التجربة المسرحية العربية انكفأت على نفسها في العشر سنوات الأولى من الألفية الثالثة

نظمت اللجنة الشبابية بمسرح أوال ندوة نقاشية بعنوان «المسرح ومفترق التجربة» ألقاها الفنان والمخرج المسرحي البحريني عبدالله يوسف وذلك بحضور مجموعة من الفنانين والمسرحيين والإعلاميين الذين حضروا لمقر مسرح أوال للمشاركة في هذه الندوة.

وتحدث عبدالله يوسف عن أهمية المسرح في الحياة كونه «أبو الفنون» وأحد الركائز الأساسية لثقافة ونهضة الشعوب، وكيف تنعكس تأثيراته على حياتنا وثقافتنا كأفراد ومجتمعات. وبدأ حديثه بالقول «بدأت الإرهاصات الأولى للتجربة المسرحية العربية في التشكل خلال المائة عام الأخيرة من القرن العشرين، وواكب نشوئها بداية وتبلورها لا حقاً، أجيال من المبدعين المسرحيين وغيرهم من المبدعين في الثقافة العربية الذين عملوا جميعاً على تهيئة مجمل المفاصل التي يتأسس عليها فن المسرح.. بدءاً من النصوص كمادة أدبية أولية ضرورية وحاسمة، إضافة الى الدراسات والكتابات النقدية، وانتهاء بتحويل النصوص الى عروض بصرية فرجوية.. ومثلت بلدان مثل مصر وسوريا ولبنان والعراق وتونس، بيئات رئيسية حاضنة للفنون المسرحية العربية، إن كان على المستوى الأدبي المتمثل في وفرة تأليف النصوص والترجمة والدراسات العلمية والنقدية.. أو على المستوى الفني العملي المتمثل في العروض المتواصلة على مدار العام.. ما استدعى أو أدى الى نشوء الجماعات والكيانات والفرق المسرحية العامة والخاصة، وصولاً الى قناعة الأجهزة الرسمية في تلك الدول الى أنه لا مناص من الاعتراف بذلك ومحاولة العمل على توفير بعض المتطلبات المتمثلة في بنى تحتية باتت مستحقة، والفضل في تحقق ذلك يعود الى وجود قامات ثقافية من أدباء وكتاب ومفكرين، بعضهم في مواقع رسمية تملك سلطة اتخاذ القدار، والبعض الآخر ممن لهم الحضور الباهر الفاعل في الحركة الثقافية والفكرية والسياسية في تلك الدول».
وتابع «لا حقاً وبناء على ما تم انجازه، ازدهرت الحركة المسرحية وتألقت، وقدمت مواسم مسرحية باتت ثابتة متواصلة، وراكمت نصوصاً وعروضاً وتجارب أصيلة واعدة واعية.. صار فن المسرح بفضلها ركيزة وضرورة حيوية فاعلة في نمو تلك المجتمعات ثقافياً وفكرياً وسياسياً، ما أدى لا حقاً الى اعتماد المسرح مادة تدرس في رياض الأطفال والناشئة وتم اعتمادها في مناهج التربية والتعليم.. وجاوزت التجربة حدود الدول العربية التي ذكرتها الى بقية الدول العربية ومن ضمنها دول الخليج التي احتضنت أنديتها ومدارسها الاهلية والخاصة، فن المسرح الذي جلب إليهم الفوج الاول من أساتذة التعليم العرب الذين استعانت بهم دول الخليج وغيرها، للتدريس سواء في المدارس الحكومية او الاهلية.. وأبلغ دليل على ذلك أن البحرين مثلاً عرفت المحاولات المسرحية المدرسية الاولى عام 1925 على يد أولئك الاساتذة، حين تم لأول مرة على مسرح مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق عرض تمثيلية «القاضي بأمر الله» أو «الحاكم بأمر الله» في توثيق آخر!!».
وأضاف «طبعاً مرت التجربة المسرحية في البحرين ودول الخليج بحالات مد وجزر بين حضور حيناً وغياب في أحيان كثيرة لأسباب عديدة…. لكن التجربة بدأت تزدهر حثيثاً الى حد ما في البحرين والكويت أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي، خاصة بعد تأسيس مسرح أوال في البحرين في سبتمبر عام 1970».
أما «في الدول العربية الخمس التي أشرت إليها، فقد نضجت التجربة واستطال حضورها في مجتمعاتها، بل أيضاً في المجتمعات العربية عموماً.. وقد بذل مسرحيو تلك الدول الخمس محاولات عديدة متتالية لتقديم الجديد المعاصر وتجاوز السائد والمألوف والمكرر والمنسوج على منواله مما درجت عليه العروض المسرحية، لقناعة باتت تلح في أذهان المسرحيين بتجاوز المنجز والسعي نحو مواكبة ما يشهده العالم المسرحي المتقدم من ابتكارات حديثة في أساليب وطوائف العرض… لم يتسن لهم تحقيق مبتغاهم لسبب جوهري حاسم تمثل في أنهم يواجهون معضلة أن البنى التحتية لدور العرض قد باتت منتهية الصلاحية وليست جديرة بتحقيق الرؤى والخيالات والتصورات الذهنية وتحويلها الى واقع بصري فرجوي مهيمن محسوس يرتقي بالمشهدية في العرض المسرحي ويحلق بالمشاهد الى ذرى عالية من أفق الخيال والبلاغة البصرية المستمدة من حُزم الضوء ودرجات الظلال. وهنا بالتحديد يكمن مفترق التجربة في المسرح العربي عموماً».
وأكمل «هنا لم تجد التجربة المسرحية العربية مناصاً من تكرار واجترار ذات منجزها المتراكم في مائة عام في سائر ارجاء الوطن العربي، فانكفأت على ذاتها في مدى العشرة أعوام الأولى من الألفية الثالثة، لأنها لم تعد تمتلك ما يؤهلها للمواجهة والصمود أمام الاكتساح التقني المتعدد الزوايا والاضلاع الذي اجترته المبتكرات الحديثة وأتاحت سبل توظيفه لإبداعات المسرحيين الأوروبيين والغربيين في العالم المتقدم، مضافاً إليه مساحة الحرية الشاسعة في طرح الأفكار الاجتماعية والدينية والميثولوجية والسياسية، كل ذلك شكل نقلة حضارية هائلة في شكل تقديم العروض الفرجوية المدهشة التي باتت تستقطب اهتمام جيل بازغ طالع من جنة كل المعطيات الغنية والعلمية والتقنية المعاصرة المتطورة التي بشرت بها وحفلت بها وانجزتها الأدمغة الحرة في الألفية الجديدة الثالثة».
واختتم حديثه بالقول «الآن ونحن في رقعتنا الجغرافية المتخلفة وحولنا جغرافية العالم المتقدم نقف جميعاً في مشارف الألفية الثالثة، بعيدين قليلاً عن الكتابة الأدبية المحضة المتمثلة في النصوص والبحوث والدراسات المسرحية التي برأيي لا تكمن فيها أهمية وعظمة وبلاغة الفن المسرحي إلا نظرياً وفكرياً، وهو أمر هامٌ التسلح به لم يعتل صهوة الفن المسرحي أو غيره من الفنون.. لكن أهمية وعظمة وبلاغة الفن المسرحي تكمن في كونه بالمحصلة النهائية، أنه فن بصري مرئي فرجوي بالدرجة الرئيسية الأولى ثم انه فن أدائي مسموع بدرجة تالية لكنها ليست مفصلية حاسمة، المفصلية الحاسمة في فن المسرح تكمن في المشاهدة ولذة الفرجة..».

 

سكينة اللطواش:

http://www.alayam.com/

 

عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.