تخليدا لأربعينية رحيل بن قطاف.. هكذا كان الفقيد مسرحيا فريدا من نوعه

لا أعتقد أنه سيكتب عن الراحل الكبير ما يرقى إلى حجمه وعطائه وخصوصيته كما تم مع محمد بودية وعلال المحب ومصطفى كاتب وقزدرلي وعلولة وكاكي وسيراط ومجوبي وبن مبروك “لابرنتي” وعن آخرين أقل تركة مسرحية  مقارنة بالكوكبة المذكورة، واجتهادات الزملاء الذين

وقعوا ملحق تكريم الراحل وهو حي يرزق وأعيد نشره بعد وفاته بمبادرة غير مسبوقة من الزميل عياشي سوف لن تكون كافية رغم أهميتها في بلد لم تكن فيه التقاليد الصحفية والتربوية متمحورة حول الفنون بوجه عام والمسرح بوجه خاص.

 

وكتحصيل حاصل سوف لن يكون من العبثي والسريالي أن يلتحق قريبا بن قطاف بقافلة الذين طواهم زمن النسيان والتنكر، الأمر الذي سيفوت الفرصة مجددا على مسؤولين عسكريين ومدنيين مازالوا يتقاتلون على كعكة النفط المسمومة ويقاتلون مشروع التوعية بشروط التنمية البشرية المتوازنة والوعي الفني والحضاري والحياة النفسية والاجتماعية السليمة والثقافة الجمالية الشاملة. المسرح الذي يعد عصارة كل العوامل المذكورة فقد في شخص بن قطاف مرجعية وطنية وإنسانية تتجاوز بأبعادها المتعددة الأوجه المستوى المسرحي الخالص الذي ميزه عن الآخرين في تاريخ المسيرة التي بدأها عام 1963 في الإذاعة بتشجيع ورعاية من الراحل الكبير محمد ونيش. كاتب هذه السطور الذي عرف الفقيد كأحد أفراد العائلة وكصحفي ـ تابع وغطى إبداعه منذ مطلع الثمانيينات وشهد على حميمياته الشخصية والروحية وثقله ورمزيته وإرثه في أكثر من حفل عربي وفرنسي ـ  يدعي بتواضع أنه مؤهل للحديث عن خصوصيات انفرد بها دون الآخرين المؤسسين والمطورين المؤصلين الكبار. كاتب هذه السطور الذي  يصارع وخز ضميره ويلعن الغربة التي حالت دون حضور جنازته ـ تعمد تكريم محمد متأخرا بعد أن تعب من البكاء والحزن وعاد إلى رشده وعقلن إيمانه بالقدر الذي ينتظر المؤمنين والملحدين على السواء واتخذ المسافة العاطفية الكافية تفاديا لتكريم يحفل بالمبالغة المفرطة والذاتية القاتلة.

إبن الأصقاع السفلى مثل فاطمة

ولد محمد ابن الأصقاع السفلى مثل فاطمة الغارسونة التي شهدت على سلطة متجبرة وحقارة في حي لا قلاسيار المحسوب إداريا على حسين داي ظلما وبهتانا والأقرب إلى مفهوم أحياء لي فافيلا البرازيلية، ولاغلاسيار هي أيضا حي الراحل عبد القادر لعزيزي وابراهيم رزوق وحميد شكري وحميد عاشوري. ترعرع وكبر في عائلة دينية محافظة ودرس في مدرسة الفتح “زيتونة لاغلاسيار” وعايش جهنمية ووحشية الاستعمار وذاق اليتم مبكرا وحظي برعاية وحب ماما حدة الخالة التي لفظت أنفاسها بين أحضاني في بيت والدي بالجزائر الشاطئ بعد عمر قضته تخدم عائلتي بن قطاف ورمضاني. محمد الذي ـ لا يمكن فهم خلفيته الفكرية والدينية الإصلاحية المعتدلة والوطنية الثورية إلا بالعودة إلى طفولته ومراهقته في لاغلاسيار التي تعد إحدى القلاع  النضالية ـ يعد شخصية روائية بامتياز وعوض الكتابة عن ذاكرته روائيا كان من الطبيعي والموضوعي استلهامها مسرحيا بعد سنوات قضاها ممثلا استثنائيا وقارئا ذكيا ومثقفا مسرحيا ومتعلما من والديه الروحيين علال المحب ومصطفى كاتب. إبن الأصقاع السفلى بقي وفيا لماضيه العائلي ولبيئته الشعبية بعد أن سكن الشقة الواقعة في الطابق الرابع عشر بحي ساحة أول ماي المطلة على نافورة حي المناورات المعروف شعبيا بالشمانيف وهي الشقة التي استقبلني فيها العديد من المرات رفقة زوجته الصالحة صليحة وابنتيه فايزة وأسماء في جو من المرح المطلق. في هذه الشقة المتواضعة سهر الراحل حتى ساعات متأخرة من الليل يقرأ التراث المسرحي العالمي والعربي الإسلامي ويكتب ويترجم ويقتبس ويشاهد مباريات كرة القدم، وبسبب هذه الشقة التي تعطلت فيها لغة المصعد الموروث من الاستعمار اضطر إلى الصعود مشيا إلى شقته الأمر الذي مكنه من قراءة صحف الشعب والمجاهد والجزائر الأحداث وأتذكر حتى  يومنا هذا مزحه قائلا: “بين درجة ودرجة أقرأ مقالا أو اثنين”.

درس مسرحي غير مسبوق

أول ما ميز الراحل عن كل المسرحيين الجزائريين والعرب انطلاقه كممثل موهوب يحسن اللغتين العربية والفرنسية ويقدر على أداء كل أنواع الأدوار واستغلاله الذكي لتجارب رجال مسرح وجدوا فيه الطاقة التي يجب تفجيرها وكان على رأسهم علال المحب ومصطفى كاتب وخاصة هذا الأخير الذي كان يكن له تقديرا كبيرا. محمد لم يتوقف عند حدود الموهبة التمثيلية والتأثر بالأساتذة الكبار وراح يبحث عن مكانة خاصة به سمحت بها أزمة النص المسرحي. لم يشرع الفقيد في الكتابة والإخراج دون تسلح عملي ونظري ظفر به من خلال حضور بروفات المخرجين المعلمين وعزز حبه للمسرح لاحقا بثقافة مسرحية نظرية صلبة تشهد عليها مكتبته الغنية. كما كان منتظرا وككل البدايات التي يشوبها التعثر وتكتنفها المعالجة غير الناضجة فكريا، كانت بداياته مع التأليف محتشمة وغير لافتة بالقدر الكافي (حسناء وحسان) وكان عليه أن يعمق اجتهاداته على مدار عدة أعوام متنقلا بين الترجمة والإقتباس (بليس الأعور) ومكرسا إصرارا عجيبا على تجاوز الذات وتحدي الصعاب، واستطاع أن يخرج رأسه من الغرق في بحر الكتابة بمسرحية عقد الجوهر التي ظهر فيها عاشقا للذاكرة ومستنطقا للتراث من جهة والترجمة والاقتباس من جهة أخرى، وكانت ترجمته “الرجل صاحب النعل المطاطي” لكاتب ياسين تجربة مسرحية ولغوية غير مسبوقة كرست حضوره المتنامي وعمقت فضوله غير المحدود. المسرحي الذي بقي يعتز بهويته المسرحية الأصلية كممثل من الطراز النادر استمر في تجديد المشهد المسرحي منوعا الأساليب والمصادر ومصرا على مقاربات فكرية ومسرحية تزاوج بين تحديث وتأصيل يكملان بعضهما البعض ولعب من خلالهما دور الممثل والمؤلف والمخرج في الوقت نفسه حتى وإن لم يوقع اسمه إلى جانب زياني شريف عياد في “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” التي أبدع فيها ممثلا ومقتبسا وممثلا فقط في “قالوا العرب قالوا” وكان لابد من قامة مسرحية في مثل حجمه لتحقيق دهشة النقاد العرب في مهرجان قرطاج بتونس ومن بينهم الزميل المصري نبيل بدران. الفقيد الذي أضحى سيد استنطاق التراث والذاكرة والمعيش السياسي والاجتماعي بخطاب غير مباشر تارة ومباشر تارة آخرى لكن  غير شعبوي في كل الحالات ومجرد من الأيديولوجية المعلنة كما فعل البعض، انفجر إبداعيا لاحقا وعزز شموليته الفنية في العيطة وآخر المساجين وفاطمة، وبفضله لعبت صونيا أحد أعز أدوارها كما فعلت في الشهداء يعودون هذا الأسبوع والشيء نفسه ينسحب على الراحل عزالدين مجوبي رفيق دربه والعملاق الآخر الذي رحل قبل الأوان في عز العشرية السوداء. كمحصلة للهوية المسرحية ثلاثية المحاور يمكن القول إن الفقيد جسد تجربة مسرحية غير مسبوقة في تاريخ مسيرة المسرح الجزائري بعد الاستقلال ومثل زبدة فنية وفكرية وسوسيولوجية وطنية خالصة وأصيلة لمعيش أسري شعبي ولثقافة عربية وإسلامية لاحقة ولاعتدال فكري ولاجتهاد مسرحي استثنائي وبفضل التوابل المذكورة بعث خصوصية إبداعية مكنته من الالتحاق بقائمة المسرحيين الجزائريين والعرب النادرين.

إيديولوجية الذاكرة

الفقيد الذي تميز عن رفقاء دربه بشخصية مسرحية متعددة المستويات والاجتهادات والإضافات، عزز فرادته في عالم فني اعتبر قلعة يسارية بوجه عام ولا يمكن وضع الفقيد مثلا في نفس خانة كاتب ياسن وعلولة وبن عيسى وزياني ومجوبي وأقومي ومسرحيين آخرين عرفوا في مسارح جهوية آخرى. التوجه اليساري الذي عرف به الكثير من المسرحيين كان يقلق الراحل في الكثير من الحالات وهو التوجه الذي كان يراه نخبويا ومتنصلا عن الروح الثقافية العميقة للشعب وهي الروح التي عكسها في كتاباته موظفا ذاكرة عائلية ووطنية عربية خالصة مكنته من مهاجمة السلطة دون الخلط بين مقومات المجتمع المبدئية التي كانت محل طعن الكثير من زملائه الذين مثلوا مثله مسرحا سياسيا واجتماعيا بوجه عام لكن برؤى وخلفيات فكرية مختلفة الزوايا والمنطلقات. الراحل الذي كان يمثل روح  الشعب على طريقته الخاصة ـ إن صح التعبير ـ ويحمل في حقيبته القرآن الكريم والسجادة ـ مثل تقدمية ممزوجة بإصلاحية تبرر تشبعه بقيم أخلاقية ودينية وثورية تكشف عن المحيط الثقافي الذي ترعرع في كنفه وهو المحيط الذي لعب فيه الإسلام دورا وطنيا وثوريا وتمكنه من اللغة العربية والفرنسية عامل يضاف إلى سلسلة المعطيات التي جعلت منه ثوريا غير مضطر للطعن في قيم مجتمعه حتى يوصف بالتقدمي على حد تعبيره لكاتب هذه السطور في حديث باريسي بمناسبة عرض مسرحية “فاطمة” بمسرح الأمندييه بضاحية نانتير في ربيع عام 1991. إن عيشوش الآلة التي شكلت المرجعية المحورية فنيا وفكريا في مسرحية “العيطة” كانت لمن يعرف عائلة الراحل مصدر إيديولوجية الذاكرة الوطنية وعيشوش الآلة التي فقدت براغيها (بولوناتها) هي الوطن الذي فقد مقومات تحرره الوطني وهي مصدر العيش الذي لم يضمن لكل أفراد الشعب بشكل عادل، وعيشوش  هي قبل كل شيء رمز ذاكرة إيديولوجية الراحل الخارجة من رحم شجرة العائلة العميقة المنحدرة من سلالة الخير بن الجمعي. الشيخ الخير الذي استشهد متأثرا بتعذيب المستعمر في السجن -كما حكت لي أمي- كان الأب الروحي للراحل ومصدر ما أسميته بإيديولوجية ذاكرة الراحل غير العادي. الشيخ الخير خرج من عباءة المقراني القائد الذي انتفض ضد فرنسا في مجانة التاريخ والإباء والبطولة.

بوعلام رمضاني

 

http://www.djazairnews.info/


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.