مسرح – جواز سفر رقم 10452 لبيتي توتل على خشبة “مونو” بين الاغتراب والبقاء جنسية واحدة أم جنسيتان؟

الفكاهة في مسرحية “جواز سفر رقم 10452” لبيتي توتل على خشبة “مسرح مونو”، هي البرق قبل العاصفة، الترويح عن النفس قبل أن ينفجر البركان حيث تعلو صرخة أمّ لبنانية، هي صرخات أمهات لبنان كلهن، تبحث لابنها عن مخرج يحميه من الارهاب الذي يعبث بالمواطن، وعن جواز سفر وحلم بالاغتراب إلى كندا وتأمين جنسية له تضمن حريته وسلامته.

السيناريو المسنون في لحم المأساة، يكشف عن عيوب وطن ومعاناة شعب يفتقر إلى أدنى الواجب الضامن العيش الكريم. القلم حاد لا تفوته نفدة تبرر حلم الاغتراب، ليغدو مسرحية. هزلية؟ بل من الظرافة التي تتمتع بها بيتي توتل، إذ تكمش لعبة الكومي- تراجيديا في إدائها “الصولو”، ولو أن محاورها زوج صامت غالبا، هاغوب در غوغاسيان، يضفي بصمته البليغ طرافة على الأجواء المتوترة من زوجة لا تكف عن إزعاجه بمشروعها الاغترابي إلى كندا.
المشروع ولد من زعل إبنها الصغير الذي لا يكف عن البكاء لأن رفاقه يحملون أكثر من جواز سفر، أما هو فلا. من هنا تبدأ بتعداد المآسي التي يبتلي بها الانسان في بلده ولا يخرج منها صحيحاً. بأسلوبها المسرحي النقدي، الفج، تبرر خطة الاغتراب لزوج يفضل الجلوس أمام شاشة التلفزيون أو يهنأ بنومه، لكن الزوجة الشقية لا تدعه يستريح، بل تقفل الجهاز، وتوقظه من رقاده لتقرأ عليه إيجابيات مونريال التي يتمناها كل إنسان، وتذكّره بالسيارات المفخخة والارهاب. أمام لامبالاته يتحوّل الخطاب إلى غضب هستيري، إلى ثورة، لا في ساحة قتال بل من خلال فن تخاويها بالخشبة، جاعلةً منه منبرا لفض عورات الوطن والمواطن. فهل نسيناها في مسرحية “آخر بيت بالجميزة؟” حين جعلت من الخشبة المكان الذي تشرّع عليه الحقيقة، ودوما بالأسلوب النصي الفكاهي، النضر، الحاوي في قلبه، جمرة حارقة عما يفتعل برونق هذا البلد وتراثه.
الكوميديا المستقاة من أمورنا الحياتية، نجد فيها رسالة تربوية، منطلقة من إمرأة جميلة، جذابة، لم تراهن على أنوثتها المرهفة لتصنع مسرحا من مقادير الوطن الفنية، لكنها لم تنس وهي في حركة دائمة على الخشبة أنها أنثى تتمتع بغريزة إغرائية تعرف أن تتلاعب بها من دون إبرازها عنصرا مهما من رسالتها الدرامية، ليبقى المشاهد متواصلا مع متطلباتها وأمنياتها، لا كامرأة بل كإنسان له في الانسانية حصة من الواجب المحافظة عليها.
من روح بيتي توتل المرهفة، الظريفة، ولدت مسرحية ضاحكة في مستهلّها، والضحك موجع، كـ”المركورومروم” على جراح بليغة. بيننا وبين الخشبة الجامعة سريراً وكنبة وباباً، صلة، فالموضوع يعني كلاً منا، فلعل مسرحيتها التي باشرت تقديمها الخميس الفائت على “مسرح مونو” تخبر مرة أخرى لا عن هاجس الوطن الأكول في وجدانها، بل تضيء أيضا على خبرتها في المجال المسرحي، إذ باتت على يقين أن المسرح لا يقل شأنا عن عيادة محلل نفسي، يطلق للمصاب العنان ليفرغ السموم التي تتأكله.
كندا البعيدة المرمى، لم تقف عثرة أمام جموح هذه المرأة التي قلبت الدنيا رأسا على عقب للوصول إلى مبتغاها، الاغتراب. مسرحها ناطق بالواقع، لا تصبغه بالألوان التي ترتئيها. فكما لجواز السفر رقم 10452 عوراته، كذلك للغربة أكثر من سؤال. الصبي الصغير الذي أتى باكيا ذات مرّة لكونه يحمل جواز سفر واحداً، يعود من مدرسته في مونريال الحلم، باكيا. لقد عيّروه بأن عربي قذر. هنا يعلو صوت بول مطر يتكلم باسم الفتى الذي صار رجلا: “للغربة أصول في تدجينها ومؤالفتها، فالانسان يبقى ذلك الغريب والسلوك الملقى على عاتقه لكسر جليد الغربة، يكمن في تدجينها”.
مسرحية “باسبور 10452” شهدت نحاحا كبيرا عندما قدمتها بيتي توتل ضمن مهرجان العالم العربي في مونريال. للمسرحية رسالة تفضها بيتي توتل من ظرفها حالاً، حتى لا يبقى الاغتراب تجربة بل تقول إن بين الحلم المثالي للذين يودون الرحيل والحقيقة التي يعيشها المغتربون بقساواتها، هي هذه المسرحية التي قامت على الفكاهة والسخرية لتصور المعيش الجارح لمن اقتُلعوا من جذورهم أكانوا في وطنهم بيروت أم في دنيا الأغتراب.

 

مي منسى

http://newspaper.annahar.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *