محمد مسعد يكتب : المسرح لا يصلح للمتحمسي

ربما لن ينسي أحد منا كيف كانت تلك اللحظات حماسية وملهمة و غير اعتيادية.. فجاءة أصبحت كافة الأحلام المقموعة ممكنة .. وصار الفضاء مفتوحاً إلي اللانهاية.. فبعد سنوات من الخفوت التدريجي لضوء الحياة نتيجة محاصرة نظام مبارك لمصر وضغطها و تقزيمها لتناسب رؤية و أفكار جمال مبارك .. إذ بكافة الأبواب تفتح .. ويزيح الشباب ذلك السقف المنخفض ويحطمونه . لقد تحررت مصر وأصبح من حق الجميع أن يطلقوا لنفسهم العنان…

هكذا نذكر تلك اللحظة السعيدة التي تلت سقوط مبارك.. كما ستحفظ النصوص المسرحية – التي أنتجت في تلك اللحظة على عجل وفي فورة الحماسة – للأجيال القادمة صورة لتلك الحالة من السعادة و انفتاح الأفق و تسجيل لرؤية الكتاب المسرحيين للماضي القريب الذي كان من المحرم عليهم نقده أو ملامسته سواء نتيجة وجود الرقابة على المصنفات الفنية أو حتى للرقابة الداخلية التي كانت تمنعهم من التصريح بما يدور في الجلسات الخاصة أو مخيلتهم.

ربما ستنضم معظم النصوص التي أنتجت في تلك اللحظة إلي التاريخ كنماذج للبراءة الأولي للثورة وكتعبير عن لحظة زمنية ربما لم تتكرر كثيراً في تاريخ تلك البلاد.. لحظة الفرح و الشعور بالانتصار.

ولكن من ناحية أخرى فإن تلك القيمة التاريخية لن تضيف كثيراً للقيمة الفنية لتلك النصوص التي ستظل في مجملها مجرد تدفقات انفعالية وخليط بين الفرحة بانتصار الثورة وبكائيات على شهدائها ، بل أن بعض تلك النصوص لم يستطع مؤلفيها (في ظل مسارعتهم لتقديم أعمال فنية ترصد للثورة) أن يتجاوزا الأغاني الحماسية التي واكبت الثورة.

ربما يعود ذلك بالمقام الأول لطبيعة الفنون الدرامية التي تجعلها غير قادرة على التحليل السريع أو العابر للواقع ذلك أن المسرح لو لم يمتلك رؤية عميقة و كاشفة للمجتمع الذي يحلله و يتناوله فإنه يبدو كمجموعة من الخطب الحماسية الفارغة أو كأكوام من الألفاظ الطنانه التي لا يستطيع المتفرج معها أن يتلمس أي شيء ..

من ناحية أخرى فإن المسرح و على العكس من الأغاني لا يستطيع أن يلخص الوطن في جملة لحنية أو لغة شعرية موحية و فضفاضة تستطيع ملامسة قلوب المتفرجين و مشاعرهم و تدفعهم لاستعادة تلك اللحظات الحاسمة أو المؤثرة و الانغماس العاطفي فيها المرة تلو المرة كما هو الحال في الأغاني التي صاحبت حرب أكتوبر على سبيل المثال و التي لم تزل قادرة على إثارة المشاعر الوطنية للمتلقين .

المسرح كذلك لا يمتلك تلك الرفاهية التي تتوافر للسينما التي تستطيع أن تعوض أزمتها بالاستعانة بالمواد الوثائقية للمعارك أو المصادمات أو التظاهرات .. المسرح لا يمتلك تلك الرفاهية حتى وإن حاولت بعض النصوص و العروض التي أنتجت في العام الأول من الثورة استعمال مواد وثائقية للثورة .

لكن تلك المحاولات ورغم طموحها ظلت أسيرة اللحظة.. غير قادرة على تلمس تلك القوى التي كانت تتفاعل تحت السطح اللامع والمبهر للثورة السلمية المثالية الطابع.. فالعالم لم يصل للمحطة الأخيرة.. وأزمنة القهر و القمع و الظلم لم تتوقف كماكينة قامت الثورة بضغط زر توقيفها .. لم ينتهي الظلم بأجساد الشهداء التي أقام لها بعض الكتاب بكائيات .. ولم ينتهي التطرف و الانغلاق بفتح نوافذ الثورة ، لقد استمر الواقع في فرض طرقه و أساليبه وأكتشف المبدعين كما أكتشف المجتمع كله أن الثورة لم تكن سوى رفع للغطاء عن التقيحات و الصديد الذي كان يملأ جروح المجتمع .. تلك الجروح التي كانت القبضة الأمنية في عصر مبارك تخفيها.

ربما لن يبقي في ذهن المجتمع الكثير من تلك النصوص و المسرحيات و الأفلام والقصائد التي صيغت على عجل و بدون تأمل أو انتظار لكيفية تفاعل المجتمع مع ذلك المتغير الجديد الذي يسمي الثورة .. وحتى ما سيبقي في ذاكرة المجتمع لن يتم استدعاءه إلا وسط مشاعر بسذاجة أو السطحية أو البراءة.. فالثورة لم تكن نهاية لعالم وبداية لعالم كما كانت تبشر تلك الأعمال.. والثوار لم يكونوا نسيج مثالي ومتماسك بل مجموعات متصارعة و متنافسة..

بل يكفي أن يستدعي المتفرج لذاكرته تلك اللحظات الحماسية التي صاحبت تلقيه لأحد تلك العروض المبكرة حتى يستشعر بمدي براءته و كيف كانت حماسته تعمي بصيرته كما أعمت تلك الأعمال المسرحية.

*ناقد مسرحي

http://elbadil.com/

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.