إخراج عبد القادر جريو و تأليف هارون الكيلاني عرض “صواعد” يكسر التابو و الممنوع في دراما عبثية مأساوية

 

بجرأة كبيرة اعتمدت على كسر تابو المحرم و الممنوع ، و أفضت بما أفضت ركحيا في عالم المسكوت عنه ؛ قدَّم المخرج عبد القادر جريو عرضه المسرحي ” صواعد ” الذي يمثل الإنتاج الجديد لمسرح معسكر أمسية الخميس الماضي بمسرح سيدي بلعباس الجهوي ، أمام

الجمهور العريض الذي تفاجأ بما حمله العمل من انتقاد صارخ ، جارح ، ناقم على المجتمع الجزائري و العربي في تعامله السلبي مع المرأة ، و مع اغتصاب الأنوثة في مجتمع ذكوري كاتم لصوت الأنثى قهرا و ظلما .

 

عرض “صواعد ” الذي كتب نصه المبدع المسرحي هارون الكيلاني ، يغرز أظافر حادة في جسد المحرم ، و يندُب عميقا وجه الفساد الأخلاقي الذي يشوب العلاقات الإنسانية ، و بالأخص علاقة الرجل و المرأة في مجتمعاتنا العربية ، كما يميط اللثام – في الوقت نفسه – عن هذه المظاهر التي يمارَسُ في شأنها نفاقٌ اجتماعي كبير ، فبين كونها واقعا مرا يجثم على أنفاس المجتمع ، و بين تغاضي الناس عنها مكابرة و ادعاءً بأنها الشاذُّ الذي لا يقاس عليه ؛ تكمن خيبة الإنسان في مجتمعات لا تصرِّح بما فيها من فساد و عهر و انحلال أخلاقي تتسبب فيه الكثير من الممارسات الخاطئة داخل الأسرة بين الزوجين أين يغيب الحوار و النقاش ، و التفاهم و التفهم .

يبدأ العرض المسرحي بأغنية ” كاين ربي ، كاين ربي ” للشيخة الجنية (مغنية جزائرية راحلة كانت تؤدي الراي البدوي القديم) ، في إحالة إلى بيئة تسودها أغاني الراي التي تطبع ليالي المجون و الملاهي ، غير أن اختيار المخرج لأغنية هذه الفنانة الراحلة ينبع من رغبته في رد الاعتبار لها باعتبارها أيقونة مهملة .  تتوالى أحداث العرض في جو تسيطر عليه ظلمة تخفُّ حِدَّتُها من وقت لآخر حين تتماوج البطلة ” فدوى” بين صفة العاشقة لرجل تحبه يريد الانجاب معها ، و صفة العاهرة المومس مع رجل يغريها بماله ، و صفة الفريسة لمغتصب يبحث عن جسدها ليهتك شرفه انتقاما من غرورها الأنثوي . و بالتالي جاءت الإضاءة لتترجم نفسيا دواخل هذه المرأة المتمردة التي لا تنقل صورة عن المرأة الضحية ، و لكنها تصورها مصدر إغراء و محركا رئيسا للغرائز و الأهواء ، ينتهي بها المطاف إلى حمل جنين الخطيئة في أحشائها ، فيتفق الرجال الثلاثة على قتلها لإجهاضه .

سينوغرافيا العرض جاءت مرتكزة على ديكور بسيط و ذكي ، اختصر الزمان و المكان في سرير دائري أحمر يشير إلى ساعة وسط الركح ، مائل إلى الأمام ، و لعل دلالته اللونية ، تشير إلى الاغتصاب ، المجون ، الدعارة و الخيانة الزوجية بحثا عن المال من جهة و عن المتعة الملوثة من جهة أخرى ، و كلها يترجمها اللون الأحمر الذي يصرخ في المكان و الزمان معا .. فقد اختار السينوغراف حمزة جاب الله جمع الفضاءين الزماني و المكاني في حاملٍ واحدٍ هو السرير لتلازمهما في هذه الأجواء التي ترتبط فيها مسببات الفعل المنحرف مع الجو الزمكاني .. و هي إشارة إلى الزمكان الجزائري و العربي المحرض أحيانا على الخروج إلى مناطق محرمة و العبث في ساحتها بمختلف الأفعال المحظورة التي ينكرها الدين و تنبذها التقاليد الإجتماعية .

و من المتوقع أن العمل الذي أدى أدوار شخوصه كل من الممثلين الشباب : أمينة بلعابد ، محمد فري مهدي ، أبو بكر بن عيسى ، مربوح عبد الإله ، عبد المجيد بلخادم و درعي فاطمة الزهراء ، قد فتح منذ عرضه الأول باب الجدل الذي سيتسع بسبب الجرأة الكبيرة طرحا و تناولا و تجسيدا فوق الركح لتابو محرم و ممنوع الحديث عنه بشكل صريح و جماهيري في المجتمع الجزائري و حتى العربي .. و في هذا الصدد أشار صاحب النص المسرحي هارون الكيلاني إلى أنه اعتمد أسلوب الاستفزاز في نص ” صواعد ” لأنه يؤمن بالاشتغال وفقا لقواعد المسرح التأملي الذي يستدرج الجمهور للتفاعل مع العرض بأسئلته ونقاشه حتى يتكوَّن بذلك جمهور أبديٌّ وفيٌّ للركح .

 

كنزة مباركي / الجزائر

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.