نضال الاشقر: التجميل “حق” والتمثيل ليس وجبة “سناك”!

هي نضال الأشقر… فقط. يكفي أن تلفظ الإسم ليكرّ شريط ذكريات عن امرأة راسخة في المسرح، متجذّرة فيه وعاشقة له. سيرتها الفنية صفحات متتالية من تجارب وأعمال تلفزيونية، سينمائية ومسرحية آخرها “الواوية” التي تعرض حالياً على خشبة مسرح المدينة عن نص “الأم الشجاعة” للكاتب الألماني برتولد برشت، وإخراج ناجي صوراتي وتمثيل خالد عبدالله، هادي دعيبس ، عبد قبيسي وعلي الحوت.

وهكذا، رغم السنوات لم تفقد الأشقر رونقها المسرحي ولا حضورها الطاغي مع نص غارق في السوداوية تلعب فيه دور الأم التي تناضل في الحرب من أجل أولادها. عن المسرحية، ودورها، وقرار عودتها إلى المسرح حاورتها مجلة “ارى” في عددها الجديد.


نضال الأشقر.. مجدداً إلى واجهة الضوء؟!

في الحقيقة أنا لم أغب. أنت تعرفين أنني أمضيت حوالي عشر سنوات من عمري وأنا أؤسس مسرح المدينة في محلّة كليمنصو في بيروت وما أن وقف المسرح على رجليه حتى خسر أصحاب العقار عقارهم ما اضطرني إل إعادة البحث مجدداً عن مسرح مماثل في محيط شارع الحمراء واستقرّ الرأي على سينما ساورلا التي أطلقت عليها أيضاً اسم مسرح المدينة. ولأنني كنت بحاجة إلى تمويل كان لا بد من إطلاق “جمعية مسرح المدينة للثقافة والفنون” وبدأنا حملة لإجتذاب رأس المال. وحين أصبح المال في حوذتنا، أعدت تأهيل سينما سارولا بغية تحويلها إلى مسرح كما أعدت تأهيل “تياترو المدينة” المحاذي لها. وكما ترين، عادت عجلة العمل في هذين المسرحين إلى الدوران بوتيرة سريعة. اليوم نحن لا نهدأ. 

وطبعاً، هذه الأمور جعلتني شديدة الإنهماك في يومياتي وغير قادرة على التفرّغ لنشاطاتي الفنية وبينها الإخراج الذي أحبه كثيراً. ومع ذلك، أنا سعيدة جداً لأنني رغم كل هذه المعوقات تمكنت من تأسيس مسرح، ومن إنشاء فرق مسرحية، وأخرجت العديد من الأعمال خلال السنوات المنصرمة بينها “طقوس الإشارات والتحولات”، “منمنمات تاريخية”، “ثلاث نساء طويلات” و”تصطفل ميريل ستريب” التي تقاسم بطولتها ناجي صوراتي والممثلة ندى أبو فرحات وكانت عُرضت على خشبة أهم مسرح في باريس طوال أسبوعين كاملين. وفوق كل ذلك، اشتغلت في التلفزيون، وجلت العالم من خلال القراءات الشعرية الممسرحة التي قدمناها مرفقة مع تخت شرقي.

ومع ذلك، غبت كممثلة عن خشبة المسرح طوال عشرين سنة!

صحيح. التمثيل المسرحي يحتاج إلى تفرّغ تام وهذا ما لم أكن قادرة عليه. التمثيل يحتاج أن تكرسي نفسك له من الفجر حتى آخر الليل. فأنت تحتاجين إلى تدريب صوتك وإلى تمارين حيّة مع باقي الممثلين بالإضافة طبعاً إلى تمارين التحمية وحفظ النص ومحاولة التعايش مع الشخصية. التمثيل ليس وظيفة بمعاش ثابت وإنّما عمل دؤوب ومتواصل. مسرحية “الواوية” بالذات استغرقت منّا خمسة شهور متواصلة من الإستعدادات لخلق عمل جميل ومعاصر. 

الواوية
طالما أتيت على سيرة “الواوية” أتساءل: لماذا وقع اختيارك على هذا النص بالذات؟

لسبب بسيط وهو أنني وجدت النص قادراً على محاكاة جمهورنا في المرحلة الراهنة. هو نص ليس سهلاً على الإطلاق ولكنه ليس عصياً على الفهم أيضاً. أنا أؤمن بأن دور المسرح لا يقوم على تقديم “وجبة سناك” للجمهور! بل دوره أن يحثّ هذا الجمهور على التفكير والتأمل. نحن نقدم عملاً يطرح تساؤلات كثيرة حول المرحلة الراهنة، وحول الحروب التي عشناها من خلال التطرق إلى سيدة تعتاش من الحرب بسبب التجارة التي تزاولها. إنه عمل محلي، لكن أيضاً يمكن تعميمه على دول الجوار التي تعيش اليوم حروباً مماثلة لحروبنا. بكل الأحوال، الحرب في لبنان لم تنته وهي مستمرّة بأشكال أخرى.
بعض ما كُتب في الصحف حمل إشادة بالعمل، والبعض الآخر لم يعجبه العمل ولم يكتب على أساس “من يجرؤ أن يكتب نقداً سلبياً في نضال”!!

لا أعرف من تقصدين! كل ما أعرفه ان الإنطباعات التي وصلتني حول العمل كانت إيجابية بمجملها.

استطراداً، لماذا يهابك الصحافيون إلى هذا الحد؟!

عن جد؟! هذه أول مرة أسمع هذا الكلام. كثيرون أبدوا رأياً سلبياً في بعض أعمالي ولم أعترض. أنا في المجال منذ أربعين سنة تقبلت خلالها الرأي السلبي والإيجابي معاً. أنا لا أفرض رأيي على الصحافيين، ولا أذكر أنني اتصلت يوماً بصحافي لأملي عليه أفكاري. أعوذ بالله أن أفعل هذا الشيء. وإذا كان البعض يهابني فشكراً له.. هذه نعمة (تضحك).
بلاطة و.. أكثر!

ماذا عن المحسوبين عليك من الإعلاميين؟
لا أحد محسوب عليّ، ولست أيضاً محسوبة على أحد! هناك أصدقاء في الوسط الإعلامي أحترم آراءهم. هذا كل ما في الأمر. إلى ذلك، أنا لا أقدم أعمالاً دون المستوى كي تُنتقد بسلبية. قدمت أعمالاً خالية من الإسفاف ومحترمة وجديرة بالإهتمام ولهذا السبب يهابونني!

ودعيني أتساءل هنا: أنت شاهدت مسرحية “الواوية”.. هل أعجبتك؟

تريدين الصراحة؟ شعرت كما لو أن “بلاطة” تجثو على صدري! و.. (مقاطعة) وهذا هو المطلوب! أن تشعري كمشاهدة بوجود ألف بلاطة “مش بلاطة وحدة”. هذه المسرحية لـ”برشت” وهو أهم كاتب في القرن العشرين. وكنت سألت نفسي في وقت من الأوقات: ماذا يجب أن نقدم الآن؟ وكيف نقدم مسرحية مباشرة وخالية من الإسفاف؟ أردت مسرحية تكون على مستوى الحدث فلم أجد أفضل من نص لبرشت. بلاطة.. إثنتين.. ثلاث.. مش مهم، لتكن البلاطات بعدد الدول العربية! 

ما الذي تغير في وقفتك المسرحية بعد عشرين سنة؟
أنت أخبريني، هل تغيّر شيء؟ 

أنا من يطرح السؤال!
حسناً، دعيني أخبرك أولاً أنني لم أجترّ نفسي. هل سبق لك أن رأيتني في دور مماثل؟ طبعاً لا. أنا سعيدة بهذا العمل لأنني أقدمه مع مجموعة شباب بينهم المخرج ناجي صوراتي بالإضافة إلى موسيقى مصمّمة خصيصاً للمسرحية وقد جرت فبركتها خلال التمرينات! كل شيء تمّ تصميمه خصيصاً لهذا العمل. 

نكاية بالدولة!

هل كان سهلاً أن تفصلي نفسك كمخرجة عن هذا العمل والإكتفاء بالتمثيل فقط؟

لم أتدخل أبداً بالناحية الإخراجية. تركت نفسي في عهدة ناجي صوراتي وأكتفيت بلعب دوري كممثلة فقط لا غير. لا يمكن ن تكوني ممثلة وتتدخلين في الإخراج. قد أعطي رأيي في مسألة ما إذا طلب مني المخرج ذلك. هو من يملك تصوراً حول المسرحية. والإخراج لا علاقة له بالتمثيل أبداً. إنه عبارة عن رؤية شاملة متكاملة لكل أدوات المسرحية من تمثيل وإضاءة وديكور وصوت وملابس. 

من هذا المنطلق أستغرب دائماً كيف بمقدور بعض الممثلين أن يخرجوا أعمالهم بأنفسهم! هؤلاء بالذات لا بد أن يصبحوا مسطحين مع مرور الوقت لأنهم لا يجددون أنفسهم. 

لماذا أنت بعيدة عن التلفزيون؟
أتلقى باستمرار عروضاً غير مقنعة. أبحث عن سيناريو بمستوى “رماد وملح” الذي كتبه جوزف حرب وأخرجه هيثم حقي. اشتقت كثيراً للتلفزيون والمسرح والسينما أيضاً. أنا اليوم فخورة جداً بصناعة السينما اللبنانية، وفخورة أكثر بالإنجازات التي تحققت في السنوات الخمس الأخيرة. كلهم من دون استثناء أبدعوا ويبدعون.

تتحدثين عن صناعة سينمائية أم عن  محاولات سينمائية؟
أتحدث عن صناعة سينمائية وأنا أعي ما أقول. “صناعة ونص” نكاية بالدولة اللبنانية التي لا تقدم شيئاً لهؤلاء. 
هل لا تزالين ناقمة على الدولة اللبنانية؟
لست وحدي ناقمة.. الشعب اللبناني كله ناقم على هذه الدولة. كل لبناني لا تصله خدمات الماء والكهرباء والهاتف ناقم على الدولة. نحن ندفع ضرائب من غير أن تصلنا حقوقنا بالكامل.
كلام.. كلام.. لا يوصلنا إلى شيء!
غير صحيح. سأتحدث عن المسرح الذي لم يعط ألقه وسحره إلى أي مجال آخر: كل الذين شاهدوني قبل 25 سنة ولا يزالون يتابعونني إلى اليوم يعرفون ماهية المسرح الحقيقية وأي دور يلعبه الكلام على مستوى التغيير.


نعم لعمليات التجميل
كم عمرك نضال؟ 
– لن أقول!

الآن العمر غريمك؟
ليس غريمي، ولن أذكر عمري! والذين شاهدوني في “الواوية” وجدوا أنفسهم أمام ممثلة بعمر الصبا. 
تؤيدين عمليات التجميل؟
ولماذا أكون ضدها؟ أنا مع أن يجمّل الإنسان نفسه بأي طريقة يجدها مناسبة. ولماذا يحق للمرأة الجالسة في بيتها من دون “لا شغلة ولا عملة” أن تخضع لعمليات تجميل ولا يحق للفنانات ذلك؟ ليس المهم إذا خضع الرجل أو المرأة لعمليات تجميل بل السؤال هو كيف؟ لا يجوز أن تبدو العينين غائرتين بسبب التجميل، ولا يجوز أن تُمحى الملامح تماماً من الوجه، خصوصاً بالنسبة إلى الممثلين الذين يعبرون بوجوههم. 

على الممثل أن يجمّل نفسه، وأن يخضع لتمارين رياضية، وأن يبقى أنيقاً حتى إذا أطلّ على المسرح يكون بمستوى هذا المسرح. نحن لا نملك أدوات مسرحية غير وجوهنا وأعيننا وأقدامنا.. أدواتنا هذه هي رأسمالنا الحقيقي. 

لماذا باتت العروض المسرحية تقتصر على ساعة واحدة  فقط؟

لطالما كانت كذلك مع بعض الإستثناءات. “طقوس الإشارات والتحولات” كانت مدة عرضها حوالي ساعتين. “منمنمات تاريخية”.. آه على هذه المسرحية كأنها تعكس ما يجري اليوم على الساحة العربية. كأننا نشاهد بأم العين دخول التتار إلى بلاد الشام!

كم تفتقدين لسعدلله ونوس؟
موجود. هو حاضر في نصوصه. وهناك مشاريع كثيرة قيد الإعداد لتحويل هذه النصوص إلى مسرحيات. لكنني أتمنى لو كان لا يزال حياً ليشاهدها بنفسه. ونوس بالذات لم يورث موهبته لأحد. هو كاتب عالمي وأعماله تقوم على حالة وشخصيات ومكان وزمان. ما من شخصية تشبه الأخرى في نصوص عبدالله ونوس.

هل تتابعين أعمال غيرك من المسرحيين؟
حسب الوقت، لكنني أشيد بالحركة المسرحية القائمة في بيروت اليوم. وغالباً أتابع أعمال بعض المخرجين المميزين مثل ناجي صوراتي وعصام أبو خالد.

 

http://www.albayan.ae/

 

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *