلى ذلك المكان؟

وكان الجواب وبكل اختصار: “بعض من دمي.. حتى في النوم.. هناك ذاكرة لا تنام”.

 

 

بقلم: رضاب فيصل

http://www.middle-east-online.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *