جنّة… يا وطنّـا؟

تعتلي المسرح ثلاث نساء. يقفن على خشبة تتوسطه، كأنها مسرح مصغَّر داخله. ينظرن إلى الأفق ويبدأن الغناء. يشكلن كورساً يسردن فيه أحداثاً شخصية وسياسية وعامة. يروينها بعاطفة الأنثى التي همّش دورها ولا يزال. تعمَّد مخرجا عرض «جنة جنة جنة»، جنيد سري الدين

وعمر أبي عازار، اختيار المرأة لتروي التاريخ. فالنظرة السائدة لتاريخنا تصنف ضمن انتصارات وهزائم. تتجاهل العنصر الإنساني في الحدث. تعبّر عنه كرقم، جُرح أو قُتل، هُجّر أو خُطف أو سُجن. أما النساء فيروينه بذاكرة عاطفية. تقدم الممثلات الثلاث أنفسهن بصفتهن الشخصية: لميا أبي عازار (٣٥ سنة)، مايا زبيب (٣٢ سنة)، ودانيا حمود (٣٢ سنة). يتقاطع تاريخ ميلادهن بين الماضي والحاضر. يؤكدن على الدوامة التي يكرر التاريخ فيها نفسه. ولدت لميا تحت القصف وأصوات القنابل. احتفلت دانيا بعيدها الأول في الملجأ. تعلمت مايا من جدتها غناء نشيد أميركا الوطني بعدما سافرت إلى هناك. تتناوب الفتيات على سرد قصصهن. تروي واحدة وتقف الاثنتان لتساعدا في رسم صورة الذكرى وإيقاع لا يتوقف. فالتاريخ الأساسي هو الأحداث الشخصية في حياتنا التي ترتبط بالأحداث العامة كما تعبّر لميا. كلما تعتلي الخشبة لأداء هذا العرض تحديدا، تجدد فيه حادثة آنية كأنها تستعاد من الماضي. تمسك دانيا شعرها بيديها لترينا كيف كانت تسريحة شعرها في عيدها العاشر. تغني لميا ومايا أغنية عيد الميلاد بلحن سريع وحيوي. يضحك الجمهور. تدرك أنها من قصة شخصية جداً تتحدث عن أناس آخرين تشبه قصصهم ما روته. يلفّ الغرفة، حيث مسرح فرقة زقاق الحميم، شعور بالألفة يضم الجمهور والممثلين، مصدره خاصية الذاكرة الجماعية كما تراها دانيا. تترك الأحداث المأساوية حرقة تتحول حافزاً لنقوم بالتغيير أو المحاولة على الأقل. تؤمن مايا بدور المسرح في التوعية والمساحة التي يمنحها للتعبير. فَرَضَ عليها الدورُ التحدثَ عن الموت الذي لا تحب. تكلمت عن جدتها وعلاقتها بها. أعاد الحديث مشاعر كانت قد نسيت إحساسها بها.
توفر المسرحية مساحة للجمهور ليحزن. ليقوم بجردة، من قبل ولادة لبنان الكبير إلى الحرب الأهلية ومحطاتها المختلفة، إلى الآن. يستكمل العرض ما بدأته فرقة زقاق في العام ٢٠١٣، مع عرض «مشرح وطني» الذي يتناول موضوع التاريخ. يضعون كتابه ومؤرخيه تحت المسائلة. أولئك الذين كتبوا التاريخ اللبناني وسيَّروه بما يتناسب مع مصالحهم. يطرح كاتب النص هاشم عدنان (٣٠ سنة) تساؤلات عن تغييب كتاب التاريخ اللبناني للحرب الأهلية وتوثيقها. أما الجريمة الكبرى فهي قانون العفو العام الذي أطلق سراح مجرمي الحرب ليحكموا الشعب. ما يحتاجه الشعب فعلياً، كما يرى هاشم ردم الهوة التاريخية لدى المواطن اللبناني، كي يتصالح مع ماضيه. يتعلم من أخطاء الأسلاف ويبني حاضراً يليق به كإنسان. يعيد النص التساؤل عن المفقودين السبعة عشر ألفاً. تمسك لميا بدفتر قديم. تقرأ أسماء لا يبدو أنها ستنتهي، فيما ترنم كل من مايا ودانيا «في يا ما في بهالزمان المكتفي». تعوّد اللبناني على الانفجارات المتكررة في حياته اليومية. الأزمة تكمن في تعايشه معها وانعدام شعوره تجاه ما يحدث. يساهم الإعلام كما يقول عمر في تخدير الرأي العام. هنا، يأتي المسرح ليكون فضاءً اجتماعياً وفكرياً حاضناً للشعور الإنساني.
دانيا، لميا، ومايا قضين فترة من عمرهن خارج لبنان، لكنهن عدن. لا يتخيلن أنفسهن بعيداً عن هنا. يملكن الخيار ويستطعن خلق الفرص للهجرة. يرفضن ذلك. يحتويهن المسرح على صوت مسجّل لأحد الأقارب. يترافق صوته ودوي القذائف والانفجارات. تنتهي المسرحية بصوت مايا تغني: «جنة جنة جنة والله يا وطنا… حتى نارك جنة…».
يستكمل العرض لاحقا في عدد من المناطق اللبنانية، وهو جزء من عمل «مشرح وطني» الذي عرض العام ٢٠١٣. يضم هذا المشروع مع فرقة زقاق، جمعية «وور تشايلد هولند» ومركز الديموقراطية المستدامة (أس دي سي) ونوادي المواطنة والسلام، بتمويل من مؤسسة «ليبيرتي».


عن «زقاق»

فرقة «زقاق» تضم مجموعة من متخرجي معهد الفنون الجميلة قسم المسرح في الجامعة اللبنانية. استكملوا دراساتهم العليا في جامعات مختلفة. تأسست في العام ٢٠٠٦، لأن دانيا، مايا، لميا، هاشم، جنيد، مريم، عمر وغيرهم وجدوا حاجة لاستمرارية عملهم المسرحي. إضافة لقناعتهم بالمسرح كفعل والتزام سياسي واجتماعي. يؤمنون بالعمل الجماعي كموقف لمواجهة مختلف الأنظمة «التهميشية».
تركز الفرقة في عملها على مسار الخلق وعمليته. يتشاركون أفقياً في اتخاذ القرار واختلاف أساليب التعبير. يطبقون المسرح على مستويات مختلفة: اجتماعية ونفسية، ونفسية – اجتماعية، وتربوية. طوروا أسلوباً خاصاً بهم في المسرح العلاجي والاجتماعي. أقاموا أكثر من ٣٠٠ ورشة عمل مع أناس من مختلف المناطق اللبنانية، ويسعون لفتح مساحة للنقاش وتبادل فنون العرض عبر توسيع شبكة علاقات تصل بين فنانين مختلفين من لبنان والعالم عبر تنظيم نشاطات ثقافية وعروض وندوات وحلقات حوار. يتناقش فيها الفنانون ويتعرفون على مدارس مختلفة في المسرح والرقص والفنون الحية والتأليف المسرحي والهندسة المعمارية وفنون أخرى.
قدموا أعمالا عديدة، منها: «لوركا» (2005)، «مين البطل؟» (2007)، «صندوق الموسيقى» (2008)، «خيط حرير» (2012)، «أليسانة، لتدريب على الطاعة» (2013) و«جنة جنة جنة» (2014).

 

فاطمة بزي

http://shabab.assafir.com/

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The maximum upload file size: 50 ميغابايت.
You can upload: image, audio, video, document, interactive, text, archive, other.
Links to YouTube, Facebook, Twitter and other services inserted in the comment text will be automatically embedded.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: حقوق النشر والطبع محفوظة