أخبار عاجلة

«عشيات حلم».. حين تخنق المبالغات جوهر المسرح

يوماً بعد يوم تتسع الهوة والمسافة بين عروض مهرجان «الفجيرة الدولي للمونودراما». قد تكون لعبة المقارنات غير محبذة، فلكل عرض ظروفه وخصوصيته؛ لكن الحديث الأكثر حضوراً بين من يتابع فعاليات هذه الدورة من المهرجان، إن كان على مستوى الجمهور العادي أو المتخصصين، هو حول هذه الفروقات التي تفرض حضورها وتحرّض على الأسئلة والمقارنة.

المقارنة هنا ليست للحديث عما هو الأفضل، وليست نابعة من عقدة «الخواجا»، لكن مفادها قدرة العروض الأجنبية الملموسة على تقديم تجارب دامغة، بأدوات واشتغالات بسيطة وذكية، كافية لجعل الخشبة مساحة لامتناهية للإبداع، في الوقت الذي تذهب العروض العربية – باستثناء العرض الجزائري – إلى حالة من البهرجة، والإطراب، والاعتماد المفرط على العناصر الجمالية التي تخنق معظم العروض، وتجعلها أقرب إلى المتاهة، وتضع الاشتغال على أدوات الممثل في المرتبة الثانية، بينا يتبلور حضور الممثل الأجنبي، وتصير كل عناصر العمل هدفها إبراز قدراته، وعدم التشويش على حضوره البهي.

حكاية

يكرّم عمل «نساء مدانات» الإسهامات التي قدمتها أكثر من 25 ألف امرأة من إنجلترا، تم سجنهن ونفيهن إلى المستعمرات الأسترالية بين عام 1788 و1850، إذ تجسد الممثلة بشغفٍ كبير معاناة ونضال ومثابرة هؤلاء النساء اللواتي تبخرت معظم «آثار» الشخص فيهن، ولم يبق منها سوى الصورة فقط، لكن الروح والجوهر غير الملموس للحياة يبقى ويستمر فيهن.

في زمن الثورة الصناعية كانت معدلات البطالة مفاجئة وضخمة، والنساء اللواتي كنّ يعملن في مجال الخياطة باليد أصبحن الآن دون أي وسيلة لإعالة أطفالهن، واضطرت الكثيرات منهن لكسب لقمة العيش من خلال العمل في الشوارع أو عن طريق السرقة، وحتى النساء اللواتي كن يكسبن المال بطريقة مشروعة ويعشن مع رجل خارج إطار الزواج كانت تتم إدانتهن وسجنهن.

وبذلك تم سجن أعداد كبيرة من النساء الفقيرات ونفيهن إلى مستعمرات أستراليا النائية، وبسبب انتزاعهن من بين أسرهن وأطفالهن، وتحملهن ظروفاً غير إنسانية على متن السفن، فإن كثيراً منهن لم يبقين على قيد الحياة خلال الرحلة إلى أستراليا، أما النساء اللواتي وصلن إلى المستعمرات فقد تمت معاملتهن بوحشية وبيعهن كقطعان الماشية إلى المساجين الذين كانوا يعملون كالعبيد لبناء المستوطنات.


استدعاء الصوت الحر، والتجربة الملتزمة

حاول عرض «عشيات حلم» من خلال تعقبه سيرة الشاعر عرار، استدعاء الصوت الحر، والتجربة الإبداعية الملتزمة، من خلال وصفة إنسانية تختلط فيها العاطفة والأمل واليأس وغيرها من المشاعر التي تجتمع في أداء ممثلة حملت على كاهلها ثقل عمل صعب، ويحتاج إلى الكثير من ضرورات الاشتغال على تخفيف أحمال نص وزخرفية فنية لم تترك للمتلقي فرصة للتأمل أو التعاطف.

في هذه التجربة خلطة من التراث والأدب والمثيولوجيا والفرجة، وبدت في لحظات وكأنها تريد أن تقول كل شيء دفعة واحدة؛ فبدت المقولة صلبة، وجافتها القدرة على المرور بسلاسة ويسر إلى مشاعر المتلقي؛ لكن بالصورة العامة فيها حجم وجهد يستحقان التقدير.

يبدو الميل إلى التطريب أقرب إلى الهاجس في عروضنا؛ فلكل كلمة أو حركة أو فعل على الخشبة ثمة مرادف بصري وموسيقي، ويسقط الممثل في فخ انضباطه بين كل هذه اللعبة الضوئية، إضافة إلى ذلك الميل الواضح إلى الإطراب القولي على مستوى نصوص خطابية؛ وكأن من كتبها هدفه القول: «انظروا.. أنا مؤلف مهم جداً، ومثقف كبير»، بينما تتسم النصوص الغربية المشاركة – رغم بعض سردياتها الطويلة – ببنى أدبية غاية من الدقة، وهي في الغالب آتية من ورش واشتغال صارم على آليات تمرير الأفكار والمضامين بلا أدنى سمة استجدائية.

مناسبة هذا الكلام ليس للمقارنة بين العملين الأردني «عشيات حلم» والأسترالي «نساء مدانات» اللذين عرضا في اليوم الرابع من فعليات مهرجان الفجيرة للمونودراما؛ إلا أن الوقوع في فخ المقارنة بات أمراً حاضراً عند جميع متابعي عروض هذه الدورة من المهرجان.

لاشك في أن المسرحية الأردنية «عشيات حلم» تلفت الانتباه من اللحظة الأولى لدخول المسرح: الممثلة أريج الجبور التي تستقبل الجمهور برائحة القهوة وتمتماتها، وكأن الغرض هو تهيئة المتلقي بأنه سيكون أمام فرجة فيها الكثير من الرمزيات؛ وهذا ما حدث. التأسيس لحالة من الترقب عند الجمهور تحقق لهذا العرض، ويبدو أن مخرج العمل فراس المصري أراد من هذه التوطئة، التي تبعها جلوس الممثلة الصامت فترة طويلة نسبياً، وهي تعمل على حجر الرحى، خلق مساحة من التأمل والسكون والصبر، ووضعنا في مواجهة المناخ البصري واللوني الذي كان على الخشبة، قبل الدخول إلى متن النص الذي كتبه مفلح العدوان، ليكون تحية للشعر وجوهره، خصوصاً مسيرة الشاعر الأردني الشهير وصفي التل المعروف بـ«عرار».

طوال فترة هذا العرض الذي بذلت له جهود واضحة، يكبر ذلك الشعور بعدم التعاطف أو التفاعل، شيء ما يعيق الألفة. تبدو في هذا العرض، وبشكل جلي، مساحة الاشتغال الفني والبصري، والرغبة في خلق بنية متكاملة من الإشارات والدلالات التي تحمل مقولة العمل وغايته، وتمضي في البنى النفسية التي تعيشها المرأة العاشقة المنتظرة على الخشبة. كنا أمام الكثير من المشهديات اللافته، ضبابيات تؤسس لمناخ قائم على الأطياف والشك والأوهام، وتؤجج من حالة الانتظار المضنية التي تقضيها بطلة العمل في انتظار واستدعاء شخصية الشاعر الذي تنتظره سنوات طويلة من دون أدنى شعور باليأس من عدم مجيئه. تتأسس بنية هذه التجربة على مستويات عدة، وفيها مساعٍ واضحة لإعلاء الكثير من القيم، وطرح التساؤلات من خلال استدعاء سيرة شاعر له قيمة استثنائية، وسيرة حياتية قاسية ومؤرقة.

على الرغم من كل الجهد المبذول على جميع المستويات في هذا العرض، إلا أنه لم يستطع كسر تلك المسافة بينه وبين الجمهور؛ ثمة نقص ما، ربما كان سببه هو أن هذا العرض لم يكتب أساساً لعرض مونودرامي، فهذه المسرحية عرضت سابقاً، وحققت نجاحها بالشكل المسرحي التقليدي. في أماكن كثيرة تبدو اللحظات الدرامية تعاني عدم النضج، خصوصاً مع تضخم النازع الخطابي في العمل. سلسلة من الأقوال، والجماليات اللفظية، تضاف إليها المختارات الشعرية من قصائد الشاعر «عرار»، إضافة إلى ذلك الإصرار على أن تكون جميع حركات الممثلة مزخرفة على مستويي الكلام المنطوق والمشهد المرئي. في لحظات كثيرة بدت الممثلة مكبّلة بخطة حركية وأدائية صارمة، وبدا واضحاً الجهد الذي بذلته للسيطرة على ذلك الثقل الذي تحمله على كاهلها، وفي مواقع أخرى يبدو العمل يسير وفق بنية واحدة، وتبدو حاجته إلى مستويات أو إلى ما يخفف من حجم القوليات التي تثقل كاهل الممثلة والعرض بصورة عامة.

بالانتقال إلى العرض الأسترالي «نساء مدانات» فإن أبسط ما يمكن أن يقال عنه: إنه درس في المونودراما؛ ولا نبالغ إن طالبنا بضرورة عرض هذه التجربة وتعميمها للتعرف إلى معنى الاشتغال على الممثل، وطرق ضبط النص وتطويعه، وكيفية استخدام الفنيات من إضاءة وموسيقى بكل انضباط ودقة. المؤلفة والممثلة جولانتا جوزكيويتش استطاعت أن تنجز عرضاً حفر نفسه في وجدان متابعيه وخشبة المسرح. جاء هذا العرض ليقدم نموذجاً دامغاً عن فن الممثل الواحد الذي يملأ الخشبة والمشاعر من دون الحاجة لأي مبالغات. لعبت هذه الممثلة القديرة في مساحة ثابتة ومحددة، لم تتطلب ارتحالاتها بين عشرات الشخصيات والحالات النفسية والجسدية، ذلك الافراط في استخدام المساقط الضوئية، حتى إن المخرجة أنا تولي فروزين لم تستخدم أي إضاءة تذكر، أما الموسيقى المساعدة فكانت تظهر في فترات متباعدة جداً، وفي أوقات تبدو فيها الحاجة ضرورية وأساسية لها. لا مكان لكل تلك الفوضى والزينة والبهرجة على الخشبة، فقط كنا أمام ممثلة تعرف تماماً ماذا تريد أن تقول بكل تفصيلة وحركة.

في هذا العرض الذي يروي لنا حكاية آلاف النساء البريطانيات اللاتي تم نفيهن إلى المستعمرات الأسترالية بين 1788 و1850، ويروي لنا بكثير من التفصيل عذابات أولئك النسوة وصراعهن المرير من أجل البقاء على قيد الحياة والخلاص من الظروف القاسية جداً اللاتي تعرضن لها؛ ثمة حجم كبير من الحكايا المأساوية التي تم تحويلها إلى صرخة عالية في ضرورة أن تتمسك الروح البشرية بالأمل، مهما كانت الصعوبات والآلام. تمتلك الممثلة جوزكيويتش قدرة محيرة على التحكم بجسدها، وجعلة أداة تعبيرية طيعية لتمرير كل هذه القصص والتحولات والمحن، تضع نفسها كعادتها وبأدوات بسيطة جداً أمام عروض كبيرة، وكأنها تعيش دائماً في حالة من التحدي، أو البحث عن الجوهرة الثمينة والنادرة في روح الممثل. وفي أكثر من عرض لهذه الممثلة الحائزة جوائز عدة، لا تعطي لنفسها الكثير من العناصر المساعدة، تصعد إلى الخشبة لتتحدى، وتلتحم مع العرض لتصير جزءاً منه، ولتمرر لنا كل هذه الأوجاع الإنسانية التي تقتبسها وتبحث عنها في التجربة البشرية التي شابتها الكثير من الأوقات الوحشية المريرة.

على الخشبة كان الحبل الذي تحول بين يديها إلى أكثر من دلالة. قطعة القماش البيضاء التي حولتها إلى سلسلة من الرمزيات. القبعة، زجاجة الماء، الطاولة الصغيرة. لا شيء على الخشبة وضع ليكون زينة أو رمزاً جمالياً. الجماليات هنا هي العرض نفسه، وفي توفير جميع السبل ليقدم الممثل نفسه من خلال ثقافته الكبيرة، ودرايته العميقة بالوجع والتجربة الإنسانية، وروحه التي تشبه شعلة الضوء.

إن هذا العرض الذي يدافع عن إصرار الروح البشرية على البقاء والتمسك بالأمل والانتصار، هو أيضاً منطلق ومعلم في التقنين والاختزال، وأن القصص الكبيرة يمكن أن تقال بأبسط الأدوات في وجود ممثل حقيقي ومخرج يعرف كيفية استفزاز واكتشاف الجمال من دون إي ادعاء أو بهرجة.

طقوس خاصة

يقول الناقد المسرحي الدكتور د.عبدالرحمن بن زيدان إن زمن العرض في مسرحية «عشيات حلم» (نقوش حورانية)، يبدأ بطقوسية خاصة تتوزعها مشاهد تتكلم بإيحاءاتها الشفيفة عن المظاهر الاجتماعية والدينية والثقافية والتراثية في الأردن، وتدبّ فيها حركة وأنوار لها علاماتها، ولها بياضاتها التي ستصاحبها موسيقى عود ستعلن عن مصاحبتها لكل مشاهد العرض.

وهناك دوران رحى تتحرك في دوائر مغلقة، رتيبة، تدل على الزمن الذي يطحن الأعمار، ويقصي دفء اللحظات، وينفث في نهوض مشاهد الحكي كتابة سير ذاتية تسيرها حركة نساء يتحركن بشفافية أخّاذة، تسير بإيقاع رتيب نحو رسم أفق توقع المتلقي وانتظاراته المرتقبة.

بداية زمن العرض هي البداية الأولى لحياة فرجة «عشيات حلم»، بحركات الرحى بوصفها الجملة الأولى التي تكتب بصور وحركات مطلع قصيدة بصرية ستتأسس على صمت رهيب، يريد أن يتكلم وسط غمام كثيف من دخان قاتم تظهر فيه كل حركة، وتسمع فيه كل همسة، وتصرخ فيه كل همهمة كأنها نشرات أخبار تسعى إلى تكوين خطابها بعشياتها، أو تأسيس ما ستنطق به بأحلامها وبما تريد كتابته في فضاء المسرح حينما يكسر الضوء زمن الدخان، والأطياف، ليركز إنارته على موضوعه الذي يريد أن ينطق به، ويتكلم عنه كأنه ينبعث من نبرات شعر يسير على إيقاع الأنفاس الحالمة بالزمن الضائع الذي ستبنى بحضوره وحدة القصيدة الشعرية بوحدة التجربة الحياتية لـ«عرار» الممتدة من 25 مايو 1899 إلى 24 مايو 1949.

 

المصدر:

    حازم سليمان ـــ الفجيرة

http://www.emaratalyoum.com/

عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.