(ما الذي ميز ريتشارد الثالث؟؟)

اتفق معظم من استفتيتهم من الثبت والثقاة، على أن مسرحية “ريتشارد الثالث” من تأليف محفوظ غزال وإخراج جعفر القاسمي لفرقة إنتراكت برودكشن من تونس، ستفوز بالجائزة الأولى لأفضل عمل مسرحي خلال الدورة 6، لمهرجان المسرح العربي الذي احتضنته إمارة

“الشارقة” بالإمارات العربية المتحدة. وبرأي الجميع، فقد تصدت لجنة التحكيم المشكلة من السادة رئيس لجنة التحكيم الناقد المغربي (خالد قاسم أمين)، والدكتور خالد أمين (الكويت)، وغانم السليطي (قطر)، ومكي سنادة (السودان)، وهشام كفارنة (سوريا)، للمهمة، وتخطتها بنجاح، باختيارها “ريتشارد الثالث” للفوز بالمركز الأول.. كان العمل الفائز، قد تنافس مع 9 أعمال مشاركة، مثلت دولا لها باع مسرحي طويل، هي مصر ولبنان والعراق الجزائر فضلا عن الإمارات، ونفترض أن الأعمال الــ 9 المشاركة بالمهرجان، اتسمت ببنى واشتغالات مسرحية مميزة، وخصوصاً “نهارات علول” من تأليف مرعي الحليان وإخراج حسن رجب (الإمارات)، و”عربانة” من تأليف حامد المالكي وإخراج عماد محمد (العراق)، باعتبار أنها وصلت للقائمة القصيرة…. للتنافس على الجائزة الكبرى!! وأذكر في هذا السياق، أن الصديق المسرحي الجاد علاء الجابر رشح الأعمال الـــ 3، السالفة البيان، للتنافس على الجائزة الأولى، متوقعاً من خلال قراءته للعروض، فوز العرض التونسي “الخطير، والعالي الكعب” على حد وصفه، وجاءت توقعاته في محلها. والحق، وحجر الزاوية، ومربط الفرسان، الجدير حتماً بالاهتمام في هذه اللحظة الدرامية… أننا اعتدنا بكل صراحة، على أن تصدي أي فرقة مسرحية حكومية/ قومية، لأية مسرحية من مسرحيات شكسبير، يجابه دوماً بــ (العجز عن الحوار مع الصالة)، حيث يكون عرضاً (خانقاً) بكل ما تحمله الكلمة من معنى!!! وليس من مانع أن نمضي بما نملك من صراحة، لنتساءل لماذا نجحت (تونس) مع “ريتشارد الثالث”؟؟؟ فيما عجز عن ذلك كثيرون؟؟؟ ونوضح… أن جعفر القاسمي، كان قد قدم في “ريتشارد الثالث” مقاربة مع أوضاع المجتمعات العربية الراهنة، راسما الأحداث على خلفية زمكانية، جامعة بين زمن النص الشكسبيري الأصلي، والمكان الراهن بحيث يمضي الزمنين والمكانين القديم والحديث، كلا منهما بوتيرة تكمل الأخرى، لخلق حالة تماثل الواقع، وصفتها لجنة التحكيم بـــ “التقاطع مع الهموم المعيشة في الوطن العربي، وامتلاك موقفا واضحا ضد الموت والقمع والظلامية والتخلف، ونادت بحرية الأوطان والإنسان”. وتقول تجربتنا المتواضعة… إن تصدي أية فرقة مسرحية حكومية/ قومية، لأية مسرحية من مسرحيات شكسبير، ينطلق من أن المسرح حلية ثقافية، حيث يجلس الجمهور جلسة منشاة، أمام الستارة الإيطالية البرجوازية، وكأننا أمام روتين هزيل!!! القاسمي (تونس)، هو النقيض التام للروتين؛ حيث يبدو في عمله، وكأنه يأخذك إلى حي شعبي مكتظ بالطبقات الشعبية!!!! مبلوراً مسرحه (هو) على أنقاض النص الكلاسيكي الشكسبيري لا العكس!!! إنه ليس المهم أن تقدم الفرق المسرحية الحكومية/القومية، مسرحيات عالمية، تعكس اهتمامات طبقات وأزمنة خلت!! وإنما أن تبني هذه الفرق جسوراً تصل عبرها بين الثقافات الأم (النص الشكسبيري في حالتنا) والواقع الراهن، ليكون المسرح كالجسر الوسيط، في حقول الأدب الراهن مع ما أنتجته الثقافة الأم!! ولابد من شكر تونس، حيث المؤلف (محفوظ غزال)، والمخرج (جعفر القاسمي)، وفرقة (إنتراكت برودكشن)، الذين طابقوا بين هوية شكسبير وهوية جمهور مسرحهم، وجعلوا من “ريتشارد الثالث” شخصية عربية، فزال سوء التفاهم مع الجمهور العربي وحاجاته، وكلنا أمل أن يستوعب الجميع الدرس، وينعكس هذا النجاح على فرقنا المسرحية الحكومية/ القومية!!! وكويتياً… يبقى سؤال آخر مفتوحا لأهميته…. لماذا تنجح فرقة تونسية خاصة مثل (إنتراكت برودكشن) في بلورة مسرحية هامة كــ “ريتشارد الثالث”، في حين تبقى فرقنا الخاصة محكومة بأنشطة تجارية، تتقاطع مع عجزها عن البحث والتجربة والتجريب؟؟ وهل المؤسسات الثقافية المحلية، وفي مقدمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، واعية وقادرة على معالجة هذه العلة، للخروج من عنق زجاجة أزمتنا المسرحية؟؟؟ أتمنى ذلك!! (نختم حوارنا بالشكر الجزيل باسم كل المثقفين لسمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمى حاكم الشارقة تقديرا لمبادراته الثقافة عامة والمسرحية خاصة، وعلمت أنه رغم كثافة فعاليات مهرجان المسرح العربي، وكثرة المدعوين، إلا المهرجان كان مدهشاً في تنظيمه… فألف تحية لرئيس المهرجان إسماعيل عبدالله وصحبه الكرام)

 

استاذ النقد والأدب المسرحي د. علي العنزي المعهد العالي للفنون المسرحية – الكويت

 

 

نحو ألق ثقافي – جريدة الراي الكويتية

 


عن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.